رمضان عبد التَّواب ينتحل ترجمة عبد الحليم النَّجار

ثلاثون عاماً بين الطبعتين

رمضان عبد التَّواب ينتحل ترجمة عبد الحليم النَّجار
TT

رمضان عبد التَّواب ينتحل ترجمة عبد الحليم النَّجار

رمضان عبد التَّواب ينتحل ترجمة عبد الحليم النَّجار

صنّف المستشرق الألماني يوهان فك (1894-1974) كتاباً بالألمانيّة، ترجمته «العربيَّة دراسات في اللُّغة واللهجات والأساليب». قام بالترجمة مدرس كلية الآداب في جامعة فؤاد الأول عبد الحليم النَّجار (ت: 1964)، ونُشر بالقاهرة: مكتبة الخانجيّ (مطبعة دار الكتاب العربيّ) 1951، وبعد أكثر مِن ثلاثين عاماً ظهرت ترجمة ثانية للكتاب نفسه، قام بها أستاذ العلوم اللُّغوية في كلية الآداب- جامعة عين شمس الدكتور رمضان عبد التَّواب (1930- 2001)، صدرت عن مكتبة الخانجي نفسها (1980).

لا قيمة لترجمة ثانية لأي كتاب، إلا يكون قد استجد أمرٌ ما، فيما يخص النّص، أو ما توصل له مترجم الكتاب الثّاني مِن مصادر وروايات وشروحات، تكون قد فاتت المترجم الأول، ومِن المفروض أن تكون الترجمة الجديدة بمعزل عن الأولى، وإذا كان الأمر تصحيحاً أو تصويباً، في بضع كلمات، فلا يحتاج النص إلى ترجمة جديدة، وإعادة الجهد بلا طائل، عند ذلك يُكتفى بمقال ناقد، أو إصدار جديد للترجمة نفسها مع مقدمة، يشار فيها إلى النواقص إن وجدت.

هذا، وبعد 64 عاماً مضت على صدور ترجمة عبد الحليم النَّجار أُعيد نشرها كاملة مِن قبل المركز القوميّ للترجمة بالقاهرة (2014)، مع مقدماتها، وكانت مصدرة بقلم الباحث أحمد أمين بك (ت: 1954)، وتقديم محمَّد يوسف موسى، وواضح أن طبعة المركز القومي كانت مصورة، طبق الأصل، عن الطَّبعة الأولى، ولم يُشر فيها لترجمة رمضان عبد التّواب، لا مِن قريب ولا مِن بعيد، أي لم تؤخذ ترجمته بعين الاعتبار، وما ادعاه مِن إضافات في ترجمته، على أنها ترجمة جديدة، وهي ليست كذلك.

يقول رمضان عبد التّواب في مقدمته لترجمته المزعومة، معترفاً بسبق النّجار إلى ترجمة الكتاب، فانتظر حتّى نفدت طبعة (1951)، ولما فكر النَّاشر في إعادة طبع الكتاب، عرض عليه عبد التَّواب «إعادة الترجمة مِن جديد، مضيفاً تعليقات أستاذي، شيخ المستشرقين في الوقت الحاضر، بروفسور شبيتالر، رئيس معهد اللُّغات السَّاميَّة بجامعة ميونيخ، وما تجمع لدي مِن ملاحظات على مادة الكتاب، وقضاياه، وتصحيح شيء من التَّصحيف والتَّحريف، وبعض الأخطاء التي وقعت في ترجمته، فرحب بالفكرة ترحيباً بالغاً، وكان لتشجيعه وغيرته العظيمة على العربيَّة وتراثها، أكبر الأثر في هذا الكتاب، بالصورة التي هو عليها» (فك، العربيّة دراسات في اللغة واللهجات والأساليب، ترجمة رمضان عبد التواب 1980).

ثم أردف قائلاً لإظهار جهده وشقاه في الترجمة: «والكتاب دائرة معارف واسعة، يحتاج مِن مترجمه إلى الكثير مِن الصّبر والجهد، ومراجعة الكثير مِن المصادر، لتحقيق هذا النَّص أو ذاك، مِن نصوصه الكثيرة، الممتدة عبر عصور العربيَّة» (نفسه).

إذا كان لا بد مِن قول ذلك، فهي بالأحرى مِن حقّ مترجم الكتاب الأول عبد الحليم النَّجار، لا مَن أخذ النص المترجم كاملاً، حتَّى كان الشبه بين الترجمتين شبه الغراب بالغراب، مثلما يُقال، لا تصحيح ولا مراجعة، فالمصادر، التي ذكر عبد التّواب أنه بذل جهداً بمراجعتها، هي المصادر نفسها التي وصل إليها النّجار، ووضعها في حواشي ترجمته للكتاب.

ليست ترجمة أن يقلب مفردة «ممارسة» ويجعلها «احتكاك»، أو يستبدل «العلاقات» ويستخدم «الروابط»، فهذا ليس جهداً ولا ترجمة ولا إضافةً، أو يستبدل «نظرة خاطفة» ويستخدم عبارة «عود على بدء»، فهذا لإبعاد شبهة الانتحال عنه. هذا التغيير اللفظي الذي لا يؤثر على النّص، كان من رمضان عبد التّواب أن يُقدم الطبعة الجديدة، ويشير إليها، إذا كان يحسب ذلك على مستوى مِن الخطورة، وهو ليس كذلك، لا أن يستولي على الكتاب كاملاً ويجعل نفسه مترجماً، فإذا كان الجديد الذي أضافه عبد التّواب هو تعليقات المستشرق شبيتالر، وهذه لا تستوجب انتحال الترجمة كاملة، والأداء أنه راجع المصدر، وهي التي راجعها واثلتها النّجار نفسه.

يبدو أن عبد التَّواب استغل جهل النّاشر في الترجمة، أو أراد تسويقاً جديداً للكتاب، وثانياً وفاة المترجم الأول، وثالثاً نفود الطبعة الأولى (1951) وبُعد عهدها، فالزَّمن كان 30 عاماً بين الطبعتين؛ والغريب ليس هناك من تصدى لفضح هذا الانتحال، مِن الوسط الأدبي والأكاديميّ، مع أنه كان انتحالاً مفضوحاً تاماً، وورط رمضان عبد التّواب نفسه في المقدمة، فقد أظهر نفسه المترجم المصوب لترجمة النَّجار، لا مستخدم نصوصه نفسها.

نبدأ مِن «التّمهيد»: ترجمة عبد التّواب (الصفحة: 13): «لم يحدث حدث في تاريخ اللغة العربيَّة، أبعد أثراً في تقرير مصيرها مِن ظهور الإسلام. فمن العهد - قبل أكثر مِن 1300 عام، عندما رتل محمد صلى الله عليه وسلم القرآن على بني وطنه بلسان عربي مبين».

ترجمة النَّجار (الصَّفحة: 1): «لم يحدث حدث في تاريخ اللغة العربيَّة، أبعد أثراً في تقرير مصيرها مِن ظهور الإسلام. فمن العهد - قبل أكثر مِن 1300 عام، عندما رتل محمد صلى الله عليه وسلم القرآن على بني وطنه بلسان عربي مبين».

ترجمة عبد التّواب (الصفحة: 17): «وقد بدأ التّطور إلى العربيَّة المولدة حينما انتقلت العربيّة بعد وفاة الرسول (عليه الصلاة والسلام) مباشرة عن طريق الغزوات الكبرى في العهد الإسلامي الأول، إلى خارج حدودها القديمة، في مواطن لغوية أجنبية».

ترجمة النَّجار (الصفحة: 6): «وقد بدأ التّطور إلى العربيَّة المولدة حينما انتقلت العربيّة بعد وفاة الرسول مباشرة عن طريق الغزوات الكبرى في العهد الأول، إلى خارج حدود الوطن العربي، في مواطن لغوية أجنبية».

نظرة خاطفة (عبد التواب)/ عود على بدء (النَّجار)

ترجمة عبد التَّواب (الصفحة: 238): «جاء السيل المغولي، الذي أصاب في الصميم بلداناً، كان لها التصدير في قيادة ركب الثقافة والمدنية في العالم الإسلامي، والذي اكتسح خلافة بغداد (656/1258) فأكمل حلقة الختام في مراحل الانحلال اللغوي التي بدأت بظهور السلاجقة، وبهذا تقطعت الخيوط الأخيرة من الثقافة التليدة المتوارثة في الأقاليم التي تغلغل فيها المغول».

ترجمة النَّجار (الصفحة: 230): «جاء السيل المغولي، الذي أصاب في الصميم بلداناً، كان لها التصدير في قيادة ركب الثقافة والمدنية في العالم الإسلامي، والذي اكتسح خلافة بغداد (656/1258) فأكمل حلقة الختام لمراحل الانحلال في تاريخ اللغة العربية أي المرحلة التي بدأت بظهور دولة السلجوقيين، وبهذا تقطعت الخيوط الأخيرة من الثقافة التليدة المتوارثة في الأقاليم التي تغلغل فيها المغول».

ترجمة عبد التَّواب (الصفحة: 234): «وإذا صدقت البوادر، ولم تخطئ الدلائل فستحفظ أيضاً بهذا المقام العتيد من حيث هي لغة المدنية الإسلامية، ما بقيت هناك مدنية إسلامية».

ترجمة النَّجار (الصفحة: 242): «وإذا صدقت البوادر، ولم تخطئ الدلائل فستحفظ أيضاً بهذا المقام العتيد من حيث هي لغة المدنية الإسلامية، ما بقيت هناك مدنية إسلامية».

يبدو أن عبد التَّواب استغل جهل النّاشر في الترجمة، أو أراد تسويقاً جديداً للكتاب، وثانياً وفاة المترجم الأول، وثالثاً نفود الطبعة الأولى (1951)

ملحق مادة: ل ح ن، ومشتقاتها:

ترجمة عبد التواب (الصفحة: 243): «يتطلب معنى اللحن اللغوي أن يكون الصواب متقدماً عليه، وكلاهما يمكن حصوله وتصوره إذا تجاوز التفكير في اللغة خطوات نشأتها الأولى. بيد أن مثل هذا التفكير والتأمل في نشوء اللغة كان بعيداً كل البعد عن عرب البادية الإسلامية».

ترجمة النَّجار (الصفحة: 235): «يتطلب معنى اللحن اللغوي أن يكون الصواب متقدماً عليه، وكلاهما يمكن حصوله وتصوره إذا تجاوز التفكير في اللغة خطوات نشأتها الأولى. بيد أن مثل هذا التفكير والتأمل في نشوء اللغة كان بعيداً كل البعد عن عرب البادية الإسلامية».

ترجمة عبد التَّواب (الصفحة: 255): «هذا البيت إلى البيتين المشار إليهما من قبل، يبدو - فيما أعلم - أنه أقدم الشواهد على استعمال كلمة، في معنى الخطأ اللغوي».

ترجمة النَّجار (الصفحة: 255): «هذا البيت إلى البيتين المشار إليهما من قبل، يبدو - فيما أعلم - أنه أقدم الشواهد على استعمال كلمة، في معنى الخطأ اللغوي».

بعد ذلك تأتي ترجمة عبد التّواب بالفهرس «فهرس تحليلي لموضوعات الكتاب»، عنوان النَّجار نفسه، والفرق أن عبد التواب جعله في آخر الكتاب (الصفحة: 256)، أما النّجار فكان قد وضعه في مقدمة كتابه، وهذا هو مكانه المناسب، لكن المهم نُقل حرفياً.

ختاماً، لقد استولى عبد التّواب على جهد عبد الحليم النّجار حرفياً، وإذا كان قد غيّر وبدل هنا وهناك فلا يزيد على كلمات وعنوان. يبدو مضحكاً للقارئ ومؤلماً للنجار، ما ورد في الغلاف الأخير من طبعة ترجمة عبد التَّواب (1980) الآتي: «وهذه الترجمة الجديدة، تمتاز بالدقة وكثرة التعليقات والتصحيحات والمناقشات لبعض القضايا المهمة في الكتاب»، ولم يزد صاحب الترجمة (الجديدة) شيئاً مذكوراً، غير نشر كلمة المستشرق شبيتالر، وهي 4 ورقات فقط، ووضع قائمة بمصادر مؤلف الكتاب، الواردة في الهوامش، استغنت عن ذكرها طبعة 1951.


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق أكثر من مجرّد كتب (أ.ف.ب)

مكتبة الكونغرس الأكبر في العالم تكشف بعض كنوزها (صور)

تحتوي مكتبة الكونغرس الأميركية، وهي الأكبر في العالم، على ما هو أكثر من مجرّد كتب، إذ تضمّ ملايين القطع المتنوّعة البالغة الأهمية برمزيّتها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
كتب العيشُ في عوالم متعدِّدة

العيشُ في عوالم متعدِّدة

كلٌّ منا له عالمه النوعي الخاص. العالم ليس كينونة سكونية نتعاملُ معها برؤية نسقية موحَّدة؛ بل هو نتاج تفاعل معقَّد بين أدمغتنا والمادة التي يتشكَّل منها العالم.

لطفية الدليمي
كتب شيماء الشريف أول سعودية وعربية تحصد «جائزة ابن عربي في أدب الخيال العلمي والفانتازيا» (الشرق الأوسط)

«أنصاف المجانين» أول رواية سعودية تفوز بجائزة «ابن عربي» للأدب المترجم

فازت الدكتورة شيماء الشريف بالجائزة الدولية للأدب العربي المترجم للإسبانية «ابن عربي» عن روايتها «أنصاف المجانين» التي تُرجمت إلى اللغة الإسبانية وحظيت بإشادة

أسماء الغابري (جدة)
كتب «سردية الطاعون»... الواقع والمتخيل الفني

«سردية الطاعون»... الواقع والمتخيل الفني

يطرح كتاب «الطاعون: الصورة والخيال من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة» بحثاً ثقافياً موسعاً في عالم هذا المرض الأكثر فتكاً في تاريخ البشرية

منى أبو النصر (القاهرة)

العيشُ في عوالم متعدِّدة

العيشُ في عوالم متعدِّدة
TT

العيشُ في عوالم متعدِّدة

العيشُ في عوالم متعدِّدة

 

كلٌّ منا له عالمه النوعي الخاص. العالم ليس كينونة سكونية نتعاملُ معها برؤية نسقية موحَّدة؛ بل هو نتاج تفاعل معقَّد بين أدمغتنا والمادة التي يتشكَّل منها العالم. أدمغتنا هي الأخرى ليست كتلة مادية ساكنة. إنها حصيلة التطوُّر المستدام لخبراتنا المستجدة التي نصنعها بجهدنا الذاتي وشغفنا المدفوع برغبة لتغيير العالم، أو -على الأقل- المساهمة في تشكيله.

العالم الفقير تقنياً الذي عاشهُ أسلافنا يتمايز –بالتأكيد- عن العالم المعقَّد تقنياً الذي نعيشه، والعالم الذي يعيشه أحد الأشخاص ممن عاشوا في قلب الغابات الأمازونية المطيرة، أو قريباً من تخوم القطب الشمالي، سيختلف حتماً عن ذاك الذي يعيشه شاب نيويوركي في قلب مانهاتن. كلٌّ منا له عالمه الخاص الذي تؤثر عناصر كثيرة في تشكيله، مثلما أن لنا دورنا الخاص -عندما نرغب- في المساهمة بقدر ما في صناعة العالم.

عاش برتراند رسل، الفيلسوف الإنجليزي الأشهر في القرن العشرين، ما يقارب القرن (من عام 1872 حتى عام 1970). بدأ حياته مع مشهد العربات التي تجرها الخيول، ثم تُوفِّي بعد سنة شهد فيها كيف وطأ الإنسان القمر، عبر صورة منقولة لحظياً بواسطة اتصالات فضائية متقدِّمة. من يعشْ طويلاً في بيئة لا تلبث تتغيَّر تقنياً بكيفية مستدامة، سيكون كمن عاش في عوالم متعدِّدة بدلاً من عالم واحد. ربما أراد رسل من كتابه «صورٌ من الذاكرة» (Portraits from Memory) الذي نشره بداية خمسينات القرن الماضي، الإشارة إلى هذه العوالم المتعددة بطريقة استعارية، بعد أن عاش نحو قرن من الزمان على الأرض. كلُّ صورة من صور الذاكرة التي كتب عنها رسل هي عالم كاملٌ يتمايز عن سواه.

ألبرت آينشتاين، الفيزيائي النظري مبتدعُ النظرية النسبية الخاصة والعامة، كتب هو أيضاً كتاباً عام 1934، سمَّاه «العالم كما أراه» (The World as I See It)، ولعلَّه أراد العالم المادي الذي تتعامل معه الفيزياء بمعادلاتها المثيرة. لم يعش آينشتاين عالماً واحداً؛ بل شهد انتقالات كثيرة في حياته: من ألمانيا القيصرية إلى ألمانيا النازية، ثم الانتقالة المثيرة إلى معهد الدراسات المتقدمة في جامعة برنستون الأميركية.

يبدو أنَّ مثل هذه الأفكار -أو ربما قريباً منها- قد طافت بذهن فاي- فاي لي، Fei-Fei Li، عالمة الحواسيب الأميركية صينية المولد، عندما اختارت لمذكراتها هذا العنوان: «العوالم التي أرى» (The Worlds I See). المذكرات منشورة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2023، وهي مزيج محبب ومتوازن من سيرة شخصية ومهنية يتداخل فيها الكفاح الشاق لعائلة لي مع شغفها وفضولها العلمي، ورغبتها في وضع بصمتها المميزة والمفيدة في هذا العالم.

السيرة العلمية والتقنية للبروفسورة لي مميزة: ولدت عام 1976 في بلدة صينية فقيرة، ثم استطاعت بجهودها وجهود عائلتها أن تتبوَّأ مواقع مرموقة على الصعيدين الأكاديمي والصناعي. شغلت موقع أستاذة علم الحاسوب في جامعة ستانفورد الأميركية، وأسَّست مع بدايات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين موقع البيانات المسمَّى «ImageNet» الذي ساهم في تحقيق تقدُّم سريع في حقل الرؤية الحاسوبية (Computer Vision). إلى جانب هذا عملت لي في مجلس مديري «تويتر»، وساهمت في تأسيس معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمركز على البشر، كما شاركت في إدارة مختبر جامعة ستانفورد للرؤية والتعلُّم الحاسوبي.

يشتمل طيف اهتمامات الدكتورة لي على حقول متعددة: الذكاء الاصطناعي، وتعلُّم الآلة، والتعلُّم العميق، والرؤية الحاسوبية، وعلم الأعصاب الإدراكي (المعرفي).

تشارك لي في مذكراتها القارئ بحكاية الرحلة الملهمة لها، من طفولتها المتواضعة في الصين حتى آخر إنجازاتها المتفوقة في الحقل الأكاديمي وصناعة الذكاء الاصطناعي. تفتتح لي كتاب مذكراتها بسرد عن الساعات المشحونة بالقلق التي سبقت الإدلاء بشهادتها عام 2018، أمام لجنة الكونغرس الأميركي المختصة بشؤون العلم والفضاء والتقنية. كانت لي واحدة من أوائل المختصين الذين دعاهم الكونغرس للإدلاء بشهادتهم حول الذكاء الاصطناعي، وقد جاءت شهادتها بياناً مُعَقلناً حول آفاق تطور الذكاء الاصطناعي، كما كانت هذه الشهادة انطلاقة معقولة شرعت منها لي في سرد مذكراتها المثيرة.

في الفصول اللاحقة للمقدمة التمهيدية، تشرع لي في حكاية رحلتها، ابتداء من سنوات الطفولة وبواكير المراهقة في الصين، عندما أحبَّت الفيزياء وأرادتها أن تكون محور حياتها. عندما بلغت لي الخامسة عشرة سافرت برفقة أمها لتلتحق بأبيها في الولايات المتحدة الأميركية، وكان قد غادر قبل 3 سنوات. استقرَّت العائلة في نيوجيرسي، وعانت كثيراً من مشقات الهجرة المعروفة إلى عالم مختلف عمَّا عهدته العائلة في الصين. وكان اعتلال قلب الأم سبباً إضافياً في تراكم المشقات على الأب والابنة.

التقت لي في دراستها الثانوية بالسيِّد سابيلا، مدرس الرياضيات الذي سيصبح مرشدها وراعيها، ثم ستنعقد بينهما صداقة تستمر حتى اليوم. جاهد سابيلا في تخليص لي من آثار الصدمة الثقافية، وعزَّز الثقة في نفسها، كما عمل على حصولها على مقعد دراسي في جامعة برنستون النخبوية التي كانت مستقراً لبطلها السابق الذي أحبته دوماً، ورأت فيه مثالها الأعلى: ألبرت آينشتاين. اقتنعت لي بأنَّ آينشتاين كان مهاجراً مثلها في أميركا؛ فلِمَ لا تكون مثله؟

بعد أن حصلت لي على شهادتها الجامعية في الفيزياء من جامعة برنستون، غادرتها إلى معهد كاليفورنيا التقني «كالتك» (Caltech)؛ حيث حازت شهادتَي الماجستير والدكتوراه في الهندسة الكهربائية. ركَّزت بحثها في الدكتوراه على العلاقة بين العلم العصبي (Neuroscience) والرؤية الحاسوبية، وكان هذا خياراً غريباً ونادراً حينذاك؛ لكنها تفوقت فيه حتى صارت أحد أعمدته على مستوى العالم. تحكي لي عقب هذا ذكرياتها عن كتابة ورقتها البحثية الأولى، والظروف التي عاشتها عندما قدَّمت هذه الورقة في مؤتمر عالمي للرؤية الحاسوبية.

بموازاة هذا الاستذكار الشخصي، لا تنسى لي تذكير القارئ ببدايات الذكاء الاصطناعي في خمسينات وستينات القرن العشرين، وتأشير مواضع الانتصارات والانكفاءات في هذا الحقل البحثي الذي صار عنوان عصرنا الحالي. نجحت لي -كما أحسب- نجاحاً مبهراً في عرض حكايتها الشخصية في سياق التطوُّر التاريخي للحقل البحثي الذي تحكي عنه؛ لذا لا انفصال بين العالمين، وربما هذه هي الخصيصة المهمة لكلِّ من يبتغي المساهمة في دفع عجلة التقدم العلمي والتقني: ثمة دوماً اشتباكٌ بين الشأن الخاص والعام.

قلت سابقاً إنَّ صحَّة والدة لي المعتلَّة جعلت من حياتها في أميركا سلسلة زيارات للمستشفى، وقد شجَّعها هذا للبدء في تطوير أنظمة حاسوبية خاصة بالعناية الصحية الجماعية. شكَّلت لي، بمعية زملاء لها من الكلية الطبية الخاصة بجامعة ستانفورد، نظاماً حاسوبياً سمُّوه «Ambient Intelligence» قصدوا منه مساعدة الأطباء ومزوِّدي العناية الطبية في مهامهم اليومية. تصف الدكتورة لي هذا المشروع بأنَّه أكثر المشروعات تطلباً بين المشروعات التي عمل مختبرها الحاسوبي في جامعة ستانفورد على جعله حقيقة عملية فعالة.

تحكي لي في أحد فصول الكتاب عن عملها في شركة «غوغل». عام 2016 طلبت لي سنة تفرغ جامعية (Sabbatical) من ستانفورد، لتعمل عالمة قائدة لمشروع «غوغل» في الحوسبة السحابية (Google Cloud). كان هذا أول عمل تشرع فيه لي خارج نطاق الأكاديميا، ورأت فيه وسيلتها وفرصتها المتاحة للمساعدة في «دمقرطة» استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإتاحتها لأوسع جمهور ممكن من المستخدمين. كان الذكاء الاصطناعي حتى تلك السنة احتكاراً بحثياً نظرياً في أقسام علم الحاسوب الجامعية؛ لكن حصل عقب عام 2016 ميل عظيم من جانب عمالقة التقنية الرقمية («غوغل» و«مايكروسوفت» بالتحديد) لاستثمار ملايين الدولارات في البحوث وتطوير المنتجات الرقمية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وهو ما شهدنا بوادره في سنوات لاحقة، مثل تطوير محركات البحث التي يديرها الذكاء الاصطناعي. صار الذكاء الاصطناعي منذ ذلك الحين ميزة (Privilege) نوعية، تتسابق لتوظيفها الشركات الكبرى.

مذكّرات لي تستحقُّ أن تلقى مقروئية واسعة لأسباب كثيرة... منها أنها تحكي لنا قصة الكفاح لخلق عالم جديد في بيئة تنافسية شرسة كالبيئة الأميركية

عقب انتهاء عملها في شركة «غوغل» عادت لي إلى قسم علم الحاسوب في جامعة ستانفورد عام 2018، ومنذ ذلك الحين تركَّز عملها على تطوير فكرة الذكاء الاصطناعي المتمركز على البشر (Human-centered AI).

تحكي لي في الفصول الختامية من مذكراتها، التطورات التي حصلت في حقل الذكاء الاصطناعي منذ تأسيسها برنامج «ImageNet» وحتى أيّامنا هذه التي شهدنا فيها التعامل الحاسوبي المباشر مع نماذج اللغة الواسعة (LLM) والذكاء الاصطناعي التكويني (Generative AI).

تنهي لي مذكراتها بالحديث عن توقعاتها لما يمكن أن تثمر عنه جهودها المستقبلية المكتنفة بطموح لا يهدأ، في السعي للإنجاز وتحقيق انعطافات تقنية مهمة.

أظنُّ أنَّ مذكَّرات لي تستحقُّ أن تلقى مقروئية واسعة لأسباب كثيرة، منها أنها تحكي لنا قصة الكفاح لخلق عالم جديد في بيئة تنافسية شرسة كالبيئة الأميركية، ثم إنها تقدِّمُ لمن يسعى لتحقيق انتقالة جدية علمية ومهنية في حياته، خريطة طريق مقترحة لتحقيق النجاح، في واحد من أكثر الحقول التقنية تسارعاً في العالم، وهو حقل الذكاء الاصطناعي الذي سيجعلنا نرى العالم بعيون جديدة كلَّ بضع سنوات، وربما كل بضعة أشهر في زمن قريب من اليوم.

العوالم التي أراها: الفضول والاستكشاف والاكتشاف في فجر الذكاء الاصطناعي

The Worlds I See: Curiosity, Exploration, and Discovery at the Dawn of AI

مؤلفة الكتاب: Fei-Fei Li

الناشر: Flatiron Books

عدد الصفحات: 324

تاريخ النشر: 2023