آدم هوفمان
TT

الجامعات الأميركية والثقافة اليسارية

في الماضي القريب، كان الجمهوري النموذجي يؤله رونالد ريغان، ويساوره القلق بشأن الدين الوطني، ويقرأ لإدموند بيرك. كان التطور السياسي في نظر ذلك الشخص يعني ضمنا الإيمان بالوضع الراهن.
بالنسبة إلى تلك السلالة البائدة، كان التعليم في مؤسسة النخبة بمثابة التعليم في جامعات المراحل النهائية المعتدلة. وحتى آنذاك كانت الجامعات الأميركية تشوه صورة الليبراليين، لكن قدامى المحافظين كانت لديهم فرص حقيقية لإثبات حجتهم وتحدي أفكارهم بكل احترام في المجال العام. قيل لي في جامعتي، برينستون، إن السياسة كانت في الغالب منفصلة عن العلاقات الشخصية.
كيف تغيرت الأمور؟
اليوم، يتبنى المحافظون في الحرم الجامعي نهجا أقل اعتدالا وتراضيا ومؤسساتيا في التعامل مع السياسة. وبدلا من الإيمان بالوضع الراهن، يميل كثيرون إلى سياسة الأرض المحروقة. لكن هذه التغييرات ليست فقط نتيجة السياسة الوطنية الممزقة،
إنها نتيجة للأحرام الجامعية التقدمية المتشددة، التي تهدف إلى إقصاء الطلاب المحافظين عن أقرانهم الليبراليين وعن الجامعة كلها. فقد وصل إلى تيار اليمين انعدام الثقة في السلطة، والاحتجاج، والعصيان، تلك التي ميزت نشاط اليسار على مدى نصف القرن الماضي أو نحوه. فقد تحولت الجامعات الأميركية، التي كانت ذات يوم جامعات مراحل التعليم النهائية المعتدلة، إلى أرض خصبة لنيران المحافظين.
قصة هذا التحول، وفقا لعالم النفس الاجتماعي جوناثان هايدت، تبدأ من نحو عام 2014. عندما وصل أبناء «الجيل زد» إلى الحرم الجامعي. كان الطلاب التقدميون الجدد أقل تسامحا مع الأفكار غير المتجانسة والأفراد. ويبدو أن المطالبات بإلغاء الدعوات الموجهة إلى المتحدثين قد ارتفعت. ومصطلحا «العدوان الصغير» و«التحذير العاجـل» صارا اللغة العامة في الحرم الجامعي. في جامعة ييل، على سبيل المثال، أثار اقتراح أحد المحاضرين بضرورة تحديد أزياء الهالوين المقبولة في حد ذاتها عاصفة نارية.
هذه التغييرات كانت ملموسة في الحرم الجامعي أيضا. قال توماس كيلي، أستاذ الفلسفة: «أصبحت جامعة برينستون مكانا أكثر تسييسا على مدى السنوات العشر الماضية». كما أنها صارت أكثر تقدمية. والحقيقة أن جلسات التدريب على التنوع تؤيد بشكل صارخ الأفكار التقدمية. إن تبني نموذج عمى الألوان على سبيل المثال يعد «إبطالا مُصغرا». البيروقراطيون يراقبون السلوك والكلام. وهناك العديد من البرامج التي تخدم قضايا اليسار.
بالنسبة إلى أولئك الذين على تيار اليمين، فإن التجربة مُنفرة. وغالبا ما تكون وجهات النظر الأميركية النموذجية بشأن آيديولوجية النوع الاجتماعي أو التاريخ الأميركي غير ذات صلة بالحياة اليومية. لكن بالنسبة لطالب الكلية المحافظ، تتخبط الحياة عبر نقاط التفتيش السياسية. ويمكن أن تبدأ الصفوف بطلبات «الضمائر المفضلة» أو «الاعترافات بالمجال». والطالب الذي يمزح حول الموضوع الخاطئ قد يواجه العقاب الاجتماعي. يجب على جميع الطلاب الترحيب بالتحديات التي تواجه معتقداتهم العزيزة، لكن من خلال ما رأيته في الحرم الجامعي، لا يُدعى الطلاب إلى النقاش؛ بل المتوقع أن يتوافقوا.
أولئك الذين يتحدون الورع الليبرالي من الممكن أن يواجهوا عواقب حقيقية. ولأن إحدى طالبات جامعة برينستون دافعت عن رأي غير شعبي بشأن الشرطة في محادثة خاصة، فقد طُردت من منصبها القيادي في فريق رياضي. وفي جامعة ستانفورد، يستطيع الطلاب الذين يتعرضون «للضرر» بسبب «ماهيتهم وكيف يظهرون في العالم» أن يبلغوا الجامعة عن زملائهم في الدراسة، وهي السياسة التي يقول بعض أعضاء هيئة التدريس إنها تهدد حرية التعبير.
في بعض الأحيان يوصف المحرضون المحافظون الشباب، على نحو متهكم، باعتبارهم من الباحثين عن الاهتمام أو الانتهازيين. ولكن من واقع خبرتي، فإن العواقب السلبية المترتبة على النشاط المحافظ في الحرم الجامعي، سواء على المستوى الشخصي أو المهني، تفوق أي فوائد قد تتكبدها. ومن اللافت للنظر أن أغلب المحافظين يؤكدون فرض الرقابة على أنفسهم في أثناء سنوات دراستهم الجامعية.
قد يتصور البعض أن هذه التقدمية المنتشرة على نطاق واسع من شأنها تشجيع الطلاب المحافظين على تغيير وجهات نظرهم. لكن في الحقيقة لها تأثير معاكس. وقد وصف خريجو كليات مثل جامعة لويولا في شيكاغو، وجامعة جورج واشنطن، وماونت هوليوك كيف دفعهم التيار اليساري المتفشي في حرمهم الجامعي صوب تيار اليمين. وفي مقال نشرته صحيفة «واشنطن إكزامينر» عام 2017 اقتبس عن خريجة في جامعة فورمان قولها: «الثقافة اليسارية العدوانية في الحرم الجامعي جعلتني أكثر ميلا إلى المحافظة، لأنني لم يكن لدي سوى خيارين: إما التخلي عن معتقداتي والاتساق، أو المقاومة». وقد اختارت أن تقاوم.
إن الرحلة السياسية التي قامت بها ريبيكا آدامز، وهي صديقة ومتخرجة حديثا، هي في الواقع رحلة توضيحية. وصلت إلى برينستون ووصفت نفسها بأنها معتدلة. أصيبت ريبيكا، ابنة أب مهاجر أسود من غويانا، بالإحباط بسبب المحادثات حول العرق في الحرم الجامعي. وقالت لي: «لم أتمكن من طرح فارق بسيط في الحديث عن وحشية الشرطة».
تقول ريبيكا إنها واجهت ردود فعل عنيفة من زملائها بسبب وجهات نظرها، وفي نهاية المطاف تبنت هوية سياسية محافظة. وبدأت في الكتابة لصحيفة «برينستون توري»، وهي مجلة للفكر المحافظ، حول قضايا ساخنة مثل إسرائيل، وبدأت حملة من أجل حرية التعبير في الحرم الجامعي. فقد وصفت عملية «تعلم كيف أفكر بنفسي».
في مرحلة ما، قالت رفقة إنها «فقدت الثقة» في برينستون، وتطورت سياستها بشكل أكثر يمينا. وشككت علنا في فاعلية سياسات مكافحة كوفيد - 19. ووصفت مبادرات التنوع والإنصاف والإدماج بأنها «استعراض». وبحلول أكتوبر (تشرين الأول) 2020 كانت تكتب دعما لدونالد ترمب.
السيد ترمب والسيد رون ديسانتيس هما نوعان مختلفان من السياسيين عن جون ماكين وميت رومني. من المؤكد أن أفضل الجامعات أنتجت محافظين صرحاء؛ مثل تيد كروز وجوش هاولي. لكن السنوات التكوينية في مؤسسات النخبة التي استيقظت الآن تقنع الطلاب ذوي الميول اليمينية والمفكرين غير المتجانسين بأن معظم مؤسسات المجتمع - من وسائل الإعلام إلى الجامعات - معطلة جوهريا وتحتاج إلى نقلها على مسار مختلف. إذا كانت الكليات لا تريد إنتاج جيل جديد من المشاغبين المحافظين، فإنها تحتاج إلى الضغط على الكوابح التقدمية في الحرم الجامعي. والأحرام الجامعية الأكثر ترحيبا بالمحافظين تصب في مصلحة الجامعات ذاتها.