إشكالية العلاقة بين موروثنا النقدي والنقد الحديث

كتاب يدعو لتجاوز القطيعة الثقافية الراهنة

إشكالية العلاقة بين موروثنا النقدي والنقد الحديث
TT

إشكالية العلاقة بين موروثنا النقدي والنقد الحديث

إشكالية العلاقة بين موروثنا النقدي والنقد الحديث

تمثل إشكالية العلاقة بين موروثنا النقدي الكلاسيكي من جهة، والاتجاهات النقدية الحداثية، وما بعد الحداثية، من جهة أخرى، واحدة من الإشكاليات المؤرقة للناقد العربي، الذي يحرص دائماً على أن يضمن لوناً من التواصل بين هذين الحقلين، ويبتعد عن القطيعة التي تهيمن على هذه العلاقة حالياً.
وكتاب الدكتور علي حداد، أستاذ النقد الحديث في جامعة بغداد «ذلك من تأويله... نحو رؤية جديدة لقراءة النص الأدبي» الصادر عام 2022، هو إحدى المحاولات النقدية العربية الجادة في هذا الميدان، التي تسعى لإيجاد حلقات وصل بين هذين الحقلين النقديين، من خلال إعادة تفعيل وتشغيل بعض المصطلحات النقدية التراثية، وبثّ حياة جديدة فيها تمهيداً لإدراجها في ممارسة نقدية تطبيقية حية لنماذج أدبية حديثة وكلاسيكية.
وقد انطلق حداد في مشروعه هذا من خلال التقاط المصطلح البلاغي المعروف بـ«العدول» الذي يدرس عادة تحت باب «البديع» في البلاغة العربية، ومحاولة ضخّه بدلالات نقدية جديدة عبر مصطلح «التعليق» والسعي للخروج من الأفق الضيق لحدود المعنى البلاغي للمصطلح نحو فضاء أكثر انفتاحاً وحداثة من خلال مصطلح «التعليق». فقد اعتاد نقاد البلاغة العرب على عدّ «العدول» بمثابة «التفات» أو انكسار في توظيف ضمير ما إلى ضمير آخر، وهو ما نجده في النصوص الشعرية، مثلما نجده، بحدود أضيق، في النصوص السردية أيضاً، وهو يتمثل في الانتقال من ضمير المتكلم إلى ضمير الغيبة مثلاً.
هذا، ومن الجدير بالذكر أن هناك كثيراً من الدراسات النقدية العربية الحديثة حول مفهوم «العدول»، عبر مباحث وكتب كثيرة. فقد أصدر الدكتور «سعيد بكور» كتاباً تحت عنوان «مفهوم العدول»، سلط فيه الضوء على مختلف الجوانب الدلالية والوظيفية للمفهوم، وتطرق إلى ضوابط العدول وتمظهراته. ويرى المؤلف أن العدول يشكل الشرط الأساسي الضروري لكل شعر. كما نشر الباحث «د. محمد مختار جمعة مبروك» دراسة مستفيضة تحت عنوان «العدول وتطبيقاته بين القدماء والمحدثين... دراسة نقدية» أشار فيها إلى أن مفهوم «العدول» ينطوي على نوع من الخروج العادي للغة، بحيث يبتعد الشاعر أو الكاتب عما تقتضيه المعايير المقررة في النظام اللغوي المعياري. وتناول الباحث دلالة هذا المصطلح لدى عدد كبير من الباحثين والنقاد العرب القدامى والمحدثين، فتوقف عند رأي «ابن الأثير» الذي يرى أن مفهوم العدول يشمل الانتقال من صيغة إلى أخرى، ومن أسلوب إلى أسلوب، سواء أكان انتقالاً بين الضمائر كالعدول عن الخطاب إلى الغيبة، أم عن الغيبة إلى التكلم. كما أفاض الباحث في التعريف بوجهات نظر نقاد آخرين، أمثال القزويني والعلوي والتفتزاني والسكاكي والدسوقي وغيرهم. وتوقف الناقد عند رؤية النقاد المعاصرين لمفهوم «العدول» حيث يذهب د. محمد عبد المطلب إلى استكناه دلالة المصطلح من خلال مباحث علم «المعاني»، فيرى أن هذه المباحث تدور حول العدول عن النمط المألوف، على حسب مفهوم أهل اللغة، وتقاليدهم، في صناعة الكلام. ونبّه الباحث إلى تفضيل بعض هؤلاء النقاد المحدثين لمصطلح الانزياح Deviation عند الحديث على مصطلح «العدول» البلاغي، ومنهم الدكتور صلاح فضل، والدكتور عبد الحكيم راضي، وغيرهما. ومن هنا نكتشف أن النقاد العرب المحدثين قد أولوا مفهوم «العدول» كثيراً من الاهتمام، وأنها ليست المرة الوحيدة التي يتوقف فيها ناقد ما، أمام دلالة هذا المفهوم وتطبيقاته، كما أن النقد الأجنبي هو الآخر قد درس ظاهرة «العدول» هذه تحت مصطلح Apostophe كما فعل الناقد «جوناثان كللر» في كتابه وفي مطاردة العلامات In Pursuit of Signs التي عدّها جزءاً من المحسنات البلاغية Figuires of Speech وطبقها على كثير من النماذج الشعرية، وبشكل خاص على الشعر الرومانسي من خلال قصائد للشعراء وردزورث وكوليرج وبليك وشيللي وغيرهم.
ومن هنا، نجد أن جميع الثقافات قد انتبهت بصورة أو بأخرى إلى أهمية مفهوم العدول هذا، وأفادت منه إلى حدٍ كبير.
مساهمة حداد ارتادت مساحة واسعة من حدود المصطلح الدلالية، وفتحت الطريق أمام تطبيقات حية وناضجة على تجارب شعرية ونثرية ونصوص من القرآن الكريم. فقد تناول الباحث بالدراسة «سورة يوسف» ومظاهر التعليق فيها، كما درس محددات التعليق المستعادة في «رسالة الغفران» للمعري، وكتاب «ألف ليلة وليلة»، وتناول الباحث مظاهر «التعليق» في قصيدة السياب «أنشودة المطر»، كما توقف عند تجربة من الشعر النسوي متمثلة بنصوص للشاعرة «فرح دوسكي».
من المهم أن نلاحظ هنا رغبة الباحث د. علي حداد في التفرد بتناول مفهوم «العدول» البلاغي، بطريقة جديدة، ومحاولة البحث عن مصطلحات بديلة أو مقاربة له، فتوقف عند مصطلح «الالتفات» البلاغي، لكنه انصرف عنه إلى مصطلح آخر يراه أكثر فاعلية ودلالة، هو مصطلح «التعليق» الذي يكشف عن قدرات دلالية أوسع مما يقترحه مفهوم «الالتفات»، وذلك من خلال نقل المصطلح من أفقه الدلالي الحالي إلى فضاء الممارسة النقدية المثمرة.
ويرى الناقد أن مفهوم «التعليق» يشير إلى ما يحصل في النص من انتقالات أو تبدلات على مستوى الرؤية وسياق الدلالة، أو على مستوى التشكيل الفني في وجهته وتكويناته، لغة وصورة وإيقاعاً، تؤسس لإزاحة أو تأجيل مسار التعبير لصالح رؤية أخرى أو معنى آخر.
ويقدم الناقد مجموعة من المسوغات التي دفعته لتفضيل مصطلح «التعليق» بوصفه مجساً نقدياً قرائياً حديثاً. فهو يرى أن هذا المصطلح يضع بين أيدي الممارسة القرائية فضاءً متسعاً لفحص النص عبر وجوده الدلالي. ويلاحظ الباحث أن مفهوم «التعليق» يتبنى الكتابة مجالاً أساساً لفاعليته وهيكلية بنائه أكثر من الكلام الشفاهي. وتوقف الناقد عند تمظهرات «التعليق» في النصوص الأدبية، ومنها «التعليق السردي» و«التعليق المتداخل» و«تعليق التشبيه» و«التعليق المستعاد» و«التعليق النهائي» وغيرها.
وانصرف الباحث بعد ذلك لتأمل فاعلية «التعليق» في المنجز الشعري العربي، فتوقف أمام «المعلقات» وعدّ انتقالاتها الشعرية من غرض إلى آخر، من المقدمة الكلية إلى الحب، ومن ثم إلى المديح بمثابة مظاهر لمفهوم «التعليق»، كما عدّ الباحث شعر الموشح الأندلسي بمثابة لون من التعليق لأنه أنتج تشكيلاً جديداً من خلال الانتقالات التعبيرية والإيقاعية التي يتأسس عليها، خاصة حين يقيم نظامه الإيقاعي على نوع من «التعليق المتكرر» للمطلع، بعد كل مجموعة من الأبيات. واستعرض الباحث مظاهر «التعليق» في الشعر العربي الحديث، في قصيدة الشعر الحر عند نازك الملائكة والسياب، كما عبر عن قناعته بأن قصيدة النثر العربية قد «علقت» كثيراً مما كان لتجارب التجديد الشعري.
وتحدث الناقد عن مظاهر «التعليق» في النص القرآني الذي أرسى مرامي أداء وسياقات تعبير جديدة في النثر العربي «علقت» بعض ما كان متداولاً، مثل سجع الكهان والخطابة والرسائل. وأفرد الباحث فصلاً خاصاً، فحص فيه مظاهر التعليق في «سورة يوسف»، ومنها آليتا «الاستباق» و«الاسترجاع» السرديتان في السورة، في كون كل منهما تحمل مقاصدها من خلال «تعليق» لحظة الحكي الراهنة، والذهاب إما نحو القادم، أو النكوص نحو الماضي، واستعادة بعض الوقائع التي سبق ذكرها. ويرى الباحث أن القصة قد كشفت عن انتقالة مفصلية مهمة في حياة يوسف في «تعليق مؤقت» لما كان من أمر إخوته، وتذهب بعد أن أُخرج من الجبّ، والعيش في بيئة حضرية «علقت» من خلالها مرحلة البداوة.
ثم توقف الباحث عند محددات «التعليق المستعاد» في «رسالة الغفران» للمعري، وتمثلاته المتنوعة في كتاب «الف ليلة وليلة»، ثم حطّ رحاله أخيراً عند منطقة الشعر، وقصيدة «أنشودة المطر» تحديداً، للشاعر بدر شاكر السياب. ويرى الناقد أن القصيدة تتشكل من 3 مقاطع مسبوقة باستهلال غزلي، وسرعان ما سيتم «تعليقه» ليبدأ المقطع الثاني بصورة بوح جماعي، ثم يتم «تعليق» هذا المقطع لصالح المقطع الثالث المكثف الذي يتألف من كلمتين فقط «يهطل المطر». ويبدو «التعليق المستعاد» كما يعتقد الباحث أكثر حضوراً في القصيدة، وأبرز صوره تكرار الشاعر لكلمة «مطر» 3 مرات في ثنايا مقاطع القصيدة، ويلاحظ الباحث انطواء القصيدة على 3 أنواع من «التعليق المتداخل»، منها هذا الانتقال بين الضمائر «أنا» و«أنت» و«هو».
وفي اعتقادي الشخصي أن هذه التقنية يمكن لها أن تعالج أيضاً بشكل أفضل على وفق نظرية بنية التوازي Prallelism الحديثة، التي سبق لنا أن توقفنا عندها في دراسة خاصة، وهو ما لم يشر إليه الباحث.
وفي جواب على تساؤل عن دلالة ما الذي أرادت القصيدة أن تقوله، يرى الباحث أن المقطع الأول يعبر عن معاناة ذاتية، وتمت عملية «تعليقه» لصالح القسم الثاني الذي عكس المعاناة الجماعية، ثم «تعليق» الشاعر هذين القسمين لصالح القسم الثالث الذي «انتهت فيه أنماط المعاناة إلى أفق حياة جديدة». ويختتم الباحث كتابه بقراءة لديوان الشاعرة فرح دوسكي «أحاول دحرجة الأيام» بوصفه أنموذجاً للشعر الأنثوي.
ويدافع الباحث في الخاتمة عن منظوره الشخصي الذي دفعه لتبني مصطلح «التعليق»، فأشار إلى أن مسعاه في تخّير «التعليق» لم يكن مدعاة لإزاحة موروث آخر، أي «الالتفات»، بل كان نابعاً من رؤية مؤسسة على قناعة أن بإمكان نقدنا الحديث أن يضفي وعياً قرائياً جديداً على المصطلحات النقدية التراثية، بما يحقق الصلة بذلك التراث، لتجاوز أزمة القطيعة الثقافية الراهنة.


مقالات ذات صلة

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).