في عام 1998، اتفقت فلسفتان متعارضتان على إنهاء العنف المعروف باسم «الاضطرابات» وتشكيل حكومة لتقاسم السلطة في «ستورمونت»، مقر البرلمان المفوض في آيرلندا الشمالية.
كان ما عُرف بـ«اتفاق الجمعة العظيمة» أمراً معقداً مثيراً للجدل والتشاحن. فمجموعة من الأفراد، بعضهم متواجدون على المسرح الدولي، وآخرون مجهولون، عقدوا اجتماعات في غرف المعيشة المغلقة وآخرون في العراء. صلى الناس من جميع الطوائف في الكنائس، لكن الاجتماعات فشلت مرات ومرات، إلى أن تغير الحال.
إن القول بوجود حلول وسط يناقض الواقع. فقد تم إطلاق سراح أشخاص من السجون رغم اتهامات بالقتل، وترك أكثر من 1000 جريمة قتل ارتُكبت دون تحقيق. يأس الناس وربما تلاشت آمالهم تماماً. خاط الجميع جروحهم، على أمل أن تلتئم في النهاية.
أنا من ذلك الجيل الذي كان يرى مشاهد القنابل والدوريات العسكرية أمراً طبيعياً. لم نشهد حرباً طيلة الأعوام الخمسة والعشرين الماضية، لكننا لم نعتبر ذلك أمراً مفروغاً منه أبداً. وأعتقد أن لدينا انطباعاً خاطئاً هنا بأن عدم وجود حرب يعني السلام. لكن لو كان الأمر يتعلق بالسلام فقط لكنا جميعاً بخير، لكن الحال ليس كذلك.
استمر مقر السلطة في «ستورمونت» غير نشط لمدة عام تقريباً لأن أحد الأحزاب الرئيسية رفض شغل مقاعده، وجرى رفع مستوى تهديد الإرهاب مؤخراً إلى درجة «مرتفع» إثر إطلاق النار على ضابط شرطة خارج الخدمة. وأعلنت جماعة جمهورية منشقة تسمى «الجيش الجمهوري الآيرلندي الجديد» مسؤوليتها عن إطلاق النار، وتشير التقديرات إلى أن القوات شبه العسكرية لا تزال تضم الآلاف من الأعضاء الذين يعملون مثل عصابات الجريمة المنظمة ويمارسون ما يعرف بالعامية باسم «الضرب كعقاب»، منها إطلاق الرصاص على مفصل الركبة، والمعروفة بتسببها في آلام مفرطة.
السلام في آيرلندا الشمالية أشبه بلعبة برج عود الثقاب القابلة للاشتعال في غضون لحظات، ومؤخراً حدث تحول في الأرض أدناه.
كان أحد المبادئ المركزية للاتفاقية هو أن الحدود بين آيرلندا الشمالية - أو شمال آيرلندا، اعتماداً على قناعتك السياسية - وجمهورية إيرلندا لن تكون حدوداً صعبة بعد الآن. ما نشير إليه بـ«الحدود الصعبة» لم يعد صعباً اليوم؛ لأنني لم ألاحظ أنني عبرت الحدود إلا من خلال علامات الطريق التي تغيرت من أميال إلى كيلومترات، وكذلك من خلال صافرة هاتفي الذي أخبرني أنني قد انتقلت من بلد إلى بلد.
ولكن طوال طفولتي كنت أعبر تلك الحدود الصعبة ثماني مرات على الأقل في العام لزيارة أسرتي في الجنوب، تحديداً في «كورك». في ذلك الوقت كانت هناك أبراج مراقبة وطائرات هليكوبتر، وكان الجانب الشمالي يقوم بدوريات من قبل الجيش البريطاني، وقام الجنود بالمدافع الرشاشة بفحص جوازات سفرنا. أخبرني الناس أنهم كانوا دائماً يشعرون بأن الجو على الحدود كان متوتراً. كان الجميع على يدرك تماماً ما يمكن أن تفعله كلمة خاطئة أو ضغطة على الزناد.
عندما تمت إزالة الحدود في إطار عملية السلام، كان هناك شعور بأن حصناً قد هُدم. وبما أن الشمال والجنوب كانا جزءاً من الاتحاد الأوروبي، فقد كان لذلك معنى جيوسياسي جيد.
إن النظر للجانبين بوصفهما جزءاً من الاتحاد الأوروبي لهو أمر ذو تأثير ميتافيزيقي أيضاً؛ إذ كان يمكن لمواطني آيرلندا الشمالية سابقاً اختيار حمل جوازات سفر بريطانية أو آيرلندية، أو كليهما. لكننا كنا جميعاً أوروبيين أيضاً، وكانت جوازات سفرنا تحمل دائرة صغيرة من النجوم التي تمثل الاتحاد الأوروبي، ويمكننا جميعاً إضفاء الطابع الرسمي على هويتنا الوطنية بالبقاء ضمن كيان دولي.
ولكن بعد ذلك غادرت إنجلترا، وأسكوتلندا، وويلز الاتحاد الأوروبي وخرج معهم جميع الأشخاص في آيرلندا الشمالية الذين يحملون جوازات سفر بريطانية، بينما ظل أولئك الذين يحملون جوازات سفر آيرلندية أوروبيين ضمن بوتقة الاتحاد الأوروبي. ولم يحرك أحد ساكناً.
لم تسقط آيرلندا الشمالية في حالة من الفوضى بين عشية وضحاها، ولكن كان هناك شيء أعمق يسير على قدم وساق. فقد بدأ الإحساس بانعدام الأمن بشأن الهوية التي ظلت نائمة في الاستيقاظ مجدداً.
لتجنب تبعات الحدود الصعبة مع جمهورية آيرلندا، سمحت اتفاقية تجارية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تسمى «بروتوكول آيرلندا الشمالية» للشمال بالبقاء في السوق الأوروبية الموحدة للسلع. ومنح هذا مزايا معينة هنا للشركات التي تتاجر مع أوروبا، لكن هذا يعني أيضاً أن بعض السلع القادمة إلى إيرلندا الشمالية من بريطانيا ستخضع لتدقيق جمركي.
شعر أنصار الاتحاد الأوروبي بالفزع لرؤية آيرلندا الشمالية تعامل بشكل مختلف عن بقية المملكة المتحدة بهذه السرعة، حيث ظهرت لافتات سياسية على أعمدة الإنارة تعلن «لا حدود في البحر الآيرلندي». بالنسبة للبعض، هذا البيان في حد ذاته تفكير سحري؛ لأن البحر نفسه هو حدود ثابتة. لكن أنصار الاتحاد الأوروبي، خاصة أعضاء «الحزب الوحدوي الديمقراطي»، كانوا يخشون أن يؤدي وجود خاتم رسمي على كل ورقة رسمية إلى تلاشي الهوية البريطانية. فكل ورقة رسمية ستكون بمثابة إعلان بحكم الواقع أن آيرلندا الشمالية منفصلة.
في انتخابات مايو (أيار) الماضي، بعد نحو عام من دخول البروتوكول حيز التنفيذ، أصبح حزب «شين فين» القومي الرئيسي أكبر أحزاب البرلمان لأول مرة في تاريخ آيرلندا الشمالية الذي تأسس منذ 100 عام. رفض أعضاء «الحزب الوحدوي الديمقراطي»، ثاني أكبر حزب في آيرلندا، شغل مقاعدهم حتى أعادت الحكومة البريطانية التفاوض على البروتوكول. (استطاعوا فعل ذلك لأنه، وفقاً لاتفاق «الجمعة العظيمة»، لا يمكن للحكومة التواجد في «ستورمونت»، أي البرلمان، دون حضور كلا الطرفين.) تفاوض ريشي سوناك، رئيس الوزراء البريطاني، على ترتيبات جديدة مع الاتحاد الأوروبي في فبراير (شباط) عَملت على تسهيل الترتيبات الجمركية، لكنها تركت بعض قوانين الاتحاد الأوروبي سارية في إيرلندا الشمالية. لكن «الحزب الوحدوي الديمقراطي» قال إن تلك الترتيبات لا تزال دون المستوى، في حين أن موقف الحكومة البريطانية هو أن هذا هو أفضل المتاح.
أبقى موظفو الخدمة المدنية العجلة سارية، كما فعلوا بين عامي 2017 و2020، عندما انهار «ستورمونت» (البرلمان) بسبب فضيحة محلية. غير أنه لم يجرِ الاتفاق على ميزانية لآيرلندا الشمالية للفترة 2022 - 23 وحدث عجز جراء التضخم، وتأخر سداد مدفوعات دعم فواتير الطاقة المرتفعة خلال فصل الشتاء.
أوضح الكشف عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، عن العديد من الحقائق المشتبه بها منذ فترة طويلة، إحداها أن الحكومة البريطانية ليست قلقة للغاية بشأننا نحن الآيرلنديين. لكن من اللافت للنظر بالنسبة لي، أن المواطنين الذين شاركوا في انتخابات ديمقراطية سمحوا في صمت بغياب الحكومة. كانت هناك مقالات، وتغريدات، وتذمر، وقليل من المظاهرات.
يبدو أن هذه الحالة من غياب الرأي المعارض جاء كرسالة تقول: طالما كان هناك سلام، فإن أي شيء أفضل من العودة لفترة «الاضطرابات» في آيرلندا.
هناك استثناءات، فـ«قانون تراث آيرلندا الشمالية» المثير للجدل الذي قدمته الحكومة البريطانية في مايو 2022 من شأنه أن يمنح العفو لمرتكبي جرائم القتل التي لم يتم البت فيها التي تخللت فترة الاضطرابات في إيرلندا. هذا شيء نادر في الشمال عمل على توحيد جميع الأحزاب السياسية الرئيسية في المعارضة وأخرج الناس إلى الشارع احتجاجاً عليها. على الأقل نحن نتحدث عن بعض الصمت الذي يخنق الديمقراطية.
TT
آيرلندا الشمالية هادئة للغاية
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
