الانقلاب الفاشل ومآلاته

الانقلاب الفاشل ومآلاته

الأحد - 11 شوال 1437 هـ - 17 يوليو 2016 مـ رقم العدد [13746]
عبد الرحمن الراشد
اعلاميّ ومثقّف سعوديّ، رئيس التحرير السابق لصحيفة "الشّرق الأوسط" والمدير العام السابق لقناة "العربيّة"
في الستة عقود الماضية جرت 457 محاولة انقلاب في العالم، فشل منها 230 انقلابًا، معظمها جرى في دول العالم الثالث، ودول أنظمة شمولية مثل روسيا التي واجهتها مرة واحدة على الأقل. استقرار النظام السياسي هو الفارق بين الدول المتقدمة والدول الأخرى، وهو الهاجس الأول عند كل الشعوب.
أثارت محاولة الانقلاب، التي قام بها فصيل عسكري في تركيا، قلقًا كبيرًا. كانت مفاجأة، لأن نظامها السياسي قطع مسافة طويلة نحو تثبيت أركانه. وقد ينظر إلى محاولة الانقلاب هذه كمشكلة في بنية النظام وسلامة الدولة. كانت هناك احتمالات ثلاثة مساء أول من أمس؛ الأول أن ينجح الانقلابيون وتعود تركيا إلى زمن حكم العسكر الكامل، أو تقع مواجهات وفوضى تدخل هذه الدولة الكبيرة إقليميًا على خط الزلازل، وتنضم إلى العراق وسوريا وغيرها، وتتسع المخاطر على كل دول المنطقة، والاحتمال الثالث، فشل الانقلاب، وهو ما صار.
ومع أن كثيرين أرجعوا الفضل لإجهاض الانقلاب إلى تحرك الشارع التركي المعارض له، وهذا جزئيًا صحيح، لكن العامل الرئيسي في رأيي يعود للجيش نفسه. معظمه لم ينسَق وراء الضباط المتمردين، لهذا أخفقت المحاولة سريعًا. فالجيش التركي من الضخامة والحضور بما يمكنه من الاستيلاء على الحكم.
وجود احتمال أن يقود ضابط دبابة في أي بلد في العالم ويهدد نظام الحكم واستقرار الدولة وسلامة الشعب، هو أمر خطير. ولا يمكن بناء حصانة لمؤسسة الحكم إلا من خلال تعميق ثقافة احترام المؤسسات والدستور، ورسم قواعد العلاقة بين قوى المجتمع والشراكة ضمن توازن دقيق بين مؤسسات الحكم الثلاث، فيه يصبح دور القوات المسلحة محصورًا في مهام محددة، ووزارة الدفاع يتولاها مدني، والقائد الأعلى هو الملك أو الرئيس.
وإذا أردتم أن تعرفوا الفارق بين ديمقراطية عريقة مثل وست منيستر البريطانية وديمقراطية حديثة مثل أنقرة، يكفي أن تقارنوا بين حدثين تاريخيين بينهما يومان فقط؛ في بريطانيا، كاميرون رئيس الوزراء يستقيل بإرادته، وإردوغان، رئيس الجمهورية، يتعرض لمحاولة إقصائه بالقوة.
ديفيد كاميرون اختار أن يتخلى عن رئاسة الوزراء بعد أن قررت أغلبية الشعب البريطاني الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، أي ضد رغبته. كاميرون قدم استقالته رغم أنه بقي له في المنصب نحو ثلاث سنوات. وقد وقف له أعضاء البرلمان، الموالون والمعارضون، احترامًا، وصفقوا له طويلاً. أما في العاصمة التركية، ومدينة إسطنبول، فقد دخلتهما الدبابات تريد إسقاط الرئيس إردوغان.
ويمكن أن نقول إن الانقلاب كان امتحانًا مهمًا للنظام التركي جاءت نتيجته إيجابية، لكن وقوع المحاولة بذاتها يظل أمرًا يقلق المهتمين بقضية الصراع داخل تركيا. وستكون لمحاولة الانقلاب مآلات، لاحقًا، ستؤثر إيجابًا أو سلبًا على مستقبل الدولة التركية. قد تسرع بمشروع إردوغان الذي يريد نقل تركيا من النظام البرلماني الحالي، المماثل لفرنسا، إلى نظام رئاسي مثل الولايات المتحدة. بعد نجاة إردوغان ونجاحه صار الوقت ملائمًا لطرحه، حيث يحصل الرئيس على صلاحيات كاملة، وتنتهي تعددية الرئاسات، هذا جانب «إيجابي». أما الاحتمال السلبي، أن تعمق محاولة الانقلاب جروح الصراعات بين القوى السياسية التركية وتدور الانتقامات، في وقت تمر البلاد بمرحلة خطيرة. فتركيا تخوض حروبًا متزامنة، واحدة مع الانفصاليين من أكراد تركيا الذين عادوا إلى العمل المسلح، مدعومين بحلفاء إيران. وحربًا مع تنظيم داعش الذي تهدد عملياته الإرهابية بضرب الاقتصاد السياحي واستقرار الدولة. وهناك استمرار مخاطر الحرب في سوريا ونزاعاتها على جنوب تركيا وتخريب العلاقة بين مكونات المجتمع التركي.
السؤال الأكثر إلحاحًا بعد صدمة محاولة الانقلاب: هل لا يزال إردوغان يرغب في إكمال مشروع المصالحات الذي بدأته حكومته قبل أسبوع، مع روسيا، وإيران، وإسرائيل، ونظام الأسد، وكذلك مصر؟ لا نعرف كيف ستؤثر المحاولة الانقلابية على رؤية إردوغان للعالم من حوله، وخاصة على سوريا.
فمآلات محاولة الانقلاب لن تتوقف عند اعتقال ومحاكمة ضباط الفصيل العسكري المتورط، بل أتوقع أن تتجاوزها. هل يوقف إردوغان مساعي مصالحته مع الروس أم يعجل بها؟ السبب أنه قد يختار الالتفات إلى مواجهة التهديدات الداخلية ضده، وفي المقابل التصالح مع نظام الأسد، وحليفيه الإيراني والروسي. هنا تكون محاولة الانقلاب فشلت في تغيير إردوغان ونجحت في تغيير سياسته. أو أنه يقرر رفع مستوى المواجهة في سوريا لتعزيز وضعه إقليميًا بما يعزز وضعه داخليًا، والأمور معلقة بقادم الأيام.

[email protected]

التعليقات

فهد بن يحيى
البلد: 
بريدة - السعودية
17/07/2016 - 04:21

فجأة أصبح الأمر وكأن الشعوب تنهي أي إنقلاب في غضون ساعات، حتى أني رأيت تياراً أعرف اتجاهاته استثمر الحادثة ليحصرها بين (الجيش) والشعب الذي رفض انقلابه، رغم أن الرئيس التركي قال في خطابه بالأمس أن (شرذمة) من الجيش لا تمثله أرادت الخروج على النظام، وأتفق مع الكاتب في أن الجيش التركي لو أراد الإنقلاب لاستطاع ذلك، لكنه هذه المرة بدا ضد هذا الفصيل الذي أراد إسقاط أردوغان، يهمنا ألا تسقط تجربة رائدة لهذا الزعيم الذي نقل اقتصاد تركيا لمعدلات مرتفعة، في الوقت الذي حاول فيه بعض المؤدلجين استثمار الحادثة بشكل مضحك لتسويق مسرحي لم يكن واقعاً وحصره بين عسكر وشعب يقف ضد هذا الجيش.

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
17/07/2016 - 15:32

مآلات تلك المحاولة الفاشلة هي في الواقع ثمار يانعة يستعد الأميركيون والروس والإيرانيون والأوروبيون لقطفها، فبالدرجة الأولى المحاولة أعطت إنطباعاً عاماً لدى العالم بأن النظام التركي يهتز وهذا ما لا يريده الأتراك بالطبع، هذا عدا عن الاعتقالات الواسعة التي شملت الآلاف من القضاة والناشطين وهي مرشحة للازدياد في قادم الأيام مما سيفتح باباً واسعاً للأميركيين والأوروبيين لفرض ما لذ وطاب لهم من العقوبات على تركيا ووضع ما يشتهون من العراقيل أمام تبادلاتها التجارية وغيرها، عدا أن الأمر يعطي الأوروبيين فرصة ذهبية للتملص من تعهداتهم لتركيا مقابل منع تدفق اللاجئين إلى دولهم، كم كان قراراً غبياً عندما تنازلت تركيا عن كل شئ في لحظة واحدة، فإعتذرت للروس الذين إنتهكوا مجالها الجوي ولإسرائيل وتعهدوا بإعادة العلاقات مع نظام الأسد فكانت تلك هي النتيجة الفورية.

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
17/07/2016 - 15:38

قاعدة سياسية "أساسية" : إياك أن تنحني بلا داعٍ ولو قليلاً .. فسوف تُداس بالأقدام.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة