لفت انتباه كثير من المحللين، وبإعجاب من المختصين في مجال الصناديق السيادية، ما أعلنه ولي العهد السعودي رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة عن نقل ملكية 4 في المائة من أسهم الدولة في شركة أرامكو إلى شركة سنابل السعودية للاستثمار، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة. وبذلك يصل مجموع ما تم نقله من أسهم شركة أرامكو إلى الصندوق السيادي السعودي 8 في المائة. وأخذاً في الاعتبار للطرح العام لأسهم شركة أرامكو، الذي بلغ أقل من 2 في المائة من أسهم الشركة، تكون حصة الدولة ممثلة بوزارة المالية 90.1 في المائة من أسهم «أرامكو».
لا شك أن هذه خطوة بالغة الأهمية نحو تعزيز دور الصندوق السيادي السعودي، الذي يعتبر بمثابة العمود الفقري في برنامج «رؤية المملكة 2030» نحو تسريع وتيرة التنويع الاقتصادي وتقوية مالية الدولة على الأمد البعيد. وبالمقارنة بالدول الأخرى التي تسعى لتنويع اقتصادياتها والتحوط للمستقبل، فإن نسبة 10 في المائة من إيرادات البترول المقتطعة للاستثمار طويل الأمد في الصندوق السيادي لا تزال في الحدود الدنيا. فعلى سبيل المثال، نسبة الاقتطاع لصندوق أبوظبي وصندوق الاستثمار الكويتي والقطري خلال العقود الماضية بلغت أكثر من ذلك، وفي النرويج جميع دخل البترول يتم تحويله للصندوق السيادي. وفي دول أخرى مثل سنغافورة، يتم تحويل نسبة كبيرة من فائض ميزان المدفوعات إلى الصندوق السيادي. تختلف الدول في سياسة الادخار والاستثمار المحلي والأجنبي حسب مستوى التنوع الاقتصادي. وفي رأي مختصين، أنه لو تم اقتطاع نسبة 20 في المائة من إيرادات النفط Savings Rule خلال الـ20 سنة الماضية وما تخللها من طفرة مالية كبيرة للاستثمار طويل الأجل في صندوق سيادي مستقل عن وزارة المالية، لكان الوضع المالي لاحتياطيات المملكة يفوق أكثر من تريليون دولار عما هو عليه الآن، كما أوضحت ذلك دراسة سابقة في هذا الشأن في جامعة هارفارد.
كانت السياسة المالية للدولة في السابق تركز على التوسع في الإنفاق الحكومي، ولم يكن هناك تصور واضح لأهمية التسريع نحو الاستثمار في تنويع مصادر الدخل في الاقتصاد السعودي، حتى جاءت رؤية المملكة 2030 التي أصبح فيها التخطيط المالي والاستثماري للمستقبل أكثر وضوحاً وعمقاً، يبدأ من جهة أعلى في مركز الدولة، ورسم سياسات عامة Public Policy للتنفيذ، لا تقتصر فقط على مجال عمل وزارة المالية أو الاستدامة المالية على المدى القصير والمتوسط. ومن هنا، بدت الأهمية القصوى لإنشاء أول صندوق سيادي سعودي لدفع عملية تنويع الاقتصاد المحلي بوتيرة أعلى وبناء احتياطيات مالية للمستقبل قوية وأكثر استدامة على المدى البعيد لتقليل الاعتماد على مصدر واحد للدخل Decoupling Spending From Oil Revenues.
وبدا واضحاً أهمية التوازن بين متطلبات الإنفاق العام لوزارة المالية على المدى القصير والمتوسط والاحتياجات الاستراتيجية للاستثمار في مستقبل الاقتصاد السعودي والاستقرار المالي على المدى البعيد. ولذا رأينا في السنوات الأخيرة ديناميكية جديدة في بيئة العمل الحكومي وتكاملاً كبيراً بين وزارات وهيئات حكومية في عدد من القطاعات الهامة في الصناعة والطاقة وجذب الاستثمار والتكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي وغيرها. وتم إنشاء مركز دعم اتخاذ القرار An Internal Think Tank، كأول مركز فكري في المملكة رفيع المستوى للدراسات المبنية على الأدلة العلمية (Evidence Based) لدعم القرارات المتعلقة برؤية المملكة 2030. وهي أدوات في السياسة العامة لم تكن موجودة في السابق.
من الواضح أن خلف رؤية المملكة 2030 تخطيطاً استراتيجياً عميقاً وطموحاً كبيراً يقوده مهندس الرؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. هذا الطموح يذكّر كثيراً من المراقبين في الاقتصاد السياسي واستراتيجيات التنمية بالتحولات الاقتصادية الضخمة التي حدثت في العقود الأخيرة بقيادات تاريخية في الصين وكوريا وسنغافورة. وكأن السعودية سوف يكون لها دور أساسي في تحول اقتصادي كبير، ليس للمملكة وشعبها فحسب، بل يشمل منطقة الشرق الأوسط بأكملها، كما حدث في المنطقة الآسيوية في فترة زمنية قصيرة.
* عالم زائر بجامعة ستانفورد
وخبير بمركز الإدارة المالية والسياسات
بمعهد ماساشوستس للتكنولوجيا
