التاريخ يعلِّم العالم الدروس

التاريخ يعلِّم العالم الدروس

الأربعاء - 13 جمادى الأولى 1444 هـ - 07 ديسمبر 2022 مـ رقم العدد [16080]
نيكول يوستاس
* أستاذة التاريخ بجامعة نيويورك

قبل ثلاثمائة عام، اجتمع قادة ثلاث مستعمرات بريطانية وممثلون عن الشعوب الأصلية المعروفة باسم «الكونفدرالية الهدنوشاونية» بمقاطعة ألباني بنيويورك للتوقيع على أقدم معاهدة معترف بها في القانون الأميركي الاستعماري وقانون الولايات المتحدة.
فقد سعت الأطراف لحل أزمة اعتقد المستعمرون أنها يمكن أن تقضّ مضاجع القارة بأكملها. كانت الأزمة جريمة قتل وحشية ضحيتها صياد يُدعى ساوانتيني على يد اثنين من تجار الفراء البيض، الأخوان جون وإدموند كارتليدج.
خشي المستعمرون من أن العنف قد يشعل حرباً مع الكونفدرالية، ويهدد الإمبراطورية البريطانية في أميركا الشمالية. لكن الهدنوشاونيين المجتمعين كانوا قد وضعوا السلام نصبَ عيونهم، وليس الحرب. تضمنت المعاهدة التي تفاوض عليها الجانبان ووُقِّعت في سبتمبر (أيلول)، رؤية الهدنوشاويين للعدالة التعويضية التي نحّت جانباً كل التوقعات المقلقة للمستعمرين. ومع ذلك، فقد دُفنت محتويات الاتفاقية بمرور الوقت، تماماً مثلما غطى التراب جسد القتيل.
عندما ندرس كطلاب الوثائق التأسيسية للولايات المتحدة، نادراً ما نسمع عن المعاهدة الكبرى لعام 1722، على الرغم من أنها أقدم معاهدة معترف بها من وزارة الخارجية الأميركية. تعد المُثل العليا التي تبناها توماس جيفرسون، وجيمس ماديسون، وغيرهما من الثوار الاستعماريين، أساسية في قصة التأسيس. لكن ما ذهب إلى غياهب النسيان كانت البيانات الدقيقة للعدالة التي قدمها السكان الأصليون في خطابات صوغت بعناية وأُلقيت في مؤتمرات المعاهدات. هذه السجلات للاجتماعات الدبلوماسية هي جزء من التراث الوطني الأميركي بقدر ما هي كتابات مألوفة لقادة حقبنا الثورية.
ما ميّز معاهدة 1722 هو النهج البديل الذي قدمته لإنشاء مجتمع عادل، مجتمع يمكن فيه لاحقاً إعادة دمج الأشخاص الذين يرتكبون جرائم في المجتمع –ومجتمع يمكن فيه حل أزمة العنف من دون إلحاق المزيد من الضرر. قدمت المعاهدة نموذجاً عملياً للعدالة التصالحية، وأظهرت كيف يمكن لمجتمعات الضحايا ومرتكبي الجريمة أن يجتمعا معاً لإصلاح العلاقات الاجتماعية، من خلال تقديم العروض الاقتصادية والعاطفية والروحية. القصة قابلة للتطبيق اليوم. ويعني هذا أن إصلاحات العدالة الجنائية التي قد تبدو جذرية الآن -يجري رصدها ومتابعتها من مجموعة واسعة من نشطاء المجتمع والباحثين، والمعلمين، والمصلحين التشريعيين، ورجال القانون التقدميين- لها جذورها في التقاليد الأميركية القديمة.
في ظهيرة أحد أيام شهر فبراير (شباط) شديدة البرودة من عام 1722، ركب جون كارتليدج وشقيقه الأصغر إدموند جواديهما في وادي نهر «سيسكويهانا» فيما يُعرف اليوم بولاية بنسلفانيا، لكنها كانت في ذلك الوقت أرضاً أصلية يعيش فيها ساوانتيني مع زوجته ينبيويتاه. كان الأخوان كارتليدج يأملان في المساومة على سعر تشكيلة كبيرة من جلود الغزلان والفراء التي جمعها ساوانتيني. لكن بعد ليلة طويلة من الشرب والمساومة من دون جدوى إلى جانب نار المخيم الشتوي، تشاجر الأخوان مع ساوانتاني.
ضرب الشقيقان الرجل حتى الموت، ثم انطلقا إلى الغابة. كان جون كارتليدج هو قاضي السلام في مقاطعة «تشيستر» المجاورة، وكان يعرف، على سبيل المثال، نوع العقوبة القاسية التي يمكن أن يتوقعاها من قاضٍ بريطاني استعماري، مع التركيز على الذنب والعقاب والانتقام: السجن في سجن فيلادلفيا ثم المحاكمة في المحكمة المجاورة ثم التوجه إلى المشنقة. تم القبض عليهما فيما بعد وسجنهما في فيلادلفيا في انتظار مصيرهما المحتوم.
لكنَّ السكان الأصليين في وادي نهر سسكويهانا -وهم مجموعة متعددة الثقافات ومتعددة اللغات تتألف من الكثير من الدول المختلفة الناطقة بالإيروكوز والألغونكيان- أخبروا البريطانيين بأن الحل المفضل لديهم هو التعويض وليس الانتقام. أثار موقفهم بشأن مصير الإخوة كارتليدج نقاشاً مع المستعمرين حول الطبيعة الحقيقية للعدالة التي امتدت لأكثر من ستة أشهر، حيث جادل كل جانب حول أي عادات ثقافية سيجري اتّباعها.
في اجتماع عُقد في فيلادلفيا لحل الأزمة، أوضح الدبلوماسيون من السكان الأصليين لويليام كيث، حاكم ولاية بنسلفانيا، أن الهدنوشاونيين توقعوا أن تسود ممارسات السكان الأصليين في التعامل مع جريمة القتل. عرض أحد هؤلاء الدبلوماسيين ويُدعى ساتشيتشوي وهو عضو في طائفة «كايوغا»، وجهة نظر الهدنوشاونيين، وطالب بأن يسافر الحاكم إلى «ألباني» للانضمام إلى القادة البريطانيين وقادة الهدنوشاونيين هناك للتفاوض حول إبرام معاهدة بين الجانبين، والتعبير عن الاحترام الشخصي لممثلي السكان الأصليين. ليس أقل من زيارة رسمية يمكن أن تُرضي الهدنوشاونيين وبروتوكولاتهم والتي تتطلب التعبير عن التعازي الرسمية، والمشاركة في الطقوس الروحية وتقديم سلع تجارية كتعويضات.
لم يرغب القادة البريطانيون مطلقاً في الكشف لمستعمريهم عن كونهم مجبرين على الالتزام بمبادئ العدالة الأصلية، ولا الاعتراف بحجج السكان الأصليين ضد السجن وعقوبة الإعدام. بدلاً من ذلك، عندما أُرسلتْ نسخة من المعاهدة إلى «مجلس التجارة البريطاني» لتتم أرشفتها، تظاهر حاكم نيويورك، ويليام بيرنت، بأن القانون الإنجليزي قد حدد النتيجة، وأن الحاكم كيث قرر عدم مقاضاة الأخوين كارتليدج فقط بسبب نقص الأدلة، وليس لأنه اعترف بصحة موقف أصحاب الأرض الأصليين.
* أستاذة التاريخ بجامعة نيويورك


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو