تعرف مجتمعاتنا العربيّة والإسلاميّة اليوم مشاكل عدّة، يُهيمن عليها البعد السياسي، إلى درجة أنه يذهب في ذهننا أن مشاكلنا سياسيّة أولاً وأخيرًا، وأن كل المشكلات الأخرى هي من تداعيات الأزمات والتوترات السياسيّة الحادة. وهذا في واقع الأمر صحيح إلى حدّ كبير، ولكن من الخطأ الفادح الاقتصار عليه، لأن في ذلك وقوعًا في خطأ أكبر، يتمثل في سوء فهم الواقع وقراءاته على نحو لا يساعد على الفهم ولا على التفسير.
من جهة أخرى، وفي نفس الإطار الذي يعج بالمشكلات الظاهرة وغير الظاهرة، نلاحظ أن الخطاب السياسي والثقافي في بلداننا يُوظف أفكارًا ومفاهيم وكأنها من قبيل البديهيات ومن المكاسب المتحققة. من ذلك نشير إلى فكرة العيش المشترك، التي بدأت تعرف نوعًا من الاستهلاك اللغوي المبالغ فيه، الذي ينطوي على مخادعة كبرى وحقيقية، خصوصًا أن أحد أسباب المشاكل القائمة الذات في مجتمعاتنا اليوم هو غياب التجسيد الفعلي والواعي والإرادي لمفهوم العيش المشترك واستحقاقاته وشروطه.
ومن المهم الإشارة إلى خطورة هذه المسألة، من منطلق كوننا لا نستطيع أن نتحدث عن شعب في غياب مفهوم العيش المشترك. ومن ثم لا وجود لشعب ما لم تتأكد شروط توفر العيش المشترك، كقيمة ومبدأ وثقافة وإرادة ووعي عميق بذلك. أي إنه اليوم من الصعب إذا ما احتكمنا إلى شروط توصيف الشعب وفق أدبيات الحداثة السياسية، أن نعتبر مجتمعاتنا العربية والإسلامية شعوبًا. زد على ذلك أن هذه المشكلة تُلقي بظلالها على مفهوم الدولة، التي من مستلزماتها ومكوناتها وجود شعب تتوفر فيه شروط الشعب.
هكذا يبدو لنا أننا يجب أن نفهم التوترات الاجتماعية في الفضاءات العمومية في بلداننا، ووفق هذا المنظور أيضًا من المهم أن نعاين تأزم العلاقات الاجتماعية وضعف أدوار المؤسسات والجماعات الاجتماعية.
إن مفهوم العيش المشترك يقتضي أن يكون سلوك الأفراد داخل المجتمع عقلانيًا، وأن تكون العقلانية إحدى أهم خصائص الشعب. وهو ما ينتج عنه آليًا علاقات في الفضاء العمومي تقوم على ما يسميه هابرماس التواصلية العقلانية. العقلنة السلوكية هي وحدها المنتجة لمظاهر سلوكية هاضمة لفكرة العيش المشترك ومقتضياتها، ذلك أن العقلانية تعني احترام حقوق الغير الدينية والثقافية والسياسية والمدنية، وأن نحترم الغير في كل خصوصياته وفي حريته وفي مواقفه، أي أن مفهوم العيش المشترك يتطلب علاقة صحية وجيدة مع الغيرية، وهنا نصل إلى أول مرابط الفرس، وهو أن معوقات العلاقة مع الغير لم تُذلل بعد ولم تُعقلن تلك العلاقة، رغم تجارب التحديث المختلفة الخطوات والانخراط الجزئي الناقص المبتور في منظومة العقلانية.
لا تزال العلاقات داخل المجتمعات يحكمها الانفعال (نقيض العقلانية) والعصبية (ذلك المحدّد الرّئيسي للعقل العربي، الذي تناوله الراحل المفكر محمد عابد الجابري) ولا يزال السلوك الاجتماعي إزاء الآخر في بلداننا مشدودًا إلى قيم القبيلة والعشيرة والجهويات، وهي كلّها معوقات قوية، تمنع تطوير العلاقة مع الآخر وعقلنتها على نحو يجعل من مفهوم العيش المشترك واقعًا لا شعارًا يحضر أحيانًا، ويغيب في أغلب الأحيان.
هناك من يمكن أن يقول إن شعوبنا كانت بخير تعيش بسلام، ولم يكن يطرح بالمرة الخطاب الطائفي ولا العرفي ولولا الأيادي الخارجية لما وقعنا في شرك هذه التوترات الدامية المجانية.
في الحقيقة الجواب: كل شيء كان نائمًا والأيادي الخارجية حرّكت الراكد والكامن وكان لها ما أرادت. وما ينطبق على التوترات الحادة ينطبق أيضًا على كيفية العيش المشترك، داخل الحي الواحد والبناية الواحدة والعائلة الممتدة والنواة الواحدة والبلد الواحد.
إن العيش المشترك يتحقق وفق شروطه عندما ندرك ونعي جيدًا من أين تبدأ حريتنا، وأين تنتهي وتقف كي لا تفسد عيش الآخر، ويبقى ما هو مشترك في العيش يمثل الجميع بما يشبه العقد الاجتماعي.
وإذ نلح على مسألة الشروط، فلأن فكرة العيش المشترك مركزيّة جدًا في كيفية تصور الشعب، وأيضًا تمثل شرطًا لا غنى عنه لبلوغ مرتبة المواطن. فلا مواطنة دون تغلغل واع لفكرة العيش المشترك في الممارسات وأنماط السلوك كافة.
مطلوب منا التوغل حثيثًا في مجال العقلنة والعقلانية، حتى يكتسب السلوك الاجتماعي القدر اللازم من العقلنة، التي وحدها تعطي إشارة التحول إلى مواطنين وإلى شعب، ذلك أن الشعب هو تجمع ضخم للغيرية بكل اختلافاتها والعقل الهاضم لفكرة العيش المشترك هو الذي سبق أن هضم فكرة الحرية والمسؤولية، ولا مشكلة ثقافية رمزية له مع حقوق الإنسان. فعندما نبلغ مستوى عقلنة العلاقة مع الغير، سنقبض على المفتاح القادر على فتح أبواب عدّة.
8:33 دقيقه
TT
هل العيش المشترك ممكن في بلداننا؟
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
