عمر الرحباني لـ«الشرق الأوسط»: أعيش الحلم في عالمي وأغادره على مضض

أراد أن يكون رائد فضاء فصار نجماً موسيقياً

عمر الرحباني وغلاف ألبومه الجديد «بيانو كونشيرتو نمبر1»
عمر الرحباني وغلاف ألبومه الجديد «بيانو كونشيرتو نمبر1»
TT

عمر الرحباني لـ«الشرق الأوسط»: أعيش الحلم في عالمي وأغادره على مضض

عمر الرحباني وغلاف ألبومه الجديد «بيانو كونشيرتو نمبر1»
عمر الرحباني وغلاف ألبومه الجديد «بيانو كونشيرتو نمبر1»

مسكون بحب الموسيقى من رأسه حتى أخمص قدميه يشكل عمر الرحباني امتداداً لجذوره الرحبانية. فهو موهبة فنية متألقة أباً عن جدّ؛ كون والده هو الملحن والشاعر والكاتب المسرحي غدي الرحباني. أما جدّه فهو الراحل منصور الرحباني الذي شكّل مع شقيقه عاصي مدرسة فنية أثرت في تاريخ الموسيقى العربية تحت عنوان «الأخوان الرحباني».
يقول إنه يحب الموسيقى ولا يجيد ممارسة أي عمل آخر غيرها. صحيح أن فكرة تحوله إلى رائد فضاء كانت تدغدغ أحلامه، إلا أن الموسيقى سرقته وصارت وسيلة يعبّر من خلالها عن أمور كثيرة تراوده وفضاء يحلّق فيه.
في ألبومه الذي أطلقه أخيراً «بيانو كونشيرتو نمبر وان» في قاعة تشارلز هوستلر في الجامعة الأميركية، يدرك سامعه أنه أمام موهبة فنية فذّة. مزج بين مجموعات متنوعة من الأساليب الموسيقية، بدءاً من موسيقى الباروك المستوحاة من موسيقيين عالميين كباخ وفيفالدي. ومروراً بأخرى عربية تذكرك بالرحابنة وبالراحل محمد عبد الوهاب، ولتحط في ملعب الإيقاعات الهندية المعروفة بالكوناكول وأخرى برازيلية في خضم كل هذا التنوع الذي اعتمده بقي محافظاً على روحية لبنانية ومشرقية من خلال الجملة اللحنية. ويعلق لـ«الشرق الأوسط»: «يعود هذا التنوع الموسيقي للبيت الفني الذي تربيت فيه، فلا يكفي المؤلف أن يحب الموسيقى، بل أن يتمتع بخلفية وركيزة ثقافية كي ينمي التقنيات التي يملكها».
عندما ألقى كلمة مختصرة في مناسبة إطلاق ألبومه، ذكر أن المعضلة الأولى في هذا العمل الموسيقي كانت تكمن في كيفية توحيد اللغة الموسيقية بعد دمج أساليبها كافة. أما المعضلة الثانية التي واجهها لتنفيذه فكانت إيجاد العازفين الملمين بهذه الأنماط، وبعد البحث في بقاع العالم اكتشفهم في لبنان. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «المقطوعة التي أقدمها كلاسيكية وبالتالي تتطلب بناء وهندسة معينة للانتقال من نمط إلى آخر. أشبهها بكتابة سيناريو قصة، فيه شخصيات وحكايات إلا أن هيكليته يجب أن تكون متلاحمة ومتماسكة. من هنا قررت أن يكون الألبوم بمثابة مقطوعة واحدة لمدة نصف ساعة».
القول المأثور «يُقرأ الكتاب من عنوانه» طبّقه الرحباني على غلاف ألبومه؛ إذ تتوقع عند رؤيته ما هو خارج عن المألوف. فهو استوحاه من منحوتات وتماثيل رومانية تصور ملامح وجهه، ولكن بلباس حديث. يوضح «بكل بساطة رغبت في المزج بين الحداثة والأصالة. غلاف الألبوم هو امتداد للمحتوى الموسيقي الذي أقدمه. فيه الباروك والكلاسيك المشار إليه بشكل الرأس، في حين السترة التي أرتديها تأخذ تصميماً حديثاً».
يتمتع عمر الرحباني بإطلالة النجوم وأبطال المسلسلات. تلمس هذا الأمر بمشيته وطريقة كلامه وحتى في أسلوب عزفه. فهو يعيش الحالة الموسيقية إلى أبعد حدّ بحيث تخرج النوتات الموسيقية من أنامله وملامح وجهه ولغة جسده. فتطرب لعزفه الذي ينقلك تلقائياً إلى أعماق مؤلفاته الحالمة لتسكنك وتحدث عندك حالة فنية لا تشبه غيرها. أثناء عزفه ينفصل عن أرض الواقع ويغوص في عالم خاص فيه. يعلق لـ«الشرق الأوسط»: «لا أشاهد نفسي أثناء العزف، ولكن عندما أؤلف الموسيقى أكون في عالم جميل جداً، أتمنى أن أبقى فيه. ولسوء الحظ أضطر إلى مغادرته بسبب إيقاع الحياة وضرورة ملاحقة مراحل العمل. كنت أتمنى لو أبقى في ذلك العالم وأسكن تلك اللحظات، لكان الأمر أفضل بالتأكيد».
لا ينكر عمر الرحباني حبه لمجمل الفنون، لا سيما المرتبطة بالبصرية منها. «أحب التمثيل والمسرح والإضاءة والموسيقى وقريباً قد أنتقل إلى مرحلة نطاق الأعمال الشاملة».
وماذا لو لم تكن جذوره تعود إلى الرحابنة، فهل كان ليصبح موسيقياً؟ يرد «لا أعلم ولا جواب عندي لهذا السؤال، ولكني لا أرى نفسي سوى بالموسيقى. لم أقدر أن أكون رائد فضاء، ولكني أعبر مع موسيقاي من كوكب إلى آخر. فعند الرحابنة مهن الطب والهندسة وما يشابهها لا تمت بصلة إليهم. فألعابنا منذ الصغر تتألف من آلة بيانو وكاميرا تصوير وكل ما يمت للفن بصلة». وبماذا تختلف عن الرحابنة؟ وما هي النقاط التي تشبههم فيها؟ في الإجمال، أطمح دائماً لمستوى فني معين أحافظ فيه على إرثي الرحباني. وفي الوقت نفسه التمرد الموجود عند كل شخص في العائلة يشكل ركيزة أساسية في مشوارنا الفني. ولكني أشق طريقي وحدي نحو عالمي الخاص بي. خاص عضوياً، فمجرد انتمائي إلى جيل حديث من مواليد التسعينات، من الطبيعي أن أتأثر بأمور لم يعيشوها. هذا الاختلاف بديهي وليس مقصوداً، لأني أنتمي إلى جيل جديد».
يقول إنه تعلم أموراً كثيرة من والده غدي «لوّن مخيلتي بكل أنواع الموسيقى وكان يأخذني لحضور الأفلام السينمائية ويشرح لي عنها. هو أول شخص رأته عيناي يكتب النوتات الموسيقية ويوزعها، ويقود أوركسترا، وأرافقه إلى المسرح. تشربت منه الفنون عن غير قصد فحفرت في ذاكرتي».
يشير إلى أنه كان محظوظاً، بمواكبة ولو جزءاً صغيراً من مسيرة جدّه منصور الذي تعلّم منه الكثير أيضاً. بالتالي، فهذا الإرث الذي يحمله اكتشفه أكثر من خلال الناس والمقربين منه من موسيقيين وفنانين. وهل يرى في هذا الإرث حملاً ثقيلاً؟ يرد «يتعلّق الأمر في الملعب حيث تلعبين، فإذا كان نفسه حيث كانوا رواداً فهو من دون شك سيكون ثقيلاً عليّ. وعندما أغرد خارج السرب تصبح المعادلة مختلفة».
يستمع عمر إلى الموسيقى الكلاسيكية والشرقية والجاز. وأخيراً من خلال هادي عيسى تعرف أكثر على الأغنية اللبنانية القديمة من الستينات والسبعينات والثمانينات، يقول «أحب تلك الفترات لأنها تبرز لبنان البركة والبراءة بعيداً عن العولمة. فالنمط العصري أثر على حياتنا برمتها وصرنا نخاف على هويتنا من الضياع». وهل يمكن أن نفقدها بسبب هذه العصرية؟ يرد «قد تؤثر العصرية عليها من دون شك، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو ماذا يعني حفاظنا على الهوية؟ سؤال كبير وواسع. فهل عالم الموسيقى الذي استحدثه الرحابنة كان موجوداً أم هو من نسيج خيالهم؟ فهم لم يرغبوا في البكاء على الأطلال، بل القفز إلى التطور. وفي رأيي، التطور العضوي يشكل أفضل عملية تقدم، فلا يجوز أن نعيش ونحن نتطلع إلى الوراء. يمكننا أن نتعلم من الماضي لا أن نعيش على أمجاده. المطلوب أن نجدّد، واللبناني ما زال غير جاهز له بعد».


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

جون مالكوفيتش: لا أستطيع أداء شخصية لا أجد نفسي فيها

جون مالكوفيتش: لا أستطيع أداء شخصية لا أجد نفسي فيها
TT

جون مالكوفيتش: لا أستطيع أداء شخصية لا أجد نفسي فيها

جون مالكوفيتش: لا أستطيع أداء شخصية لا أجد نفسي فيها

نال الأميركي جون مالكوفيتش جائزة أفضل ممثل في الدورة الـ83 من مهرجان «فينيسيا» السينمائي، عن دوره في «وايلد هورس ناين»، بعد نحو أسبوع من إجراء «الشرق الأوسط» حواراً معه.

وأكد خلال الحوار أنه يبحث في السيناريو عن شخصية يجد نفسه فيها وتتيح له إضافة معنى إلى الفيلم؛ إذ لا يستطيع أداء دور لا يثيره. وأوضح أن لكل ممثل لغته وطريقته، ولذلك يستحيل أن يؤدي ممثلان الشخصية نفسها بأسلوب متطابق.

وعن منهجه، قال إنه يدخل شخصياته مستطلعاً لا حاكماً، متجنباً الأداء الجاهز والانفعالات. كما عدَّ الحوار وطريقة الإلقاء جزأين أساسيين من التمثيل، موضحاً أن عميل الاستخبارات في الفيلم ينفِّذ مهماته بحياد، قبل أن يراجع أفعاله.


«معرض الرياض الدولي للكتاب» يستقبل جمهوره في ديسمبر المقبل

يقام «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» خلال الفترة من 10 إلى 19 ديسمبر (واس)
يقام «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» خلال الفترة من 10 إلى 19 ديسمبر (واس)
TT

«معرض الرياض الدولي للكتاب» يستقبل جمهوره في ديسمبر المقبل

يقام «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» خلال الفترة من 10 إلى 19 ديسمبر (واس)
يقام «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» خلال الفترة من 10 إلى 19 ديسمبر (واس)

يستعد «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» لاستقبال جمهوره في العاصمة السعودية، خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل، بمشاركة دور نشر ووكالات محلية وعالمية، في حين تحل «سوريا» ضيفَ الشرف هذا العام.

وأعلنت «هيئة الأدب والنشر والترجمة» فتح باب استقبال طلبات التسجيل لدور النشر المحلية والدولية الراغبة في المشاركة في المعرض، المُزمعة إقامته خلال الفترة من 10 إلى 19 ديسمبر، داعية إياهم للتقديم عبر الموقع الإلكتروني المخصص لذلك.

ويُشكل المعرض تظاهرة ثقافية كبرى وملتقى سنوياً يجمع صنّاع الأدب والنشر والترجمة من مختلف أنحاء العالم؛ بهدف الارتقاء بصناعة الكتاب، وتحفيز حركة الترجمة، وترسيخ دور الأدب رافداً أساسياً للثقافة والمعرفة، إضافة إلى تعزيز شغف القراءة لدى أفراد المجتمع.

ويُوفِّر «معرض الرياض الدولي للكتاب» منصة استثنائية للناشرين لاستعراض أحدث إصداراتهم الفكرية والأدبية أمام زوار المعرض والمهتمين وسط بيئة ثقافية غنية.

وسيشهد المعرض تنظيم برنامج ثقافي مكثف يضم سلسلة من الندوات الحوارية، والورش التدريبية، والمحاضرات الفكرية بمشاركة نخبة من المثقفين والأكاديميين والخبراء من داخل السعودية وخارجها.

كما يواصل تخصيص جناح «ركن المؤلف السعودي»، ضمن جهود الهيئة المستمرة لدعم الكُتّاب السعوديين وتمكينهم من عرض مؤلفاتهم وتسويق أعمالهم - المملوكة بحقوق نشر وتوزيع ذاتي - أمام الجمهور والشغوفين بالقراءة.

وفي نسخته الجديدة، يولي المعرض اهتماماً خاصاً بثقافة الطفل من خلال «جناح الطفل»، الذي يقدّم تجربة استثنائية تُعنى بأدب الأطفال واليافعين عبر برامج تفاعلية وورش عمل إبداعية تُسهم في تنمية الخيال، وغرس عادة القراءة في بيئة تعليمية ممتعة وآمنة.

ويُعد معرض الرياض الدولي للكتاب واحداً من أبرز المحافل الثقافية في العالم العربي، بفضل الإقبال الجماهيري الكبير، وتنوّع برنامجه الثقافي، إلى جانب المشاركة الواسعة لدور النشر المحلية والدولية، مما يعزز موقع السعودية مركزاً ثقافياً رائداً على الساحة الدولية.


الجوال في مصر… مجرد هاتف أم شارة اجتماعية؟

أسعار بعض إصدارات هاتف «آيفون» تلامس ربع مليون جنيه في مصر (الشرق الأوسط)
أسعار بعض إصدارات هاتف «آيفون» تلامس ربع مليون جنيه في مصر (الشرق الأوسط)
TT

الجوال في مصر… مجرد هاتف أم شارة اجتماعية؟

أسعار بعض إصدارات هاتف «آيفون» تلامس ربع مليون جنيه في مصر (الشرق الأوسط)
أسعار بعض إصدارات هاتف «آيفون» تلامس ربع مليون جنيه في مصر (الشرق الأوسط)

لا ترى مها موسى، وهي أم ثلاثينية وموظفة إدارية في إحدى السلاسل الغذائية، أن تخصيصها مبلغ ألف جنيه مصري قسطاً شهرياً لهاتف «آيفون 17 برو ماكس» أمر في غير محله. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أن لونه البرتقالي المميز كان لافتاً للنظر عند إصداره، ويميز من يحمله بشكل واضح، لكنني لم أشتر الهاتف لهذا السبب فقط؛ فهو يوفر لي مزايا كثيرة أستخدمها يومياً، من بينها جودة التصوير وتطبيقاته، والأهم بالنسبة إليّ هو الأمان وحماية البيانات، فضلاً عن احتفاظه بكفاءته وقيمته لسنوات».

وتضيف موسى، التي تسدد أقساط هاتفها منذ نحو عام، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «زوجها، وهو موظف في أحد البنوك، يستخدم (آيفون) أيضاً، وأن كليهما اعتاد نظام تشغيله وإمكاناته مقارنة بنظام (أندرويد)».

واستقبل سوق المحمول في مصر إعلان شركة «أبل» طرح هاتفي «آيفون 18 برو» و«آيفون 18 برو ماكس»، في 9 سبتمبر (أيلول) الحالي، بكثير من الفضول والجدل بشأن أسعارهما، قبل فتح باب الحجز المسبق عليهما، للمرة الأولى في مصر، بالتزامن مع بدء الحجز عالمياً، على أن يبدأ تسليم الأجهزة في 18 سبتمبر الحالي.

هاتف «آيفون 18 برو ماكس» (الشرق الأوسط)

وتبدأ أسعار «آيفون 18 برو ماكس» في مصر بالعملة المحلية من 107.5 ألف جنيه (الدولار يعادل 51.3 جنيه مصري) للنسخة ذات سعة 256 غيغابايت، وترتفع إلى 129.9 ألف جنيه لسعة 512 غيغابايت، ثم إلى 165.5 ألف جنيه لسعة تيرابايت واحد، فيما يصل سعر النسخة الأعلى، بسعة 2 تيرابايت إلى 215.5 ألف جنيه.

ومع إعلان الأسعار المحلية، التي تتجاوز في نسخ منها 200 ألف جنيه، ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بمحتويات «ساخرة» من الأرقام المتداولة.

وترى الدكتورة هالة منصور، أستاذة علم الاجتماع، أن «الهواتف مرتفعة السعر لم تعد مجرد وسيلة للاتصال أو جهازاً تُقاس قيمته بما يقدمه من وظائف لدى بعض الفئات؛ وإنما أصبح رمزاً اجتماعياً يحمل دلالات تتعلق بالمكانة والقدرة المادية والانتماء إلى نمط حياة معين. ولهذا يحظى طرح الإصدارات الجديدة بكل هذا الاهتمام، حتى عندما تكون الفروق في الاستخدام الفعلي محدودة بالنسبة إلى بعض المشترين».

ورغم ذلك، تشدد منصور، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، على أن «هذه الفرضية لا يمكن تعميمها على جميع مقتني الهواتف مرتفعة الثمن؛ فهناك من يحتاج إلى إمكاناتها في عمله، وهناك من يستطيع شراءها من دون أن تشكل عبئاً عليه. لكن قطاعاً آخر يتعامل معها بوصفها أداة لتقديم الذات أمام الآخرين، وقد يلجأ إلى الاستدانة أو التقسيط على مدد زمنية طويلة، وليس بالضرورة لأنه يحتاج إلى جميع خصائص الجهاز».

أسعار أحدث إصدارات هواتف الآيفون في مصر تثير ضجة (إ.ب.أ)

ويقدم عبد الفتاح عطية، صحافي مصري، نموذجاً للاستخدام المهني للهاتف، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «أستخدم هاتف (آيفون 15 برو ماكس) في عملي، يساعدني في التصوير والمونتاج ومهام الصحافة والإعلام، إلى جانب تطبيقات التواصل المميزة المقتصرة على مستخدمي الآيفون، بجانب تشغيل البرامج والتطبيقات المختلفة».

ويؤكد عطية أنه رغم ثمن الهاتف المرتفع جداً في مصر، فإن إمكاناته تستحق ذلك المبلغ، لافتاً إلى أنه استغنى عن كاميرته الاحترافية، منذ عامين بسبب اعتماده الكامل على كاميرا الهاتف المتطورة، وميكروفونات الصوت الحديثة، وحامل الهاتف (الجامبل) الذي يسهل مهمات التصوير. لكن عطية في المقابل لا ينفي حرص كثير من المصريين على حمل هواتف باهظة الثمن من أجل التباهي والتفاخر بحمل أحدث إصدار من الهاتف من دون معرفة كل إمكاناته، ولا التطبيقات ولا البرامج التي يتيحها، ومن بينها برنامج المونتاج «آي موفي».

وتعدّ مصر منصة مهمة في مجال تصنيع الهواتف المحمولة عربياً وأفريقياً، لكنها لا تصنع الهواتف باهظة الثمن أو الفئات الرائدة، بل يقتصر التصنيع والتجميع المحلي حالياً على الهواتف الاقتصادية والمتوسطة، التي تلبي الاستخدام اليومي الأساسي بأسعار تنافسية.

وتضم السوق المصرية مصانع وخطوط إنتاج لشركات عالمية ومحلية، أبرزها «سامسونغ»، «شاومي»، «أوبو»، «فيفو»، «ريلمي»، «إنفينكس».

وقبل عامين، كشف رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أن حكومته تعمل على إقناع شركة «أبل» الأميركية بتصنيع هواتفها في مصر، إلا أنه لم يتم الوصول إلى اتفاق رسمي بعد في هذا الشأن.

جانب من الإعلان عن أحدث هواتف شركة أبل الأميركية (إ.ب.أ)

ويشير عمرو الصاوي، مدير أحد متاجر بيع الهواتف المحمولة في منطقة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة)، إلى أن «تفاوت أسعار (آيفون) في السوق المصرية يعود إلى اختلاف سعة التخزين ومصدر الجهاز والضمان، إلى جانب الضرائب والرسوم المفروضة على الهواتف الواردة من الخارج، التي تقدر بنحو 30 في المائة من قيمة الجهاز». كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

ووفقاً لأحدث بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية، الصادرة عن نشاط التمويل الاستهلاكي حتى نهاية يونيو (حزيران) 2026، بلغت تمويلات شراء الهواتف المحمولة نحو 3.45 مليار جنيه خلال النصف الأول من العام، بما يمثل 4.8 في المائة من إجمالي التمويل الاستهلاكي خلال الفترة نفسها، من بينها نحو 1.2 مليار جنيه خلال يونيو وحده.

ويقول الصاوي: «تُشترى نسبة كبيرة من هواتف (آيفون برو ماكس) بالتقسيط، بفضل أنظمة السداد الإلكتروني المتاحة، لتجعل اقتناءها ميسوراً لمن لا يستطيع دفع ثمنها كاملاً. ورغم أن هناك عملاء يشترون الهاتف للاستفادة من خصائصه، فإن قطاعاً آخر يحرص على حمل جهاز غالٍ باعتباره علامة على الوجاهة، رغم أنه قد لا يعرف كثيراً من إمكاناته أو لا يستخدمها، سواء اشتراه نقداً أو بالتقسيط».

ويضيف الصاوي: «عادةً ما يظل مستخدم (آيفون) متمسكاً به لاعتياده نظام التشغيل وما يوفره من أمان وجودة تصوير وتحديثات، كما يحتفظ الهاتف بقيمة جيدة عند إعادة بيعه؛ لذلك يشتريه البعض وهم يعرفون أنهم سيتمكنون لاحقاً من بيعه وإضافة فارق السعر للحصول على إصدار أحدث، فيما تتيح سوق المستعمل اقتناءه لمن لا يستطيع شراء جهاز جديد».

ويتمتع أصحاب هواتف «آيفون» بإمكانية نقل كل المواد بسهولة من الأجهزة القديمة إلى الجديدة في دقائق معدودة.

تباين كبير بين أسعار الهواتف المحمولة في مصر والخارج (أ.ف.ب)

ولا تنفرد منتجات «أبل» بالأسعار المرتفعة؛ إذ تضم السوق هواتف فاخرة من علامات أخرى تقارب 100 ألف جنيه، لكن الحضور الواضح لـ«آيفون برو ماكس»، إلى جانب سهولة التعرف إلى تصميمه، ما جعله المثال الأكثر حضوراً في النقاش بشأن الهاتف، بوصفه علامة على المكانة الاجتماعية.

وتعتبر سارة الشاذلي، خبيرة علم الاجتماع، أن «وسائل التواصل الاجتماعي رفعت سقف المقارنة بين الأفراد، فلم يعد الشخص يقارن نفسه بمن يشبهونه في الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وإنما يقارن مقتنياته، بما تحمله من علامات تجارية، بمقتنيات مؤثرين يعرضون هواتف وسيارات وأغراضاً منزلية تكون عادةً مهداة إليهم بوصفها وسيلة للترويج».

وترتفع أسعار الهواتف المحمولة في مصر بشكل ملحوظ، مقارنة بالأسواق الخارجية بسبب فرض رسوم جمركية وضريبية تصل إلى 38 في المائة على الواردات، وإلغاء الإعفاء الجمركي الشخصي.

وتضيف الشاذلي: «الطبقات الاجتماعية متفاوتة بطبيعتها في الدخل، وبالتالي في أنماط الاستهلاك، لكن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت رموز كل طبقة معروضة باستمرار أمام الجميع، علاوة على تطبيقات التقسيط التي تسهل الوصول إلى السلع من دون امتلاك ثمنها كاملاً، رغم ما تفرضه من فوائد وأعباء، ويمثل (آيفون) منذ سنوات هذا النموذج، بما يجسده لدى كثيرين من طموح مادي واجتماعي، حتى إن لم يكونوا يستفيدون عملياً من تطبيقاته وإمكاناته التكنولوجية».