روسيا تبلغ «عُزلتها الرقمية»... وقد تُلهم آخرين

روسيا تبلغ «عُزلتها الرقمية»... وقد تُلهم آخرين

الاثنين - 4 جمادى الأولى 1444 هـ - 28 نوفمبر 2022 مـ رقم العدد [16071]

لا تتوقف الأزمة الروسية - الأوكرانية عن تصدير المشكلات إلى العالم. وبينما أفرطت مراكز التفكير والبحث في تحليل أبعاد تلك المشكلات على صُعد السياسة والأمن والاقتصاد والغذاء والطاقة، فإن كثيرين لم ينتبهوا إلى تأثيراتها الإعلامية والاتصالية التي لا تبدو أقل كارثية.
صحيح أن البعض رصد تأثيرات تلك الأزمة، التي تتفاعل بلا أفق واضح للحل، في المجال الإعلامي، وبدا ضمن ذلك أن اتفاقاً تبلور على أنها أظهرت مثالب كامنة وُوريت طويلاً في الإعلام الغربي بخصوص «الانحياز» و«الإقصاء»، وكرّست أفكاراً تم تعميقها لعقود في شأن «شمولية» الإعلام الروسي و«أُحاديته»؛ لكن ما لم ينتبه له كثيرون أن أحد أكثر تداعيات تلك الأزمة نكاية بالمجال الاتصالي والإعلامي العالمي، يتعلق بتكريسها لخطاب «الإنترنت السيادي»، وتعزيزها لسياسات «العزلة الرقمية». وهو أمر يبدو أنه لن يظل قاصراً على الصين صاحبة السبق على هذا الطريق الفريد، ولا يرتبط فقط بروسيا، التي سرعت الأزمة نزوعها السيادي على مجالها الاتصالي، ولكنه يطرح أيضاً أنموذجاً قابلاً للتصدير والتعميم، ربما سيغري دولاً عديدة لاحقاً بتبنّيه.
لقد نشأ تعبير «الإنترنت السيادي»، الذي هو حقيقة صينية في الأساس، عندما أمّمت بكين الأنشطة على الشبكة وأخضعتها للسيادة الوطنية. وفي تلك التجربة طورت بكين عالمها الاتصالي وفقاً لتقدير السلطات بها للمصلحة الوطنية، وتشخيصها الخاص للتهديدات التي يمكن أن يجلبها نظام اتصالي مفتوح على أمنها القومي.
وبقيت الصين منذ منتصف حقبة التسعينات الفائتة خارج أيديولوجية الإنترنت، وحوّلتها من المفهوم اللامركزي والشبكي القائم على الاتصال الأفقي، إلى شبكة مركزية، تُدار بواسطة إرادة سلطوية، تمتلك صلاحيات كاملة على النطاقات والمواقع والمعلومات والأفكار التي تتدفق عبرها؛ أي إنها حوّلتها من شبكة بلا حدود سياسية أو حكومة، إلى شبكة ذات حدود سياسية وخاضعة لحكومة.
لم تكن الأزمة الأوكرانية المصدر الأساس للجهود الروسية بشأن «الإنترنت السيادي»؛ إذ ظهر هذا النزوع مبكراً عندما أدركت السلطات أن البداية المنفتحة والفوضوية للإنترنت الروسي، التي تزامنت مع تفتت الاتحاد السوفياتي السابق، وانطلاق المبادرات الفردية عبر الشبكة؛ أدت إلى فقدان السيطرة على الوسط الاتصالي والإعلامي.
وعندما دقت نواقيس الخطر في مظاهرات 2011 ضد عودة فلاديمير بوتين إلى السلطة في روسيا، وتبلور درس ما عُرف بـ«الربيع العربي»، الذي تحوّلت الشبكة فيه إلى بنية اتصالية أساسية لـ«صناعة الفوضى» و«قلب الأنظمة» و«الترويج للقيم الغربية»؛ نشأ خطاب «الإنترنت السيادي» في البلاد، وبدأت مفاعيله في الظهور اعتباراً من عام 2013.
وعلى مدى نحو عَقد من الزمان بذلت الحكومة الروسية جهوداً كبيرة لتطوير نزعة السيطرة على المجال الاتصالي للبلاد، وراحت تُصدر القوانين المتتابعة لتحقيق هذا الهدف، وصولاً إلى إصدار قانون «الإنترنت السيادي» في عام 2019. وسعى هذا القانون إلى تحقيق هدفين محددين: أولهما تزويد السلطات بالوسائل اللازمة لتمكينها من التحكم الكامل في تدفق المعلومات داخل البلاد وخارجها، وثانيهما منح الدولة القدرة على فصل الشبكة الداخلية عن الإنترنت الخارجي في حال وجود تهديدات لأمنها القومي. ويوم الجمعة الماضي، أعلن وزير التنمية الرقمية الروسي مكسوت شداييف، أن بلاده «حققت السيادة الرقمية»، مع انسحاب الشركات الأجنبية العاملة في المجال من السوق المحلية، مؤكداً أن «نسق الاتصال الإنترنتي الروسي يعمل الآن من خلال وسائطنا الخاصة».
لا يمكن القول إن روسيا - التي وُصف مجالها الإنترنتي في التسعينات من القرن الماضي بأنه «جنة للقراصنة» - استطاعت تأميم الإنترنت تماماً. وربما سنحتاج إلى مراقبة أوضاعها الاتصالية لمعرفة ما إذا كانت أنجزت بالفعل «عُزلة رقمية» تُبقي عصمتها الاتصالية بيد حكومتها وحدها، لكن الأكيد أنها تجتهد لجعل ذلك أمراً واقعاً.
وبعد الصين وكوريا الشمالية، ستكون روسيا رقماً ثالثاً صعباً يزعزع اليقين في أيديولوجية الإنترنت المنفتحة و«لا مركزيتها» وتواصلها الأفقي. ولأن روسيا بدأت اتصالها بالإنترنت بانفتاح لافت وتواصل نشط؛ فإنها ستمنح العالم نموذجاً لتطويع الشبكة وفقاً لمستجدات سياسية تعززت بالصراعات وتصادم الإرادات. وبالتالي، إذا نجحت روسيا في مسعاها، الذي أعلنت بلوغه بالفعل عندما أكدت تحقيقها «السيادة الرقمية»؛ فإنها قد تُلهم آخرين من الذين يعانون ضغوطاً مماثلة لما واجهته للسير في الطريق ذاته.
وسيعني هذا أن بعض الدول التي تخوض نزاعات مع الغرب، أو التي تخشى «غزواته القيمية»، وتشخّص انفتاح الشبكة على أنه «تهديد لأمنها القومي»، قد تجد نموذج عمل واضحاً لتبنّيه، وبنية تشريعية وتقنية ملائمة، لكي تعود بالشبكة المُنفتحة، التي لا تعرف الحدود السياسية والتحكم السلطوي، إلى عصر مضى تُحكِم فيه الدولة قبضتها على نطاقها الاتصالي، وتُفعّل سيادتها الوطنية عليه.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو