خطر السماح للأطفال بالوصول لمواقع التواصل

خطر السماح للأطفال بالوصول لمواقع التواصل

الأربعاء - 13 محرم 1444 هـ - 10 أغسطس 2022 مـ رقم العدد [15961]
يوفال ليفين
خدمة «نيويورك تايمز»

كانت الأبوة مفعمة دوماً بالقلق والإحساس بالذنب، لكن الآباء في عصر الوسائط الاجتماعية يواجهون نمطاً حاداً وواضحاً من العجز على نحو متزايد. أبناؤهم تحولوا عن غير قصد إلى مواد تُجرى عليها التجارب المميزة ضمن الأشكال الاجتماعية البشرية، من بناء العادات والعلاقات في بيئة جامحة مصممة في الأغلب لتحقيق أقصى حد ممكن من المشاركة المكثفة في خدمة الجهات المُعلنة.
ليس لأن وسائل التواصل الاجتماعي فاقدة للقيمة التعويضية، وإنما بصورة عامة، لأنها ليست مجالاً ملائماً للأطفال. لو كانت «إنستغرام» و«تيك توك» من الأماكن التقليدية الثابتة في منطقتك السكنية، لما سمحت على الأرجح لأبنائك المراهقين بالذهاب إليهما بمفردهم. ينبغي أن يكون للأبوين نفس الرأي بشأن وجود أطفالهم في هذه المجالات الافتراضية.
قد ينشأ لدينا انطباع غامض بأن ذلك سيكون مستحيلاً، لكنه ليس كذلك. هناك وسيلة معقولة ومشروعة وفعالة تحت التصرف لتمكين الآباء والأمهات من احتواء مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي: يجب رفع الحد الأدنى من السن المطلوبة لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وأن تكون ذات فاعلية حقيقية وصارمة من حيث التنفيذ.
قد يُدهش معظم الأميركيين بوجود شرط السن على الإطلاق. لكن قانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت، المُشرع سنة 1998 يحظر على الشركات الأميركية جمع المعلومات الشخصية من الأطفال دون سن 13 عاماً من دون موافقة الوالدين، أو جمع المعلومات الشخصية بأكثر من حاجتها لتشغيل خدمة تستهدف الأطفال دون سن 13 عاماً. من الناحية العملية، يعني ذلك أنه لا يمكن للأطفال دون سن 13 عاماً امتلاك حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي - لأن نماذج الأعمال على المنصات تستند جميعها إلى مهمة جمع البيانات الشخصية. ومن الناحية التقنية، تتطلب شركات التواصل الاجتماعي الكبرى أن يكون عمر المستخدمين أكبر من 12 عاماً إجمالاً.
غير أنه دائماً ما تُغفل هذه القاعدة بشكل روتيني؛ إذ يستخدم نحو 40 في المائة من الأطفال الأميركيين - الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و12 سنة - مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، استناداً إلى استطلاع حديث أجرته مؤسسة «كومون سينس ميديا». فالمنصات عموماً تطالب المستخدمين بإفادة الشهادة الذاتية بأنهم كبار بالقدر الكافي من العمر، وليس لديهم الحافز لجعل الكذب أمراً صعباً. بل على العكس، كما أوضحت مذكرة داخلية على فيسبوك سُربت سنة 2020 إلى صحيفة وول ستريت جورنال، فإن عملاق التواصل الاجتماعي يتوق بصفة خاصة لاجتذاب «المراهقين»، الذين يعتبرهم «جمهوراً قيماً غير مُستغل».
شكل تقدير المخاطر المتضمنة تحدياً واضحاً للباحثين، وهناك بالتأكيد من يقولون إن المخاطر مُبالغ فيها. لكن هناك أدلة تشير إلى أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يفرض أضراراً جسيمة على المراهقين والأطفال الأكبر سناً. وتقترح البحوث الخاصة بشركات المنصات الاجتماعية نفس الأمر. وتشير الوثائق الداخلية لفيسبوك - المعروفة راهناً باسم «ميتا» - بشأن استخدام المراهقين لمنصة إنستغرام إلى مخاوف حقيقية. ذكر الباحثون في إحدى الشرائح المسربة: «نحن نزيد من مشاكل صورة الجسد لواحدة من كل ثلاث فتيات مراهقات». كما أشارت الوثائق أيضاً إلى الروابط المحتملة بين الاستخدام المنتظم لوسائل التواصل الاجتماعي وبين الاكتئاب، وإيذاء النفس، وحتى الانتحار إلى درجة ما.
ارتبطت منصة تيك توك بالغة الشهرة بين المراهقين والصغار - جنباً إلى جنب مع وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى - بمشاكل صورة الجسد أيضاً، وإلى مشاكل أخرى تتراوح من خلل العضلات إلى ما يشبه «متلازمة توريت»، والاستغلال الجنسي، والمشاهد المميتة المثيرة والمتنوعة. كما أن المشاكل القديمة مثل التنمر (التهجم)، والمضايقة، والتآمر، غالباً ما تتضخم وتتفاقم بفعل وجود المنصات في الحياة الاجتماعية للأطفال.
تُفيد وسائل التواصل الاجتماعي الشباب أيضاً. إذ يُمكنهم إيجاد التواصل والدعم، واكتشاف الأشياء، وصقل فضولهم. وفي معرض الرد على تقارير نقدية حول أبحاثه، ذكر «فيسبوك» أنه خلص وفقاً لبعض المقاييس، بأن «إنستغرام» يُساعد «مراهقين كثيرين يعانون من بعض أصعب المشاكل التي يمرون بها».
من شأن القيود المفروضة على الوصول للمنصات أن تكبد تكاليف حقيقية. لكن على حد تعبير جوناثان هايدت من جامعة نيويورك: «فإن رجحان الأدلة المتاحة الآن مُقلق إلى الحد الذي يُبرر التحرك». يُقدر بعض المراهقين من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي المشكلة أيضاً. وكما عبرت عن ذلك إحدى شرائح «ميتا» المسربة: «يدرك الشباب بشدة أن (إنستغرام) يمكن أن تكون مؤذية لصحتهم العقلية، ومع ذلك يضطرون إلى قضاء بعض الوقت على التطبيق خوفاً من فوات الاتجاهات الثقافية والاجتماعية».
لا بد لذلك التوازن من الضغوط أن يتغير. وكما لاحظت الصحافية والمؤرخة كريستين روزن، فإن الوعظ بشأن «التثقيف الإعلامي» مع مراقبة الوقت على الشاشات لن يكون كافياً.
بوسع صناع القرار السياسي المساعدة. من خلال رفع الحد الأدنى للسن بقانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت من 13 إلى 18 سنة (مع وجود خيار يتيح للوالدين الموافقة بشكل يمكن التحقق منه على إعفاء لأطفالهم وفقاً لما يسمح به القانون فعلاً)، ومن خلال النص على التحقق الفعال من السن، وفرض عقوبات ذات مغزى على المنصات، يمكن للكونغرس أن يوفر للآباء أداة قوية لمقاومة الضغط لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
يمكن التحقق من السن بشكل موثوق به. على سبيل المثال، كما اقترح المحلل السياسي كريس غريسوولد، فإن إدارة الضمان الاجتماعي (التي تعرف كم تبلغ من العمر على وجه التحديد): «من الممكن أن تقدم خدمة يستطيع المواطن من خلالها كتابة رقم الضمان الاجتماعي الخاص به في موقع فيدرالي آمن على شبكة الإنترنت والحصول على رمز مؤقت مجهول المصدر عن طريق البريد الإلكتروني أو الرسائل النصية، «مثل أساليب المصادقة المزدوجة المستخدمة لدى البنوك وتجار التجزئة. وبهذا الرمز، تستطيع المنصات تأكيد عمرك من دون الحصول على أي معلومات شخصية أخرى عنك».
سوف يجد بعض المراهقين سبلاً للغش، فيكون شرط السن غير ذي صفة على الهامش. لكن سحب المنصات هو عمل مؤثرات الشبكة - الجميع يريد أن يبقى أونلاين، لأن جميع الآخرين موجودون أونلاين. ومتطلب السن يجب فقط أن يكون فعالاً بشكل معقول حتى يكون مؤثراً وفعالاً - كلما استقر متطلب السن، سيكون من غير الصحيح أيضاً أن الجميع بأسرهم أونلاين في نفس التوقيت.
من شأن التحقق من السن الحقيقية أيضاً أن يتيح زيادة فاعلية تقييد الوصول إلى المواد الإباحية على الإنترنت - وهي آفة واسعة تجرد البشر من إنسانيتهم تلك التي قرر مجتمعنا على نحو يتعذر تفسيره التظاهر بأنه لا يستطيع فعل شيء حيالها. وهنا أيضاً لا تنطبق المخاوف بشأن حرية التعبير، أياً كانت مزاياها، على الأطفال.
قد يبدو من الغريب مواجهة تحدي استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي من خلال حماية الخصوصية على الإنترنت، لكن هذا المسار يقدم في الواقع بعض المزايا المتميزة. قانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت موجود بالفعل كآلية قانونية. كما أن هذا الإطار يسمح للوالدين بمشاركة أطفالهم إذا ما تخيروا ذلك. قد تكون عملية صعبة، لكن الآباء الذين يشعرون بقوة بأنه يجب لأطفالهم الوجود على مواقع التواصل الاجتماعي، يمكنهم السماح بذلك.
من شأن هذا النهج أن يواجه مشكلة أساسية في منصات وسائل التواصل الاجتماعي. ويعتبر نموذج أعمالهم — الذي تمثل فيه المعلومات الشخصية واهتمامات المستخدمين جوهر المنتج الذي تبيعه الشركات للجهات المُعلنة - مفتاح تصميم المنصات بطرق تشجع على الإدمان، والعدوان، والترهيب، والمؤامرات وغيرها من السلوكيات المعادية للمجتمع. إذا أرادت الشركات إنشاء نسخة من وسائل التواصل الاجتماعي موجهة للأطفال، سوف يحتاجون لتصميم منصات لا تجني الأرباح من بيانات المستخدمين والمشاركة بهذه الطريقة - وبالتالي لا تشرك تلك الحوافز - وتترك للآباء حرية النظر في أمورهم.
تمكين الآباء هو مفتاح هذا النهج. كان من الخطأ السماح للأطفال والمراهقين بالدخول إلى المنصات في المقام الأول. لكننا لسنا عاجزين عن تصحيح هذا الخطأ.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو