مشعل السديري
صحافي وكاتب سعودي ساخر، بدأ الكتابة في الصحف السعودية المحلية، ثم في صحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية، تتميز كتاباته بالسخرية اللاذعة، ويكتب عموداً ثابتاً في «الشرق الأوسط».
TT

بين كل مسجد ومسجد.. مسجد

جاء في مقابلة للشيخ (صالح المغامسي) إمام وخطيب مسجد قباء في المدينة المنورة، انتقاد تنامي التسابق لبناء المساجد، واعتبر أن هذه الظاهرة قد خرجت عن الإطار، فالأصل هو أن تكون المساجد (قليلة) ليجتمع الناس فيها، وتمنى وجوب نشر (ثقافة الوقف).
وكلامه صحيح من أوله إلى آخره، ورغم أنني لا أنتمي لرجال الدين لا من قريب ولا من بعيد، إلا أن هذا لا يمنع علي أن أدلي بدلائي كرجل مسلم له عقل وعينان وشيء من الضمير.
فكيف أفهم بالله أن مخططًا ما مساحته مليون متر مربع مثلاً، تفرض الأنظمة على صاحبه أن يقيم عليه سبعة مساجد، وهكذا أصبح في المملكة أكثر من مائة ألف مسجد، يقوم على خدمتها أكثر من (300) ألف شخص ما بين إمام ومؤذن وعامل – يعني باختصار جيش عرمرم.
وهذه المساجد لا تمتلئ بالمصلين غير في يوم الجمعة، أما ما عداها من الأيام فبالكاد تجد هناك عشرة أشخاص خلف الإمام.
فما هي المعضلة أن يكون هناك جامع كبير واحد في كل أرض مساحتها أربعة ملايين متر؟! ليتحقق هدف اجتماع الناس، ولنحض الناس كذلك على السير، خصوصًا أن في كل خطوة يخطوها الإنسان نحو المسجد هناك حسنة، وإذا كان أحدهم مستغنيًا عن الحسنات فالله يقويه ويركب سيارته أو يأخذ سيارة تاكسي، وليس صعبًا أن يسير الإنسان ألف متر، خصوصًا ونحن نشاهد الآلاف يسيرون يوميًا في مضامير المشاة رجالاً ونساءً طلبًا للرياضة وتخفيض الأوزان، ويقطعون عدة كيلومترات، وهم يتضاحكون.
والآن نرى بأم أعيننا ما بين كل مسجد ومسجد مسجدًا ثالثًا، ونسمع بأم آذاننا تداخلاً لأصوات القرآن بميكروفونات تجهر بأعلى الأصوات، رغم أن رسولنا الكريم نهى عن الجهر.
ولقد شاهدت، وليس «قيل لي»، أن هناك مسجدين صغيرين متقابلين (الباب في وجه الباب) في مدينة أبو عريش في منطقة جازان، ولا يفصلهما عن بعضهما البعض إلاّ شارع عرضه (12) مترًا – ويا ليتني صورتهما لأبعث بالصورة للشيخ صالح (واتساب) - وأكيد هناك الكثير على شاكلتهما.
صحيح أن الكثير يتسابقون لبناء المساجد لرغبة كل واحد منهم في الظفر بقصر في الجنة، ولهم الحق في ذلك، ولكنني أسأل رجال الدين الأفاضل: ألا يؤجر إن تبرع أحدهم بثمن بناء مسجد للأعمال الخيرية التي يعود نفعها على الفقراء والأيتام والأرامل والمرضى، خصوصًا وهو يشاهد المساجد في كل شارع تقريبًا؟! إنني مجرد إنسان مجتهد فإن أخطأت (فامسحوها بوجهي) ولن أعودها، وإن أصبت فلا أريد من وراء ذلك لا جزاءً ولا شكورًا.