سيلفي اللاجئين

سيلفي اللاجئين

الاثنين - 29 ذو الحجة 1436 هـ - 12 أكتوبر 2015 مـ رقم العدد [13467]
ديانا مقلد
كاتبة واعلاميّة لبنانيّة

لماذا يحرص كثير من اللاجئين على التقاط صور «سيلفي» لهم لحظة نجاحهم في عبور البحور والوصول إلى أوروبا؟
برأيي السؤال الحقيقي لماذا لا يحرصون. أعتقد وبصدق أنني لو خضت تجربة كتلك التي يضطر هؤلاء لخوضها سأعمد إلى تصوير كل الرحلة بهاتفي وأوثق لحظة النجاة، إن قدرت لي، وسأضعها فورًا على «فيسبوك» و«تويتر».
السؤال أعلاه أثارته الحملة التي قدمت تأويلاً سلبيًا لظاهرة استخدام صور «سيلفي» التقطها لاجئون لحظة وصولهم إلى أوروبا، وطبعا من يروج لذلك هم جهات غاضبة من تدفق اللاجئين.
والصور المعنية بالحملة هي تلك التي تظهر بعض اللاجئين يضحك ويتصور ويعبر عن سعادته بالنجاة. جرى تقديم تلك الصور في سياق يحاول نزع صفة الضحايا عن مأساتهم وإلباس لجوئهم ومحنتهم لبوسًا اقتصاديًا بحتًا.
«هل تعتقدون أن اللاجئين يتركون بلادهم من أجل التقاط صورة سيلفي مع المستشارة»
تم تسريب هذه الجملة من نقاش طويل مغلق عقدته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قبل أيام لبحث مسألة اللاجئين والانشغال الأوروبي الكبير بهذه المسألة وتداعياتها في ظل الخوف الذي استبد بكثيرين، خصوصًا في دول شرق أوروبا. ميركل قدمت مداخلة قوية دافعت فيها عن قناعتها الشخصية بسياسة فتح الأبواب أمام اللاجئين مستذكرة تجربتها الشخصية حين كانت تعيش في برلين الشرقية أيام الحرب الباردة، «لن يتم وقف اللاجئين إذا بنينا سياجا.. عشت خلف السياج لوقت طويل»، قالت ميركل.
وتعليق ميركل على صور الـ«سيلفي» هو بعد حماسة الكثير من اللاجئين لالتقاط صور سيلفي معها بعد سياسة الأذرع المفتوحة التي اعتمدتها في ألمانيا وفرضتها على أوروبا.. تعليقها بأن هؤلاء لم يأتوا إلى أوروبا لالتقاط صور يصيب الحقيقة.
يتجاهل الغاضبون من صور «سيلفي» اللاجئين أن هؤلاء يعتبرون الهواتف الذكية أكثر أهمية وحيوية من الطعام والماء أحيانا، فتلك الهواتف ليست ترفا أبدا، بل هي تكاد تحوي كل ما يحتاجه الفارون من مأساتهم في رحلة هروبهم الطويل فهي تضم خرائط وطرقات ومعلومات عن الطقس والأماكن. واستعمال الصور غالبا ما يكون لتطمين الأهل أنهم بخير. ويمكن من خلال زيارة صفحات خاصة باللاجئين معرفة كم هي مهمة لتبادل التجارب وللمساعدة لمن يصل أو يضيع أو لا يجيد اللغة.
في كثير من العالم باتت الهواتف الذكية حاجة تضاهي حاجة المأكل والملبس، وفي كثير من العالم أيضًا لا تتوافر خطوط هاتف أرضي وبالتالي الهواتف الذكية هي سبيل التواصل وهي الكومبيوتر. واللاجئون ليسوا بالضرورة فقراء مدقعين والهاربون من سوريا ليسوا بالفقر الذي يتخيله البعض.
لكن هنا تبرز علاقة السوريين بهواتفهم الذكية التي باتت جزءا أصيلا من صراعهم. منذ اللحظة الأولى التي تظاهروا فيها حين خرجوا إلى الشارع حملوا كاميرات هواتفهم لتصوير الموت الذي يواجههم. نعم، لقد غير السوريون منطق الصورة عما كنا نعرفه وما زالت الصحافة العالمية تحلل كيف وثقوا موتهم أمام آلة النظام والتنظيمات التي تفرعت منه وكأن تلك الصور باتت خاصية سورية بحتة لا يستطيع أي مكان آخر في العالم أن ينتج مثلها.. لم يعد بإمكان أي وسيلة إعلام أن توازي في قوة صورتها صور السوريين عن حياتهم في الداخل خلال السنوات الماضية، فحين منع الإعلام من دخول سوريا قرر السوريون أن يمسكوا بمصيرهم، وصورتهم هي جزء من هذا المصير.
في تحقيق نشر في ألمانيا مع اللاجئين السوريين ولماذا هذا الشغف بالتقاط صور الـ«سيلفي» أجاب أحدهم: «نحن السوريون التقطنا صورًا لكل مظاهرة ولكل مجزرة، لن نتوقف عن التقاط الصور ومشاركتها الآن. الهجرة واللجوء جزء من قصتنا».
[email protected]


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو