روزي دياز
TT

الاستجابة للزلزال جرس إنذار كي ينهض العالم لدعم السوريين

تواجه سوريا الآن أزمة جديدة. فالزلازل التي وقعت في 6 فبراير (شباط)، قتلت وجرحت الآلاف من سكانها، وبات عشرات الآلاف بلا مأوى، ودُمِّرت مناطق كانت خراباً أصلا نتيجة لنحو 12 عاماً من صراع مدمّر.
وحتى قبل الزلازل، كان هناك في شمال غربي سوريا أكثر من 4.1 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية. بيد أن استخدام روسيا لحقّ النقض (الفيتو) مرات عدة في مجلس الأمن الدولي، حال ولفترة طويلة من الزمن دون استطاعة الأمم المتحدة تلبية الاحتياجات الفعلية على الأرض بالشكل المناسب، لا، بل إن تلك الاحتياجات تفاقمت سوءاً على مر السنين.
لقد استغرقت رحلة المساعدات التي أُرسلت في أعقاب كارثة الزلازل مباشرة وقتاً طويلاً حتى وصلت إلى من كانوا في أمسّ الحاجة إليها. وكان من الممكن طبعاً تفادي مشكلة هذا التأخير لو لم يكن شمال غربي سوريا مقطوعاً عن العالم الخارجي.
وبينما كان الناس يفقدون حياتهم، تلكّأ الأسد أسبوعاً قبل أن يتفق مع الأمم المتحدة بشأن فتح معبريْن إضافييْن لإدخال المساعدات الحيوية من الجانب التركي إلى شمال غربي سوريا. وعلى الرغم من أن مساعدات الأمم المتحدة تدخل الآن عبر هذيْن المعبريْن، فإن هناك حاجة إلى المزيد. ولطالما ضغطت المملكة المتحدة من أجل تسهيل دخول قدْر أكبر من المساعدات الإنسانية، وقد بات على المجتمع الدولي الآن العمل معاً على وضع احتياجات الشعب السوري في المقام الأول.
ولنقْل المساعدات للمحتاجين إليها بشكل سريع وتوزيعها بالعدل، فإن دخولها عبر النظام السوري ليس خياراً مقبولاً. فقد دأب الأسد وأعوانه على مدار أكثر من 12 عاماً على استخدام المساعدات كسلاح سياسي، ولن ننسى استخدامهم البراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية والتعذيب المنهجي في محاولة لكسر إرادة الشعب السوري. كذلك فإن الأنباء بشأن تحويل وجهة المساعدات، والقصف المدفعي بعد وقوع الزلازل ضد المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري، إنما هي برهان آخر على أنه لا يمكن الوثوق بالأسد لإيصال المساعدات لشعبه. وعليه، فإن على العالم ألا يغض الطرف عن هذه الانتهاكات المستمرة. ويجب أن يكون الزلزال حافزاً أيضاً على وقف إطلاق النار في جميع المناطق المتأثّرة بالصراع في سوريا، حتى يمكن بالتالي التركيز على إيصال المساعدات الإنسانية للمحتاجين إليها. إنّ الشعب السوري يستحق السلام والعوْن.
صحيحٌ أن الاتفاق المبدئي على فتح معابر حدودية إضافية خطوة أساسية إيجابية، لكن يجب ألا يكون فتحها مؤقتاً، حيث يجب تأمين عبور المساعدات على المدى الطويل لتحسين الأوضاع الإنسانية في شمال غربي سوريا.
لا أستطيع أن أتخيل ما عاناه الناس الذين يعيشون في سوريا خلال الأسبوعين الماضيين. وعليه، فإن أولويتنا الآن هي ضمان سرعة وصول المساعدات المنقذة للحياة إلى من هم في أمَسّ الحاجة إليها.
وقد اتخذت المملكة المتحدة الإجراءات الضرورية، حيث سارعنا فوراً إلى زيادة التمويل لشركائنا القدامى المعهودين، أبطال الخوذ البيضاء، لتمكين جهود البحث والإنقاذ الضرورية على الأرض في مناطق وجودهم. وقد غطّت عمليات متطوعي الخوذ البيضاء 60 قرية في 182 موقعاً في شمال غربي سوريا، حيث قدّموا المساعدة للآلاف من المدنيين. وهذه الجهود تنقذ الأرواح.
ومع انتقال الاستجابة لأزمة الزلزال من البحث عن الناجين تحت الرّكام وإنقاذهم إلى الجهود على المدى المتوسط، قدمت المملكة المتحدة مبلغ 4.3 مليون جنيه إسترليني إضافيا لمتطوعي الخوذ البيضاء، إلى جانب مبلغ 2.25 مليون جنيه قدمناه في العام الماضي، لدعم عمليات أساسية تشمل تقييمهم لسلامة المباني، وإعادة فتح الطرق، ومعاودة ربط الخدمات لتسهيل حياة سكان المناطق المتضررة.
وقد أظهر الشعب البريطاني تضامنه أيضاً مع الشعب السوري حين تبرع بأكثر من 88 مليون جنيه إسترليني حتى الآن في استجابته لنداء خاص لدعم الإغاثة في سوريا وتركيا، وساهمت الحكومة البريطانية بمبلغ 5 ملايين جنيه تمويلا إضافيا لتشجيع التبرعات.
لكن لا تزال هناك حاجة إلى المزيد. ونحن نستمع إلى شركائنا السوريين على الأرض ونعمل على تكثيف جهودنا لتقديم المساعدات وفقاً لاحتياجاتهم.
كما أعلنّا يوم الأربعاء الماضي تقديم دعم بريطاني كبير آخر للمساعدة في تلبية الاحتياجات العاجلة، ومن بينها الخيام العائلية والبطانيات لأولئك المعرضين لبرودة الشتاء القارسة أو للنازحين عن المساكن المتضررة، إلى جانب دعم للمساعدة في حالات الولادة واتخاذ خطوات للحد من مخاطر العنف ضد النساء والفتيات.
والأطفال أيضاً يتلقوْن مساعدة بريطانية من خلال التعليم، هذا؛ علاوةً على البرامج المعمول بها أصلاً. فمن شأن العودة السريعة إلى المدارس الآمنة للأطفال أن توفّر لهم الحماية التي هم في أمَسّ الحاجة إليها، والحصول الضروري على الدعم النفسي والاجتماعي. وتُعدّ المملكة المتحدة مانحاً رئيسياً لصندوق الأمم المتحدة العالمي «التعليم لا يمكن أن ينتظر»، الذي يقدم 7 ملايين دولار في شكل تمويل طارئ للاستجابة للأزمة.
كما نعمل بالتنسيق مع الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية دولية ومحلية شريكة لحشد المزيد من الدعم البريطاني والدولي لضمان وصول المساعدات إلى الملايين من المحتاجين إليها.
إن المملكة المتحدة داعمة ومناصرة راسخة للشعب السوري. وقد قدّمنا منذ عام 2012 أكثر من 3.8 مليار جنيه إسترليني استجابة للأزمة السورية في إطارها الإقليمي، وهي أكبر استجابة لأزمة إنسانية بعينها، كما كثفنا دعمنا مجدداً لمساعدة السوريين على مواجهة الكارثة الأخيرة.
هذه الأزمة يجب أن نعتبرها ناقوس إنذار. وعلى الجهات الفاعلة داخل سوريا وخارجها، وفي مقدمتها النظام السوري، التركيز على الوضع الإنساني المُلحّ الذي يعيشه الناجون على الأرض في الوقت الحالي، حيث فقد هؤلاء الناجون أحباءهم ومنازلهم وسبل عيشهم، ولا يمكنهم الانتظار أكثر من ذلك لتلقّي المساعدة. والمملكة المتحدة لن تتوقف عن جهودها لتقديم الإغاثة للمحتاجين والذود عن كرامتهم، وسنعمل مع الشعب السوري خلال الأيام والأسابيع والشهور القادمة، لإثبات أن المملكة المتحدة لن تنساهم.

* الناطقة باسم الحكومة البريطانية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
* خاص بـ«الشرق الأوسط»