«4 آب»: العدالة آتية!

«4 آب»: العدالة آتية!

الخميس - 7 محرم 1444 هـ - 04 أغسطس 2022 مـ رقم العدد [15955]
حنا صالح
كاتب لبناني

اليوم «4 أغسطس (آب)» ذكرى مرور عامين على التفجير الهيولي الذي دمّر المرفأ، وقلب بيروت وخلّف إبادة جماعية. ما من مسؤول طلب السماح أو اعتذر من الناس ولم يحاسَب أحد، وكلهم على كراسيهم، متكئين على تغول الدويلة وسلاحها. وفي ذاكرة المواطنين أنهم تُركوا لمصيرهم في ذلك المساء المشؤوم. ضحايا في المرفأ ومحيطه وفي الطرقات والبيوت، وجرحى ينزفون ودمار في كل مكان، وبيروت لم تعد بيروت. لكن من تحت الغبار والرماد خرج شبان وشابات، اندفعوا من كل جهات لبنان، للملمة جراح العاصمة وأهلها.
وفي الذاكرة كذلك مسارعة منظومة «النيترات» إلى تقاذف المسؤولية. وفي ذاكرة المواطنين أن رئيس الجمهورية الذي «كان يعلم»، ماذا في العنبر «رقم 12»، تذرّع بأنْ لا صلاحيات عنده للتصرف، لكنه وعد اللبنانيين بأن التحقيقات انطلقت على الفور وستعلَن الحقيقة بعد 5 أيام! وللإنصاف لم تكن هناك أي إشارة متى ستبدأ الأيام الخمسة، وقد انقضى على الوعد 730 يوماً حتى تاريخه! إلاّ إذا كان «الوفاء بالوعد» يكمن في «التحقيق الأولي» الذي رسا على اعتبار «أبو عدس» تفجير المرفأ هو «الإهمال» وعملية «تلحيم»!
سعت السلطة إلى استيعاب الغضب العارم، بإحالة الجريمة إلى المجلس العدلي، وكانت واثقة من أن رياح التحقيق لن تحبط أشرعتها، لاطمئنانها إلى ما زرعته في القضاء الممنوع أن يكون سلطة مستقلة. لكن الإجراءات القضائية التي اتخذها المحقق العدلي طارق البيطار أرعبتهم، فتنبهوا متأخرين إلى قوله يوم تسلم المهمة: «لن يوقفني شيء... لن أترك التحقيق ينحرف». لذا توحدوا بقيادة «حزب الله» في استهداف شخص القاضي واتهامه بـ«الاستنسابية»، وادّعاء المرجعية في القانون، وتحصنوا وراء «الحصانات» و«قانون الإفلات من العقاب»، وقرروا طمس معالم الجريمة، واستنباط ما يمكن أن يغطي الهروب من العدالة!
في السياق سعوا إلى هدم الشاهد الصامت على تفجير المرفأ؛ الإهراءات التي استوعبت قوة العصف التفجيري وحمت قلب بيروت الغربي. ويقتضي الإقرار بأنهم حققوا نجاحاً، فمساء يوم 31 يوليو (تموز)، نجح الإهمال والتواطؤ في تهديم أجزاء من الإهراءات (صومعتان للجهة الشمالية) بعدما تُركت النار مشتعلة عدة أسابيع في أطنان من القمح المخمَّرة، يبدو أنها كانت كافية لتفتيت الإسمنت وليّ الحديد! ورهانهم أن الخلاص من الشاهد يمحي ذاكرة اللبنانيين الذين تحاصرهم تروما ذلك الحدث المروع!
قبل تركيز الحملة لإزالة الإهراءات، نجحوا في تعطيل التحقيق بشكلٍ كامل من نحو 8 أشهر. اعتمدوا دعاوى «الرد» و«كف اليد» ومخاصمة الدولة»، إثر الخطوات الشجاعة التي أقدم عليها قاضي التحقيق، الذي عندما تأكدت لديه معطيات اسمية بمن تسلم تقريراً خطياً، يبرز المخاطر على العاصمة، التي قد تزول، وامتنع عن تحمل مسؤوليته في حماية أرواح المواطنين، ادّعى على السلطة السياسية والأمنية بأشخاص رئيس الحكومة حسان دياب، والوزراء: نهاد المشنوق، وعلي حسن خليل، وغازي زعيتر، ويوسف فنيانوس، إلى اللواءين طوني صليبا، وعباس إبراهيم، وترك الادعاء مفتوحاً لاستدعاءاتٍ تحددها أقوال المدعى عليهم.
هي المرة الأولى في تاريخ القضاء اللبناني، الذي قيّد كل الجرائم الكبرى ضد مجهول، لم يُطلب الاستماع إلى هذه الشخصيات كشهود، بل تم الادعاء عليهم بجناية «القصد الاحتمالي» بالقتل، وجنحة الإهمال. و«القصد الاحتمالي» عالجته المادة 189 من قانون العقوبات، عندما قالت إنه على المسؤول المعنيّ توقع جريمة قد تنشأ عن هذا الفعل، فقبِلَ بالمخاطرة وتعامى عنها، وأغفل مسؤوليته مما أدى إلى النتيجة الجرمية. ففي ذلك قتل «قصديّ»، أدى إلى سقوط 230 ضحية وأكثر من 6 آلاف جريح. والسؤال المضمَر الذي راح يقلق الجميع: ما السلطة العليا التي دفعت المسؤولين من سياسيين وأمنيين إلى التعامي وقبول المخاطرة؟ وهل صحيح أنه سُرّب للبعض أن هذه الشحنة هي لزوم براميل الموت لقتل السوريين، فتعاملوا مع الأمر كأن السوريين شعب زائد (...) وفوجئوا بأن الكمية المتبقية تفجرت باللبنانيين، ولولا مبنى الإهراءات لكان القتل مضاعفاً، فانفجر غضبهم على القاضي البيطار ومبنى الإهراءات الشاهد على الجريمة؟!
لقد هالهم أن يأتي زمن ويتجرأ قاضٍ على من وضعوا أنفسهم فوق القانون. عجزوا عن إيجاد خطأ أو ثغرة فنسبوا إليه الكثير، وروجوا حكايات وفبركوا اتصالات. وتجاهل البيطار تحدي «القبع»، ليكتفي بكلمة واحدة رداً على تهديد وفيق صفا المسؤول الأمني في «حزب الله» فقال: «بيمون». فانتقل نصر الله شخصياً إلى المطالبة بـ«قبع» البيطار بواسطة مجلس القضاء أو مجلس الوزراء. وحوّل الحكومة إلى جثة ممنوع أن تجتمع كمجلس وزراء وممنوع دفنها، حتى تنفّذ إرادة «حامل الأختام»! وأخذ «حزب الله» البلد إلى تصعيد خطير، مع محاكاة حرب أهلية في جريمة الطيونة يوم 14 نوفمبر (تشرين الثاني)، فتعطلت الحكومة 3 أشهر كاملة، لتتم مقايضة العودة إلى الجلسات بتعطيل نهائي للتحقيق العدلي! فدفع الناس الثمن ولم تتحقق الأهداف!
كبير وعميق الانقسام حول قضية العدالة للضحايا ولبيروت والانتهاء من زمن الإفلات من العقاب. فالنجاح فيها يفتح الباب على مصراعيه لبدء المساءلة والمحاسبة في الجرائم المالية وجرائم إذلال اللبنانيين، واستعادة دور القضاء في معركة استعادة الدولة المخطوفة. لذلك لا رادع لهذه السلطة عن كل الكبائر، فمضت، عبر المجلس النيابي، في مخطط تعيين أعضاء «المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء»، وهو المجلس الوهمي الذي توج قانون «العفو عن جرائم الحرب»، فضربت عرض الحائط بمشاعر المواطنين، الذين أدركوا حجم الإهانة، عندما آثرت أكثرية عددية نيابية تأمين الحماية والتغطية للمدعى عليهم بجناية تفجير المرفأ والعاصمة.
عندما تسلم القاضي البيطار قضية المرفأ قال: «إن العدالة في مثل هذا الملف لا يمكن أن تتم إلاّ مع إدانة السلطة السياسية وكبار المسؤولين الأمنيين». المسار اللاحق للتحقيق أثبت ما تقدم. ومع الانتخابات ونجاح «ثورة تشرين» في إيصال تكتلٍ من 13 نائباً، أكدت الثورة حرصها على التغيير من خلال المؤسسات، لكن ما حصل ليس كل التغيير. الناس الذين كانوا على الموعد يوم «17 تشرين»، جددوا التزامهم وعد التغيير في 15 مايو (أيار)، عندما اقترع مئات الألوف للوائح الثورة، معلنين الاستعداد والجهوزية للذهاب أبعد من ذلك. طريق واحد ليكون التغيير ممكناً، وحتى لا يتأخر أكثر زمن العدالة: استعادة الشارع إلى التأثير السياسي فيرتقي عمل نواب الثورة، ويتبلور التكامل بين ما يجري برلمانياً وفي الساحات لتتظهر «الكتلة التاريخية»، أحزاب جديدة وحيثيات مدينية ومناطقية تفرز البديل السياسي، فيصبح ممكناً كسر منحى «الإفلات من العقاب»، فتتأمن العدالة ويُرد الابتزاز، ويُرفض الارتهان، وتبدأ المساءلة الشفافة، ما سيعكس قوة الأثر الذي أوجدته الثورة وحجم بقعة الضوء الآخذة في الانتشار، فيستعيد نهر الناس الدولة المخطوفة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو