ترامب: إدارة حرب؟!

ترامب: إدارة حرب؟!

الأربعاء - 8 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 07 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13889]
بكر عويضة
صحافي فلسطيني مخضرم. عمل في كبريات الصحف العربية من بينها جريدة "الشرق الاوسط" وصحيفة "العرب" اليومية" كما عمل مستشارا لصحيفة "ايلاف" الإلكترونية.
لو أن معاشر المتشائمين إزاء ما يرون أنها نذر حرب نووية لا تُبقي ولا تذر، تمنوا دليلاً جديدًا يُضاف إلى قائمة ما يسوقونه من علامات اقتراب تلك الحرب، لما توفر لهم أفضل من تواصل دونالد ترامب، الرئيس الأميركي المُنتخب، هاتفيًا مع السيدة تساي إينغ وين، رئيسة تايوان، نهار الجمعة الماضي. تحرش السيد ترامب بالصين ليس مفاجئًا. يعرف ذلك كل من تابع استفزازات حملة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة. تجييش العواطف الوطنية ضد ما يوصف بالغزو الصيني للسوق الأميركية، أمر سابق لدخول ترامب نفسه على خط المعترك السياسي ببلده. بالطبع، التجييش العاطفي بغرض تشجيع الإنتاج الوطني ليس شأنًا أميركيًا فقط، بل هو منهج متّبع بكل الدول الصناعية، المتقدمة منها، والنامية التي تحاول اللحاق بركب من سبقها. في هذا السياق، معروف أيضًا أن التخوّف من نمو نفوذ العملاق الصيني بأسواق عديدة في مشارق الأرض ومغاربها، استوطن رؤوس معظم صانعي القرار في عواصم دول الاقتصادات القوية. وإذ أصبح التصدي لزحف التنين الاقتصادي هاجس ساسة تلك الدول، فقد راوح التعامل مع بكين ما بين اعتماد دبلوماسية ناعمة تستند إلى تعاون وانفتاح، وتجريب التناطح معها باستخدام مفردات خشنة وتصريحات استفزازية.
رغم أن قبول ترامب الحديث مع رئيسة تايوان، وهو أمر لم يحصل من قِبل رئيس أميركي منذ أربعين عامًا، يمكن إدراجه ضمن المواقف الاستفزازية، فإنه يندرج أيضًا في نطاق ما يُعرف بجس النبض، أو قياس رد الفعل. ورغم أن مايك بينس، الجمهوري المجرِّب والسياسي المحنك، سارع بصفته نائب الرئيس المنتخب، للتقليل من شأن الأمر، فعدّه «زوبعة في فنجان»، فإن ترامب نفسه لم يتراجع، بل عاجل الصين، نهار أول من أمس، بصاروخ توبيخي أطلقه من قاعدته بموقع «تويتر»، إذ زعق قائلاً: «هل سألتنا الصين إن كان يجب خفض قيمة عملتها وبناء مجمع عسكري هائل أم لا؟ لا أظن». بالمناسبة، يبدو أن سيد البيت الأبيض الجديد سوف يوفّر على الإعلام في العالم كله مشقة الركض وراء أخباره، إذ يبدو حريصًا على إعلان مواقفه عبر تغريداته.
التيار المتخوف مما يراه احتمال «تهور» الرئيس ترامب بالاستمرار في استفزاز بكين، ومحاولة استدراجها إلى مواجهة في بحر الصين الجنوبي، تكون شرارة الحرب النووية، يشير إلى تعيين الجنرال جيمس ماتيس وزيرًا للدفاع، باعتبار أنه مؤشر على أن ترامب مقبل على تشكيل «إدارة حرب»، ويذكّر هؤلاء بتصلب الجنرال ماتيس إزاء إيران، وبما عُرف عنه من تشدد في الجيش الأميركي، أما إذا فاز عسكري آخر، هو الجنرال ديفيد بترايوس، بحقيبة الخارجية، فسوف يبدو من الصعب إقناع ذلك التيار أن عام 2017 المقبل سيمر بسلام.
يلفت النظر أن تيار التخوف من «تهوّر» الرئيس ترامب يقر بحقيقة أن الولايات المتحدة دولة مؤسسات، وأن القرارات الكبرى ليست خاضعة لسياسات الجالس بالمكتب البيضاوي، أو رهينة مزاجه. مع ذلك، يكاد البعض يجزم بتحديد ساعة الصفر، بمعنى التخمين بمواعيد فصلية، كالقول، مثلاً، إن خريف العام المقبل سيكون مناسبًا، لأن ترامب يكون أمضى أكثر من ستة أشهر رئيسًا، وهي مدة كافية للتحضير للحرب. حسنًا، ماذا عن روسيا؟ الجواب حاضر أيضًا، ذلك أن الرئيس فلاديمير بوتين جاهز كي يلعب مع الرئيس ترامب مباراة ودية يجري خلالها تبادل أهداف الغرض منها تقاسم النفوذ بالتفاهم، وتقسيم أرض الملعب، أي أراضي الشعوب المغلوبة على أمرها، بالتراضي بين واشنطن ترامب وموسكو بوتين، وثمة احتمال أن يحصل بعض المتأملين، مثل تركيا إردوغان، على نصيب من الغنائم، كموطئ قدم، مثلاً، في سوريا أو العراق، أو كليهما.
هل قلت سوريا والعراق؟ نعم، يا للحسرة عليهما إزاء ما حل بشعبيهما. ويا ويل ما ينتظر كل من أسهم بما أريق من دماء أطفال أبرياء بأرض دجلة والفرات، وكل من شارك في تشريد الآمنين، وتشتيت شمل آباء وأمهات. نعم ويل للمتورطين عن سابق قصد وتصميم، في مآسي المدنيين، حيثما هم، وأيًا كانت أعراقهم، من حساب يوم فصلٍ، علمُه عند خالق البشر أجمعين، بصرف النظر، شكّل الرئيس ترامب «إدارة حرب» أو لم يشكّل، ففي نهاية المطاف، ولو طال الانتظار، سوف يظهر الحق على الباطل.

التعليقات

عبد العزيز الراجحي
البلد: 
السعودية
07/12/2016 - 06:09

أستاذي الفاضل
نعيش منذ سنون في حروب مستمرة بلا هوادة سواء كانت حرب معلنة أم خفية، فكل ذلك يعني أن تحقيق السلام في العالم بات أمراً شبه مستحيل وخصوصاً مع الإدارة الأمريكية الحالية (المتشددة)
نسأل الله أن يحفظ الاسلام والمسلمين
والسلام عليكم ورحمة الله

حسن بو حمد
البلد: 
الجزائر
07/12/2016 - 12:31

أقدر مقالك الرائع أستاذ بكر فهو في صميم الواقع المرير
دمتم ويوماً ما سنلتقي... قل عسى أن يكون قريبا

محمدكريم/ ناظم عويضة
البلد: 
غزة - فلسطين المحلتة
07/12/2016 - 12:35

لقد أصبت كبد الحقيقة، فما من رئيس يبحث عن السلام إلا عبر خطاباته قولاً لا فعلاً وما من مرؤوس يسعى لتحقيقه فعلاً لا قولاً.
وما باليد حيلة... ونسأل الله السلام بأن يرزقنا السلام
احترامي.. وحفظ الله قلمك المبدع

الروائي خلوصي عويضه
البلد: 
فلسطين المحتلة
07/12/2016 - 16:01

لا أظننا نختلف حول حقيقة مدى الدهاء الذي تحترفه وتمارسه الادارات الأمريكية المتعاقبة وأعتقد أن ما تمحور حوله المقال الدسم يدور ضمن هذا الفلك وبلغة البلاغة هي تمرينات استعدادا لملاكمة سياسية قادمة لا محال ستكون جولاتها غير محددة وحلبة النزال على امتداد مساحة الأرض ولا أظنها تنتهي بضربة قاضية لأن الدهاء ذاته يوحي لصناع القرار شركاء الخراب أن عواقب ذلك ستكون وخيمة على مصالحهم هم قبل كل وأي شئ.

شيراز طاني
البلد: 
عكا
07/12/2016 - 21:32

مقال جيد من استاذ صحفي مخضرم مثلك استاذ بكر
السلام المزعوم بات امرا واضحاً بجلاء بأنه يحرم علينا رؤيته نظراً للسياسة الكاذبة والمتبعة من الشرق قبل الغرب.
استمر في الكتابة يا اروع الأقلام

ياسر محمد محمود ابو محمد
البلد: 
السودان
08/12/2016 - 12:44

نحن بحاجة قوية لاستنهاض امتنا العربية من المحيط الي الخليج ونعي مانملك من قوة لايستهان بها وقاددرون علي ان نهز عرش امريكا وربيبتها اسرائيل والالتفاف بقوة حةل قضيتنا المركزية والتصدي للطغيان والاستبداد الامبريالي الطامع في تروتنا المادية والبشرية نحن بحاجة لان يعانق المحيط الخليج ويراقص الفرات النيل لابد من استنهاض الهمم ومواجهة الاعداء بكل جراءة نستطيع ان نفعل ذلك ان وثقنا بقدراتنا وان نترك ما يفرق بيننا نحن امة قوية فقط ان تتوحد مشاعرنا واهدافنا لابد من لم الشمل حتي نقوي علي المواجهة ونقتلع كل بذور الفرقة والشتات حتي أن صرخت دمشق تبكي صنعاء وان تألمت بغداد تأثرت الرباط

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة