جنة الله في الأرض

جنة الله في الأرض

الخميس - 18 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 28 يناير 2016 مـ رقم العدد [13575]

في الجنوب الأقصى من سويسرا، وعلى الحدود الإيطالية، ذهبت مع (غروب سياحي) إلى منتجع يُعتبر دون مبالغة جنّة الله في الأرض.
كنت مفتونًا ومأخوذًا وطافحًا بالسعادة القصوى - خصوصًا أنني كنت وحيدًا دون أي أنيس أو جليس.
كان هناك برنامج يومي (للغروب) الذي أتيت معه، غير أنني اعتذرت بأعذار واهية لعدم الانضمام لهم، فهي فرصتي الوحيدة للاستفراد بنفسي.
مرّ اليوم الأول بسلام، ونمت تلك الليلة كأي طفل آمن من كل خوف.
وأفقت في الصباح الباكر على زقزقة العصافير، وكنت أول الداخلين إلى (بوفيه) الفندق، وبعدما انتهيت انطلقت إلى ضفاف البحيرة أركض أو أرمح أو ما يُطلق عليه (الجوغنغ)، وتخيلت نفسي وقتها ولا (بولت) العداء الجامايكي المشهور.
لففت على البحيرة تقريبًا (سبع لفات) مثلما يلفّ الثعلب في لعبة الأطفال المعروفة، وعندما أعياني الإنهاك تسطحت على أحد الكراسي الخشبية، مثلما كان يتسطح (هارون الرشيد) أمام جواريه ومحظياته - طبعًا مع الفارق.
مرت تقريبًا ثلاثة أيام وأنا على هذا الموال البريء والعفيف والمنطقي.
غير أنني في اليوم الرابع قررت أن أكسر وأغير ذلك المنهاج، واستأجرت دراجة أو ما تسمى (بالبسكليت)، وقال لي المؤجر إن لها (عشر سرعات) - ولأول مرة أسمع عن ذلك - وسألني: ماذا تريدها؟! قلت له وقد أخذني الزهو بنفسي: اجعلها (للماكسمم)، وانطلقت بها في أرض جبلية، وأعجبت بقدرتي وبنفسي أيما إعجاب، وانحدرت مع الجبل في طريق متعرج، وكنت طوال الوقت أغني أو بمعنى أصح (اهيجن)، وكلما انحدرت أكثر أخذني الحماس أكثر، وبعد أن قطعت دون مبالغة عدة كيلومترات تذكرت فجأة أنه يجب علي الصعود ثانية لإرجاع الدراجة، وبدأت تتوالى علي المحن، إذ هاجمني كلب عقور، وحاولت إخافته بصياحي عليه، غير أنني كلما زدت الصياح ازداد هو بالشراسة، والحمد لله أنني نفدت منه بجلدي بعد أن تدخل صاحبه في الوقت المناسب، غير أن مشكلتي لم تنتهِ بعد، إذ إنني كنت أمنّي نفسي بالوصول إلى السهل، ولكن واديًا عميقًا حال بيني وبين الوصول إلى الطريق العام، ومن هناك بعد أن خيم الليل اضطررت إلى أن آخذ سيارة أجرة إلى الفندق، وفي الصباح ذهبت إلى صاحب الدراجات، فغرمني مبلغًا كبيرًا يعادل ثمن الدراجة.
وعافت نفسي (جنة الله في الأرض)، ويا ليتنا من حجنا سالمين.
وقد يسألني سائل: طيب، وما فائدتنا من كل ما حكيته، إحنا ما لنا وما لك؟! إن شاء الله تروح في داهية.
ومعه كامل الحق في سؤاله، فعلاً إنني خجلان وأعتذر، ولكن ماذا أكتب، إذا كانت هذه هي حياتي كلها هذر في هذر؟!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة