الخوف من تراجع دخل البترول

الخوف من تراجع دخل البترول

الجمعة - 7 ذو القعدة 1436 هـ - 21 أغسطس 2015 مـ رقم العدد [13415]
عبد الرحمن الراشد
اعلاميّ ومثقّف سعوديّ، رئيس التحرير السابق لصحيفة "الشّرق الأوسط" والمدير العام السابق لقناة "العربيّة"
الأخبار الصحيحة مع الإشاعات والمبالغات تكاد تتفق على أننا على باب مرحلة مالية صعبة، فأسعار النفط هوت إلى أكثر من النصف، وقد تستمر في الانحدار. وهذه ليست المرة الأولى فقد سبق للمملكة العربية السعودية أن مرت بصدمة الاثني عشر دولارا للبرميل في عام 1986 وما تلاها من سنوات عجاف.
ورغم أننا نعرف منذ قرن أن مدخول النفط زائل، فإننا على مدى عقود نردد دعوى السعي لتنمية «موارد بديلة عن مداخيل النفط». صارت تلك المقولة مجرد شعار بلا معنى. فالاعتماد على أموال النفط ظل يزداد مع كل ميزانية جديدة، حتى توقفنا عن التفكير في معالجة إدماننا البترول في أي زمن مقبل.
بوجود سعر البترول الغالي كانت إدارة موارد النفط مهمة سهلة جدا للبيروقراطيين. ففي الميزانية بابان، الإيرادات والنفقات. لا تحتاج إلى ذكاء ولا جهد، مجرد توزيع للمتوقع من ريع مبيعات النفط ومشتقاته، هذه للمستشفيات، وتلك للتعليم، وأخرى لدعم الصناعة، وشراء الشعير والأعلاف للمواشي المستوردة، وهذه للقمح للأوادم. وتدفع الحكومة معونات للإسمنت، والحديد، والبنزين، والمشروبات الغازية، والكتب المدرسية، والأندية الرياضية، ومكافآت للدارسين في الجامعات! طالما أن هناك مشترين للنفط لا يحتاج البيروقراطيون إلى إرهاق أنفسهم بالتفكير، المسألة محاسبية فقط.
وكحال المدمنين، سيأتي اليوم الصعب، عندما لا تكفيه الجرعات القليلة ويجد المتعاطي نفسه مريضا.
النفط أسهل وسيلة للحصول على المال، والمال السهل يفترض أنه وسيلة استثمار وليس للإنفاق. فالإنفاق على التعليم الجيد ينجب شبابا وبنات قادرين على الإنتاج، وتحقيق موارد للبلاد، أما الخريجون غير المنتجين فيستهلكون من موارد الدولة ولا يعينونها. هل شاهدتم منتجين كثيرين يمشون على أقدامهم في شوارعنا؟ قليل جدا من أطباء ومهندسين.
يفترض أن يستثمر المال الوفير في بناء صناعات قابلة للحياة بعد انقطاع موارد النفط، لكن معظم الصناعات الحالية تحصل على كهرباء وماء ووقود كلها معانة، وتدار بعمالة مستوردة رخيصة، وهذه المصانع سيغلقها ملاكها فور وقف المعونات عنهم. وفي ظل انخفاض البترول لن يبقى البلد مكتظا بالخدم والسائقين، وهي نتيجة إيجابية، لأن معظم الدول الأغنى منا والأكثر تقدما لا تعرف عادات الكسالى.
التحدي الحقيقي على الحكومة أكبر، حيث يتوجب عليها أن تجد موارد مالية إضافية. مهمتها عسيرة، مما يعني أن عليها أن تعين عقولا مبدعة، وستحتاج إلى إدارة جيدة قادرة على خلق المعجزات، تخفض النفقات وتستكشف موارد إضافية. والحقيقة أن البلد واعد، فالبنوك مكتنزة بأموال الأفراد والشركات التي لا يجد أهلها مجالات يمكن أن يستثمروها فيه. ولا يزال في جيب الدولة ما يكفي من المليارات من الدولارات لتغيير الخطة والعادات القديمة. فاحتياطات الحكومة المالية والثروات الخاصة تدعو للتفاؤل وليس للتشاؤم، مهما تناقصت مداخيل البترول لكن المهمة كبيرة. من دون تعديل أهداف التعليم، وتوجيهه لنشاطات منتجة محددة فإن الخمسة ملايين طالب سيصبحون عالة إنما بلا عائل. ومن دون تغيير أسلوب إدارة مؤسسات الدولة، وخدماتها وتجويدها، فإن هذا الفيل الكبير، أي الحكومة البيروقراطية، سيتعب كثيرا، وسيجوع طويلا.
وفي رأيي أنه ليس سيئا أبدا أن تنخفض مداخيل البترول، لأننا في حاجة إلى صدمة حتى نستفيق على الحقيقة، نستبق الصدمة الأكبر ونصحح المسارات، والوقت مناسب الآن.
[email protected]

التعليقات

عبدالعزيز
البلد: 
السعودية
21/08/2015 - 00:50

استبعد الخوف في طل اقتصاد منتج

خالد مكاوي
البلد: 
Saudi
21/08/2015 - 15:11

أين هو هذا الاقتصاد المنتج؟
وما هي منتجاته؟

سليمان الحكيم
البلد: 
مدريد
21/08/2015 - 02:34

صحيح أنه بعيد عن الهموم السياسية والسياسيين والحروب بكل مشتقاتها والهجمة الشرسة على المنطقة العربية، أجد أنك بارع يا أستاذ لأنك حصرته بكل الخليج العربى وخصوصا المملكة العربية السعودية، ومن يقرأ هذه المقالة بتأن وتمعن يعلم كم أنك مدمن على حبك لوطنك وأمتك، بل لكل أمتك العربية، لقد فجرت كل ما بداخلك إلى العلن، تأسف على الماضي وخائف على المستقبل، نعم هدرت آلاف المليارات والتريليونات من الدولارات هبائأ منثورا، كان الواجب أن تكون ذخيرة وخميرة لهذه الأيام السوداء وربما للمستقبل الذي لا يعلم إلا الله كيف سيكون لونه، نعم الكسل ثم الكسل واللا مبالاة والاتكالية وعدم تثقيف المجتمع على كل الأصعدة، وفي كل المجالات والتغاضي عن الجهلة بالإدارات والمسئولين عنها، وضخ دماء جديدة مكانها، لايزال بالإمكان تصحيح هذا الإعوجاج وإن كان لا متسع من الوقت.

حسين
البلد: 
السعوديه
21/08/2015 - 08:58

.كﻻمك واقعي استاذ ﻻكن اتاخرنا كثير جدا. ..اﻻن صعب التغيير

مساعد
البلد: 
Ksa
21/08/2015 - 14:48

أتفق معك في مجمل ماقلت ولكن لا يمكن المقارنة بين احتماليه هبوط الأسعار في الوقت الحالي و سعر ال ١٢ دولار السابق .. فحجم الإنفاق وعدد السكان فارقان أساسيان .. وعليه فنزول الأسعار لقرابة ال ٢٠ دولار سيشكل أزمة خاصة لشعب لم يعتاد على مبادئ التقشف و شعب يغلب عليه طالع التبذير وهذا تستطيع استخلاصه من موائد الطعام او استهلاك المياه

خالد مكاوي
البلد: 
Saudi
21/08/2015 - 15:09

تثقيف المجتمع!
عبارة جميلة تشعرنا بالانتعاش عند سماعها.
لكن من هو المسئول عن تثقيف المجتمع، ونقله نقلة نوعية، دون المساس بثوابته وقيمه وأخلاقياته؟
كل الأمم من حولنا ولا أقصد اخواننا العرب مع احترامي لهم جميعا. لكن لو نظرنا إلى الأعاجم إن جاز التعبير لوجدنا البون شاسع بيننا وبينهم في التعامل مع كل المعطيات الحضارية الموجودة بين أيدينا، فنحن شعب غير مبالي بأي شئ، ولا تهمه قيمة أي شئ في الحياة، وعقليتنا الاستهلاكية تصور لنا قدرتنا على امتلاك أي شئ وقتما نريد، والاستغناء عنه وقتما نمل ويصبح زائدا على حاجتنا. للأسف التقصير كان وما يزال ملازما لنا في كل خططنا التنموية، فنحن لم نضع خطط حقيقية لصناعة جوهر الانسان قبل كيانه الخارجي، نحن فكرنا في الكم، ولم نتطرق للكيف إلا ماقل وندر، لذلك كانت بعض منتجاتنا البشرية مسخا لايمت لتاريخنا بصلة.

محمد الوهيد
البلد: 
المملكة العربية السعودية
21/08/2015 - 17:31

شكرًا يا أستاذ عبد الرحمن الكريم
يقولون ( فاتت ياونيان ) للأسف
المدمن جاوز حد العودة ولم يعد بالجراب غير أساليب التكيف والبدائل الاخرى .. العوام لا يؤثر فيهم تغير الدخل فهم سريعوا التكيف الخوف على المخطط التنموي والبيروقراطي الذي ينجح رغم الصعاب لانه يرمي رزمة ورق على اصعب معضلة فتنحل باْذن الله .
الان يتضح التاجر الحقيقي من تاجر الصدفه ورجل اعمال الجد من رجل اعمال الرضاعة الطبيعية . ورغم عدم فرحي بالضيق الا انه المدرسة الضرورية لتحديد المراتب والأماكن الاجتماعية . كثيرون أدمنوا النجاح وهم أنفسهم مندهشون من نجاحاتهم لأنهم لا يعلمون انهم يقفون على سيقان غيرهم . الأزمات تفرز وتعيد رسم الخارطة التنموية والاجتماعية بالتالي .دمت مشرقا ياعبدالرحمن والجميع.

ابونواف
البلد: 
السعوديه
27/08/2015 - 01:23

اسلوبك بليغ وفكرك راقي .. كم اتمنى لوكان لك حساب في تويتر او منبر استطيع متابعة كتاباتك البليغه
وفقك الله ،،، اخي محمد الوهيد

محمد المسرحي
البلد: 
usa
21/08/2015 - 23:16

إن أردنا تصحيح المسارات علينا البدء بتغيير مخرجات التعليم .. لتصبح صناعية بدلاً من إدارية .. نقطة التحول تبدأ من التعليم ,,
نسبة ايرادات النفط الخام تصل الى 80 % و 10 % ايرادات لمشتقات نفطية ايضاً ,,
نحن بحاجة فكر نتحول من خلاله الى دولة صناعية ,,
مازال في الوقت بقية .. بشرط ايجاد الفكر ,,

يزيد
22/08/2015 - 04:10

مقالة جميله حتى لو اختلفت ببعض النقاط

كنا نطالب بتنوع الاستثمار وتتويع الموارد منذو القدم ولكن للآسف فشلنا نعم لان اي نكسه هي للامه ككل لاننا جسد واحد والفشل لايعني الاستسلام بل الدروس والنهضة باذن الله ، قال تعالى ( فإن مع العسر يسر () إن مع العسر يسر )

اشكركم

عوض النقر بابكر محمد
البلد: 
السعودية
22/08/2015 - 06:19

التحول الى اقتصاد مجتمع صناعى ليس بالامر السهل وهو ذلك غير مضمون العواقب بسبب المنافسة الشرسة فى هذا القطاع وفى حالة المملكة يمكن قيام الكثير من الصناعات الخفبفة والمتوسطةبغرض تقليل الاعتماد على الخارج.
الاقتصاد السعودى متعدد الموارد ولكن غلب الاعتماد على النفط غيره من المصادر بسبب عائده السريع لذلك لابد من عودة قوية للاهتمام ب
الثروة المعدنية
السياحة الدينية الحج والعمرة
الزراعة والثروة الحيوانية انتاج التمور مثلا
وهناك بالطبع موارد اخرى فاتنى ذكرها وكل ما ينقص تنظيم هذه الموارد لتؤتى اكلها هو الاهتمام بها والتخطيط لها والانفاق عليها .
كذلك يجب زيادةاستثمارات الحكومة السعودية بالخارج فقد اصبحت استثمارات الخارج تشكل مصدرا مهما للدخل فى العديد من الدول الكبرى.
يجب النظر الى الامام ولا زال الوقت مناسبا لبداية جادة والله الموفق.

عبد الحميد الجحدلي
البلد: 
جده المملكه العربيه السعوديه
22/08/2015 - 08:47

نعيب زماننا والعيب فينا فقد ادمنا الكسل والبحث عن البدائل و اتبعنا المثل القائل .ا صرف ما في الجيب يجيك مافي الغيب....ولم نعقل الامور وتركنا الحبل على الغارب ..لاخطط بديله ولا مخرجات تعليم فاعله ولا مصادر متنوعه وهاهنا الان امام لحظة الصدق لنشد الحزام بعد ان اتسع نطاق البطن ولعلنا لا نضطر لبيع مالدينا اونمد ايدينا الى الغير ....لم نتعلم من التجربه السابقه فهل ترانا نتعلم من هذه التجربه ؟؟؟؟

Eazye_rio
البلد: 
Ksa
22/08/2015 - 19:06

لاحظت عدة كتّاب وإعلاميين تفضلو بالاسف على هبوط البترول وربط نزول البترول باقتصاد الدولة وانه مجرد عامل سلبي مخيف ،
اسمحلو. لي يا اخوان السعودية عندها صناعة لعدة أمور وتشكل قيمة اقتصادية وقاعدة لعددت صناعات لكن المشكلة بالإدارات اللي ما تعزز هذا النمو .
بالنسبة للنزول تحدث كثير عنه وهذا اليوم تحدث عنه شخص من اوبك من قبل ٣٠ سنه او اكثر عن نزول البترول بهذا الشكل ، بالنسبة للنزول اعتقد انه متعمد بسبب سياسة بعض الدول والنزول سببه سياسي موقت فقط . !!

أنفاس الورد
البلد: 
ksa
23/08/2015 - 17:52

حقيقة كلما تنوعت مواردنا لن نخشى العجز في الاقتصاد لكن تنقصنا الارادة في أن نخلق جدوى اقتصادية ذات نطاق واسع ..

السيد ابو عمر
البلد: 
المدينه المنوره
24/08/2015 - 09:17

اخواني الكرام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اتفق الي حد ما مع ماتفضلتم به جميعا بدية بكاتب المقال
الا انني اطرح وجه نظر ولربما لاتكون صحيحه ولكنها لن تتعدى وجهة نظر
ماتفضلتم به من اهمية البحث عن سبل لتنويع مصادر الدخل ولتخفيف الاعباء الماليه في بنود الصرف واهمية تسخير مدخرات وطننا الغالي لما فيه المصلحه ..... لا ينبغى ان يتعارض البته حتى مع صعود اسعار النفط وهو بالتاكيد محل اهتمام اكبر في حالة هبوطه حتى وان كان لمستويات بسيطه

لكنني ارى ان اعطاء حجم كبير لما تمر به المنطقه من ضغوطات سياسيه واقتصاديه عامل مساعد لتحقيق اهداف المتربصين بامننا ووطننا ومدخراتنا سواء من الاعداء الحارجيين او الخونه في الداخل

وما اقترحه ان ترفع اي توصيات لدينا الي الجهة المختصه لعل فيها ماينفع حال سهى عنها صناع القرار
دام وطننا وحكامنا وشعبنا بخير

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة