العلاّمة حمد الجاسر يظهر في روسيا

العلاّمة حمد الجاسر يظهر في روسيا

الثلاثاء - 22 ذو الحجة 1436 هـ - 06 أكتوبر 2015 مـ رقم العدد [13461]
عبدالرحمن الشبيلي
إعلامي وباحث سعودي
من المؤكّد أن العلاّمة السعودي حمد الجاسر (المتوفّى سنة 2000) كان سيبتهج كثيرًا في مرقده لو علم أن مركزه الثقافي في الرياض قد رتّب لسبعة من تلاميذه الأكاديميين زيارة ثقافية ماتعة في مكان من الكرة الأرضية لم يسبق لقدم الشيخ أن وطئته في رحلاته العلمية الكثيرة التي دوّنها في كتبه، وكانت الزيارة على أعلى ما تكون الرحلات الجماعية انسجامًا ومتعةً سياحية وفائدة علمية، أمضى فيها أعضاء مجلس أمناء مركزه الثقافي سبعة أيام مناصفة بين موسكو وسانت بطرسبورغ، وزاروا خلالها أبرز المعالم الثقافية في المدينتين العريقتين اللتين شهد تاريخهما صورًا متعددة من تلاقح الثقافات والديانات والجنسيات والأعراق، ضمن بلاد في آسيا الوسطى، طالما أسدت للحضارتين الإسلامية والعربية كنوزًا من المعارف والمخطوطات، وأسهم مفكروها وعلماؤها في خدمة التراثين العربي والإسلامي.
والمعروف أن الشيخ الجاسر كان من أبرز المؤرّخين والجغرافيين ومحقّقي التراث السعوديين في القرن الماضي، ومن أهم قادة التنوير في إقليم نجد بخاصة في العصر الحديث، وأن أسرته وتلاميذه قد أقاموا مركزه الثقافي تخليدًا لذكره والحفاظ على تراثه العلمي، وهو مركز يحظى بالرئاسة الفخرية والرعاية الشخصية منذ إنشائه وما يزال، من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز.
وسيزداد الشيخ الجاسر ابتهاجًا لو عرف أن تلاميذه قد قصدوا روسيا ليشاركوا الدبلوماسية السعودية في الاحتفاء بمناسبة اليوم الوطني السعودي بفعاليتين ثقافيتين؛ تناولت الأولى منهما جذور التواصل الثقافي وبداياته بين روسيا وبلاد الحرمين الشريفين منذ مطلع القرن العشرين، عندما أقامت روسيا القيصرية قنصلية لها في جدة أيام الحكم العثماني (1892) وذلك ضمن ثماني قنصليات لدول أخرى بدأت التمثيل السياسي مع الحجاز، وكانت تلك القنصلية الروسية أسبق الممثليات الثماني في الاعتراف بالحكم السعودي في الحجاز وذلك إبان العهد السوفياتي (1926).
وعُرف أن القنصل الروسي في الكويت بدأ اتصالات تداعب الحاكم السعودي الجديد (ابن سعود) ووالده الإمام عبد الرحمن بعد عام من توطيد الحكم السعودي في الرياض (1903) أملاً بأن يكون لروسيا حظوة خاصة لدى الرياض، في منافسة واضحة مع الأتراك والإنجليز والفرنسيين. ثم بدا وجه آخر للتواصل السياسي بين البلدين، بقيام وزير الخارجية السعودي الأمير الشاب فيصل ووفد رفيع مرافق بزيارة رسمية هي الأولى له إلى روسيا في العهد السوفياتي، وذلك في أثناء رحلته الثالثة إلى أوروبا (1932).
كانت تلك اللمحات وغيرها من أوجه التواصل السياسي والثقافي القديم والمعاصر هي ما تناولته محاضرة بهذا العنوان قدمها في موسكو كاتب هذا المقال عضو مجلس أمناء مركز الشيخ حمد الجاسر الثقافي، واستعرض خلالها صور التأثير الثنائي المتبادل بين مجتمعي البلدين، مثنيًا على ما قام به ويقوم به باحثون ومستشرقون ورحالة روس وسعوديون، من أمثال أليكسي ڤاسيلييڤ ومحمد ناصر العبودي، وأسفرت عن الكثير من الكتب والدراسات التاريخية والبلدانية والقراءات الانطباعية عن البلدين.
أما الفعالية الثانية، فكانت عبارة عن ندوة حول المائدة المستديرة، بإدارة البروفسور يفغيني كاجوكين، وشارك فيها سبعة من أساتذة جامعة العلاقات الدولية بموسكو مع سبعة من أعضاء مركز حمد الجاسر الثقافي وهم أحمد الضبيب وعبد العزيز المانع ومحمد الهدلق وعبد العزيز الهلابي وسعد البواردي ومعن الجاسر وكاتب المقال، ودار الحديث خلالها عن أبرز رموز التنوير في الجزيرة العربية في القرن الماضي، من أمثال محمد سرور الصبّان وحسن عوّاد وعزيز ضياء وحمزة شحاتة وحمد الجاسر وعبد الكريم الجهيمان وعبد القدوس الأنصاري، وكانت سيرة الشيخ حمد الجاسر حاضرة بقوة في تلك الندوة فضلاً عن كتبه وإصداراته، وبالإضافة إلى مشاركة الوفد الثقافي في احتفال السفارة السعودية باليوم الوطني وعرض إصداراتهم في المعرض الذي أقامته السفارة بهذه المناسبة، زار الوفد الجامع الجديد الذي افتتح في موسكو قبل أيام، بالإضافة إلى أبرز المعالم السياحية والثقافية في موسكو ومن بينها متاحف الكرملين.
وخصص الوفد الجزء الثاني من زيارته لروسيا لقضاء ثلاثة أيام في سان بطرسبورغ المدينة السياحية الجميلة الواقعة شمال غربي روسيا على بحر البلطيق وخليج فنلندا، التي لا يملّ السائح من التجوّل في معالمها لكونها تزخر بالتراث التاريخي والعمراني المتمثّل في القصور والكنائس والمراكز الثقافية والأنشطة الفكرية والمتاحف، وفي طليعتها متحف الهرميتاج الأشهر في شرق أوروبا، الذي مضى على تأسيسه قرنان ونصف القرن ويضم أكثر من ثلاثة ملايين تحفة تاريخية، وقد التقى الوفد مدير المتحف البروفسور ميخائيل بيتروفيسكي المستعرب المهتم بتاريخ جنوب الجزيرة العربية، الذي كان على معرفة بتراث العلامة الجاسر وأثنى على جهوده العلمية والبحثية والتحقيقية، وعلى مجلة «العرب» التي ظل الجاسر يصدرها على مدى خمسة وثلاثين عامًا إلى أن توفّي ثم انتقل تحريرها إلى مركزه الثقافي لتكمل هذه السنة خمسين عامًا من الصدور المتّصل، وكانت مدينتا بيترهوف وبوشكا المنتجعان الصيفيّان لقياصرة روسيا ذواتا القصور التاريخية الفاخرة والمقتنيات التراثية الباذخة آخر محطات تلك الزيارة ضمن النشاط الثقافي للمركز الذي يتتوّج اسمه بعلم من الأدباء العرب المؤثّرين في القرن العشرين، أطلق عليه الأديبُ العربي طه حسين لقب علامة الجزيرة العربية.
* إعلامي وكاتب سعودي

التعليقات

Taha
06/10/2015 - 11:27

كنت أتوقع هنا الإشارة أيضا إلى انتقاد العلامة حمد الجاسر للعالم ابن خلدون، في ما يخص العمالقة. حيث كان ابن خلدون قد جعل العمالقة أقواما، لهم قبائل وانساب. واتحفنا حمد الجاسر، بأن عد قول ابن خلدون ذلك من روايات "القصاصين" فقط، ولا علاقة له بالعلم، الذي يصنف العمالقة من الأساطير. وهنا، يسجل حمد الجاسر ثلاث نقاط، هي العملاقة بالفعل، وحقا، تضعه في المقدمة: 1-انتقاد، عن حق، لقامة مثل ابن خلدون، 2-اراحتنا من اسطورة فتاكة، مثل العماليق، الذين ينسب إليهم أيضا بناء أهرامات مصر، وبذلك، محاولة حرمان النوبا، سكان مصر القديمة الأصليين، من هذا الفضل العظيم، 3-تثبيت حقيقة أن سيدنا موسى، بنفسه، لم يدخل أورشليم، وهكذا كما كان ابن خلدون قد قال بذلك، ومخالفة لهذه الحقيقة المعروفة.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة