الإسلام ليس للمسلمين وحدهم

الإسلام ليس للمسلمين وحدهم

الأربعاء - 20 رجب 1437 هـ - 27 أبريل 2016 مـ رقم العدد [13665]
بكر عويضة
صحافي فلسطيني مخضرم. عمل في كبريات الصحف العربية من بينها جريدة "الشرق الاوسط" وصحيفة "العرب" اليومية" كما عمل مستشارا لصحيفة "ايلاف" الإلكترونية.
قد يصدم العنوان أعلاه بعضًا، فتشكل الدهشة والرفض، أو الغضب والاستنكار، رد الفعل الفوري. وقد يغيب التمهل فينعدم الصبر، ولا يستكمل أحدهم ما بدأ، قبل أن يُصدِر الحكم، مع أو ضد ما قرأ. بالمقابل، قد يبادر آخرون إلى قلب الصفحة قائلين بتذمر: ما أتيت بجديد. هل يمكن القول إن كلا الفريقين معذور؟ نعم، ذلك أن الفريق الأول يختصر الإسلام فيما يفرض الدين من عبادات. وإذا جاء من يجتهد خارج جدران المسجد، ليقول إن الحضور العالمي للإسلام يتجاوز نطاق الممارسة التعبدية، ودفاتر المدرسة، ويوجب إعادة تفعيل منهج التأثير الحضاري لعلماء مسلمين نَشطوا فجدوا، واجتهدوا فجددوا، وبينهم من أثْروا العلوم عبر قرون خلت فأثَّروا في مسيرة حضارات إنسانية عدة، فالأرجح أن الآتي بهكذا تذكير في زماننا هذا سوف يُواجَه بمن يضعه خارج ملة المسلمين نهائيًا، فيبدو كمن يحكم بطلاق بائن بين مسلم ودينه. أما مكمن عذر الفريق الثاني بألا يرى أي جديد بما أورد العنوان، فهو سعة الاطلاع وعمق المعرفة، وهما أمران ليس سهلاً توفرهما لكل الناس، بل الأصح أنه لا يُلقّاهما إلا ذو حظ سعيد.
وبين المحظوظين، في هذا الأوان، أولئك الملمون بمدى إسهام أكفاء من غير المسلمين في مجالات العلم والمعرفة في تسليط الضوء على جوهر رسالة الإسلام الإنساني، وتأثير حضارة المسلمين طوال عصرها الذهبي على حضارات شعوب كانت ديارها تغط في سبات تخلف عميق. ذلك، بالتأكيد، تقدير للإسلام لم يحظ به داخل بعض ديار المسلمين أنفسهم، وهو صادر عن ذوي ألباب تراهم يألمون لما يلحق بالإسلام من الأذى، تمامًا كما يتألم المسلمون بالفِطرة، لما يُنسب لدينهم من ويلات سفك دماء وتفتيت بلاد وتشتيت عباد طوال ظُلمات مراحل متباعدة من التاريخ الإسلامي، وها هي إحداها تفرض ظُلمة جبروتها من جديد.
شواهد الواقع تقول إن ما أصاب الإسلام من أذى بعض المسلمين أخذ من حساب رصيد مكانته في العالم جراء ما ارتكِب من حماقات باسمه منذ جريمة تنظيم القاعدة في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، وما تلاها من استنساخ تنظيمات القتل بعضها بعضًا، وتنافسها في الفظاعات، حتى الوصول إلى ظُلمة رايات سود يريد صانعو وهم «دولتها» تغيير مجرى التاريخ بإعادة البشرية جمعاء، وليس المسلمين وحدهم، قرونًا إلى الوراء.
ذات مساء، قبل أربع سنوات تقريبًا (أكتوبر/ تشرين الأول 2012) شاهدت أندرو مار، أحد مشاهير نجوم «بي بي سي»، يقول لمن شاهد رابع حلقات برنامج له تحت عنوان «تاريخ العالم»، ما خلاصته التالي: عندما تستخدم الهاتف الجوال تذكّر أن جهد عالم من العصر الذهبي للحضارة الإسلامية مختبئ داخله. هو كان يشير إلى محمد بن موسى الخوارزمي، وقد ذكره بالاسم، مشيرًا إلى دوره في تأسيس علم الحساب ونظام العد العشري (ALGORISM) وذكّر مشاهديه بأن الاسم مشتق من اسم الخوارزمي نفسه، وله دور أساسي في بنية كل كومبيوتر بين أيدي الناس. في الخامس من مايو (أيار) المقبل سيتوجه الناخبون في لندن وضواحيها لانتخاب عمدة جديد من بين مرشحين كثر، أبرزهم اثنان، أحدهما المسلم صديق خان، مرشح حزب العمال، والثاني زاك غولدسميث، الذي يمثل المحافظين. الخميس الماضي احتفل البريطانيون، ومعهم دول الكومنولث، ببلوغ الملكة إليزابيث الثانية عامها التسعين، وشاهد ملايين الناس توقف الملكة أمام كعكة ميلاد من ثلاث طبقات أعدتها لها الشابة المسلمة نادية حسين. بالطبع، تذكرون العداء الصومالي محمد فرح وما حصد لبريطانيا من ذهب الميداليات. وقبل أيام ودع علية القوم هنا بأسى المعمارية المبدعة، البريطانية - العراقية، زهاء حديد، وشُيع جثمانها باحترام مهيب. ثمة دلالة هنا مضمونها أن مسار الزمن يستمر. صحيح أن عثرات الشر تتغول بعض الوقت، لكن صبح الخير ينهض من سبات الليل، ولو بعد حين قد يطول. لذا، يبقى الأمل أن كل هذا الشر المراد بالجوهر الإنساني لرسالة الإسلام هو إلى زوال، إذ هو منذ البدء، وإلى الأزل، أراد إثراء البشرية بجواهر معرفة ونور، وما هي للمسلمين وحدهم.

التعليقات

محمد شاكر محمد صالح
البلد: 
EGYPT
27/04/2016 - 06:31

عنوان مقالكم مذكور في قرأننا الكريم في كذا مواضع كثيرة منها(وما أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)الأنبياء107 وأيضا (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا (28) سورة سبأ وماوصل اليه المسلمون من سلوكيات شاذة سببه الرئيسي انهم تركوا جوهر رسالة الاسلام وتمسكوا بالمظاهر فقط فاصبح المسلم هو من يرتدي جلبابا قصيرا او يربي لحية او من يجلس في المساجد ليلا ونهارا يخطب ويتوعد الناس بالويل والثبور ونسي هؤلاء ان اول ايه انزلها الله علي رسوله محمد صلي الله عليه وسلم هي اقرأ وان هذا القرأن معظم اياته تتحدث عن التعقل والتدبر او التفكر في خلق الله سبحانه وتعالي سواء كان في أنفسنا او في الكون الذي خلقه الله لنا بجميع مخلوقاته وهذا الدين العظيم أنتشر في اسيا من خلال الأخلاق والقدوه الحسنة لهذا الدين فقط فهل من مدكر ؟؟؟

محمود الشيخ ديب
البلد: 
فلسطين
27/04/2016 - 08:33

مقال جيد يذكر بحضارة وفضل الإسلام على العالم ومن المهم أن نعي أننا نحن المسلمون نتحمل المسئولية الكاملة عن الإساءة لديننا قبل أن نلوم الاخرين لان الهدم بالقيم والمبادئ التي ارتكزت عليها الدعوة جاء من المسلمين المتاجرين بالدين والخارجين على الاجماع العام للدعوة وممن ادعوا انهم يعملون لله فقط وهم ساعون الى السلطة والنفوذ والمال

محمود الشيخ ديب
البلد: 
فلسطين
27/04/2016 - 09:23

مقال جيد يذكر من نسى بفضل الإسلام على العالم ولكن مسئولية الإساءة اليه تقع على عاتق المسلمين أولا فالخارجين على الاجماع والمتاجرين بالدين سعيا وراء السلطة والنفوذ والمال ( وليست هي لله كما يدعو) السبب الحقيقي وراء تشويه الدعوة ولا نلوم الاخرين

Arbahim Qali
البلد: 
Sweden
27/04/2016 - 14:35

نعم الإسلام ليس للمسلمين وحدهم،وكذلك الإسلام لا يقتصر بالصلاة والصوم والحج والزكاة..الإسلام هو أن تسلك طريق الخير،وطريق الخير أيضا لا يقتصر بالعبادات.وهناك الملايين من البشر يفعلون ما أمر الله به عباده،والغرب أقرب منا الي الإسلام..هذه هي وجهة نظري،إذا كان للقارئي وجهة نظر.وشكرا

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
27/04/2016 - 16:39

استاذ بكر عويضة
مقال قيم يبين بجلاء تاثير الاسلام فى العالم اجمع وانه يجب الا يختزل الاسلام فيما نص عليه من عبادات من شهادة الا اله الا الله وان محمدا رسول الله واقامة الصلاة وايتاء الزكاة وحج البيت لمن استطاع اليه سبيلا فهذه ليست هى كل الاسلام وانما هى القواعد الاساسية التى بنى عليها الاسلام اما الاسلام فيشمل كل المعاملات الدنيوية التى تقوم عليها عمارة الكون وحركة الحياة فالاسلام هو مهد كل الحضارات فى العالم فقد برع علماء المسلمين فى جميع فروع العلم والمعرفة من ادب ونحو وفلسفة ومنطق وطب وهندسة وكيمياء وحساب وجبر ولا تسعفنى الذاكرة اليوم لذكر كل اسماء علماء العرب والمسلمين الذين برعوا فى هذه العلوم كابن سينا وجابر بن حيان وسيبويه والخوارزمى وعباس بن فرناس وابن زيدون وكانت تقام اسواق فى مواسم الحج للتنافس بين العلماء وعنهم تم نقل العلوم

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
27/04/2016 - 17:02

يتابع
2- الى الغرب وما علماءنا من العرب والمسلمين فى جميع فروع العلم والمعرفة المنتشرين فى انحاء العالم اليوم شرقه وغربه وفى اميركا اكبر دول العالم الا امتداد لجذور الحضارة الاسلامية واذكر على سبيل المثال احمد زويل الذى حصل على جائزة نوبل والاديب الكبير نجيب محفوظ الذى حصل ايضا على جائزة نوبل والعالمة العراقية التى توفيت مؤخرا فى لندن زها حديد التى برعت فى الهندسة المعمارية وتفوقت على اعتى العلماء الرجال فى هذا المجال حتى ذاع صيتها فى العالم اجمع والامثلة كثيرة ولكن الذاكرة لا تسعفنى باستدعاء كل الاسماء ولكن مايمكن ان اؤكد عليه ان الاسلام له تاثير كبير على العالم اجمع ولم يقتصر اثره على المسلمين فقط ولذلك فقد صحت مقولتك ان الاسلام ليس للمسلمين فقط وهنا نتذكر قوله تعالى ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة وقوله وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا

الشريف
البلد: 
الجزائر
27/04/2016 - 18:07

يا سيدي الفاضل الاسلام دين الناس اجمعين و نحن المسؤلين دوما عما يصيب اويضرب الاسلام لاننا مقصرون في التعريف به وبقيمه السمحاء , أو نحن متورطون بواسطة سفهائنا و ما يقوم به هؤلاء من خراب للعقول والحضارات الاسلام بريئ منه .

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة