يقول التاريخ إن المصري هو صاحب أقدم حضارة إنسانية أنارت العالم القديم، وأقامت أقوى وأهم إمبراطورية في التاريخ الإنساني القديم، وذلك بقيم الحق والعدل والنظام. ولقد وضع ملوك الفراعنة تمثال الماعت (الحق – العدل - النظام) على أيديهم، مؤكدين أن هذا هو المنهج القويم لحضارتهم. لقد احترم العالم قديما وحديثا هذا الشعب لما قدمه للإنسانية في شتى المجالات من العمارة والهندسة والفلك والنحت والموسيقى والأدب.. ولقد سبق فلاسفة مصر القدماء فلاسفة اليونان بقرون طويلة. وكانت معابد مصر، خصوصا معبد الشمس في مدينة رع (أون - عين شمس حاليا) أكبر مدرسة للحكمة والأدب جاءها فلاسفة وحكماء الإغريق لينهلوا من معارفها ويطلعوا على وثائقها الثمينة والتي وصفت بأنها أغلى من الذهب، وأثمن من الجواهر النفيسة، لأنها السر وراء بناء الأهرامات والمعابد وشق الترع والقنوات، وإقامة السدود ونصب المسلات والتماثيل الضخمة، وإعداد المقابر المزينة بنصوص فلسفة الموت والحياة. وحينما انتقل مشعل الحضارة إلى مدينة الإسكندر الأكبر - الإسكندرية، وصارت بوابة مصر على الأزرق المتوسط وأوروبا، بدأت صفحة أخرى مجيدة في تاريخ مصر، حينما بدأت الحضارات الناشئة في اليونان القديمة ومن بعدها روما استنزاف مصر سواء ثقافيا أو ماديا. كانت السفن تأتي من روما فارغة لتعود مليئة، ليس فقط بالقمح المصري ولكن بالهدايا التي لم ينسَ جنود وقادة الرومان حملها من مصر إلى أسرهم في روما، وهي غالبا ما تكون صناعة فرعونية سواء كانت تحفة فريدة أو قطعة حلي ثمينة نهبها اللصوص من مقابر الفراعنة العظام. استمر مسلسل نهب مصر واستنزافها ماديا وثقافيا على مدى العصور والقرون الماضية.
زادت في الآونة الأخيرة محاولات للنيل من الشخصية المصرية ودورها التاريخي في حمل مشعل الحضارة. ومهما كتب المتعالون والحاقدون من غثاء يحاولون به إقناع الناس أن المصري القديم لم يبنِ حضارة، وأن من بنى الحضارة فضائيون، أو قبائل من قلب أفريقيا! وقالوا كذلك بأنهم العماليق! المهم أن لا يقترن المصري بحضارته. هؤلاء نسوا أن الشخصية المصرية لا تزال مرتبطة بأرض مصر مثلما كان حال الأجداد. وفي ارتباط جدنا سنوحي المصري القديم بمصر المثل الأكبر! لقد ترك سنوحي مصر مهاجرا منذ أكثر من أربعة آلاف سنة خوفا من أن يزج باسمه في مؤامرة، ووصل إلى فلسطين وصار أميرا على قبيلة كبيرة، وعلى الرغم من السلطة والثراء فإنه ظل يرسل للفرعون الرسالة تلو الأخرى يستعطفه لكي يسمح له بالعودة إلى مصر ليدفن فيها حتى لا يموت بأرض غير أرض مصر.
المثير أنه ما من مصري ولد على هذه الأرض، وعاش فيها سنين شبابه وهاجر لسبب ما إلا ونجده محتفظا بخصاله وعاداته وتقاليده.. ويتساوى في ذلك المصري.. سواء المسلم أو المسيحي.. وعلى العكس نجد أن الأجانب الذين يعيشون بيننا في مصر يتمصرون تماما.. ومثلما حدث مع الهكسوس (أي الحكام الرعاة).. نجدهم في مصر يلبسون ملابس الفراعنة ويكتبون أسماءهم باللغة المصرية القديمة في خراطيش. والشيء نفسه حدث مع ملوك الأسرة الليبية وملوك الأسرة الكوشية وملوك البطالمة. تحلت الشخصية المصرية بالصبر وتحمل الشدائد، وعندما تثور يتفجر بركان لا يمكن إخماده. ولا يزال العقل المصري يحمل صفات الماضي وقيمه، قادرا على النجاح والإبداع.. المشكلة هي أن الفرق بين المصري في الخارج وأخيه في الداخل أن الأول يعمل ضمن منظومة ومناخ يساعد على الإبداع والتميز بينما أخوه في الداخل أنهكته المشكلات التي تحيط به من كل جانب وتأتيه من كل صوب وحدب، لا يريدون له أن يهنأ ليبدع.. أرى أن المصري قادر على الإنجاز والعمل ومصر قوية بأبنائها وستمر الأحزان وستبقى مصر آمنة بأهلها وعلى من يدخلها.. عهد محفوظ بكتاب الله.
9:11 دقيقه
TT
مصر.. الزمان والمكان
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
