أوقفوا الصراعات والتفتوا إلى التنمية في منطقة الشرق الأدنى

أوقفوا الصراعات والتفتوا إلى التنمية في منطقة الشرق الأدنى

الأربعاء - 15 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 14 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13896]

تأسست منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) منذ نحو سبعين عاما لتحسين الأمن الغذائي ورفع مستويات التغذية في أعقاب أكثر الحروب تدميرا في تاريخ البشرية، والتي خلفت عشرات الملايين من القتلى وتسببت في نزوح ولجوء أعداد ضخمة من الناس، ولم يسلم أي بلد تقريبا من شبح انعدام الأمن الغذائي والجوع وسوء التغذية بسببها.
هذا الأسبوع ذكرتني زيارتي إلى لبنان، وهو بلد عزيزٌ علي جدا، مرةً أخرى بأن الحروب والنزاعات هي ألد أعداء الأمن الغذائي.
تصف تقارير منظمتنا وغيرها من التقارير، بتفاصيل رهيبة أحيانا، كيف تتسبب الصراعات في المنطقة في تدمير حياة الناس وسبل العيش، وتعطيل الإنتاج الزراعي، وزيادة أسعار المواد الغذائية، وتزيد من حدة المخاوف وانعدام الأمن ونزوح الناس على نطاق واسع، بالإضافة إلى إطلاق موجات مقلقة من تدفقات اللاجئين.
يستضيف لبنان، البلد الصغير الذي عانى من ويلات الحرب والصراع الداخلي، بشجاعة وكرم بالغين أكثر من 1.5 مليون لاجئ سوري. ولوضع الأمور في نصابها، فإن هذا الرقم يشكل ثلث سكان البلاد، أي ما يعادل فرضيا استقبال الاتحاد الأوروبي أكثر من 170 مليون شخص.
تسبب تدفق اللاجئين غير المسبوق على لبنان في ضغوط استثنائية على البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية، والأمن الغذائي، والتماسك الاجتماعي في ذلك البلد.
كما أدت الصراعات الدائرة في سوريا والعراق أيضا إلى انقطاع شبكة التجارة البينية، التي كانت مزدهرةً في السابق، وتسببت بخسائر فادحة في الثروة والفرص الاقتصادية في جميع أنحاء تلك المنطقة.
وقد لعبت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) دورها لدعم الدول المتضررة من الأزمة السورية، من خلال إطلاق مبادرات أممية مشتركة مثل خطة زيادة قدرة اللاجئين على الصمود، وستواصل القيام بمثل هذا الدور.
إلا أننا ندرك أن هذه الاستجابات غير كافية، وأن أعداد من يعانون من نقص التغذية وانعدام الأمن الغذائي تستمر في الازدياد.
إن آثار الصراعات والأزمات لا تقتصر حاليا على تقويض الأمن الغذائي والتغذية فحسب، بل تتعداها إلى فقدان الموارد الثمينة، وتشتيت الاهتمام السياسي عن التحديات الأساسية مثل تزايد ندرة المياه في المنطقة، وتغير المناخ، والبطالة بين الشباب.
ومن الضروري، حتى في أوقات الاضطرابات، التركيز على أولويات محددة، لا سيما تعزيز القدرة على الصمود، من أجل دعم التحول إلى الزراعة المستدامة ووضع أسس متينة لتحقيق الأمن الغذائي للجميع.
وقد شكل المؤتمر الإقليمي للشرق الأدنى وشمال أفريقيا، الذي استضافته منظمة الفاو في روما مطلع هذا العام، منصةً لإجراء الحوارات وتبادل الآراء بشأن التحديات المختلفة التي تواجه الأمن الغذائي والتغذية في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك تلك الناجمة عن تغير المناخ والصراعات.
واتفقت الدول الأعضاء المشاركة في المؤتمر على المشاكل والحلول، وشددت على أهمية التعاون الإقليمي للتصدي لمثل هذه المشاكل.
تركز خطة العمل الخاصة بـ«الفاو»، والتي أطلقت في عام 2016 وستستمر خلال عام 2017، على المجتمعات التي تستضيف الملايين من السوريين الذين فروا جراء الحرب في بلادهم. ونسعى من خلال التركيز على دعم إنتاج أصحاب الحيازات الصغيرة من المحاصيل والإنتاج الحيواني، ودعم الممارسات الزراعية المستدامة، واستخدام الموارد الطبيعية، وتوفير فرص العمل المستدامة، وتحسين قدرات منظمات المجتمع المدني والتعاونيات وجمعيات المزارعين، إلى تعزيز سبل العيش المحلية، وتعزيز قدرة الأفراد والأسر والمجتمعات على الصمود، بالإضافة إلى تعزيز النظم الزراعية التي تجعل تحقيق ذلك الهدف أمرا ممكنا. ونهدف من ذلك إلى المساعدة في امتصاص آثار الأزمة السورية الحالية، وكذلك خلق نوع من التكيّف المستدام على المدى الطويل لمواجهة التحديات المستقبلية.
وكما هو واضح من التجارب العديدة السابقة، لا يمكن أن يكون هناك أمن غذائي دون تحقيق السلام، كما أنه من غير الممكن تحقيق سلام واستقرار دائمين دون حل مشكلة انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية بطريقة مستدامة ومنصفة.
إن السبيل الوحيدة لإنهاء الصراعات في المنطقة هي من خلال العمل المشترك والجماعي، والسعي لاعتماد جدول أعمال مشترك لتحقيق التنمية المستدامة وتجنب أن تخلف الأزمة الحالية التي طال أمدها مشاكل قد يستغرق التغلب عليها عقودا.
إنني على قناعة تامة بأن هذه المنطقة، التي تعد مهدا للحضارة البشرية، قادرة على التغلب على مشاكلها الحالية، تماما كما فعلت في الماضي.
* المدير العام لمنظمة الأغذية
والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو