ترددت الأنباء عن أن الولايات المتحدة تتفاوض مع روسيا لمبادلة أميركيين معتقلين في سجون روسية مقابل تاجر سلاح سيئ السمعة يقضي فترة عقوبة بالسجن في أميركا. الصفقة المذكورة غيرة متوازنة تماماً: المواطنان الأميركيان - بريتني غرينر نجمة كرة السلة، وبول ويلان المسؤول التنفيذي بإحدى الشركات الأمنية - ليسا مجرمين، ولا يقارنان ولو من بعيد بالمجرم فيكتور بوت، تاجر السلاح سيئ السمعة الذي كان يُعرف ذات يوم باسم «تاجر الموت».
لكن إن كانت هذه هي الطريقة لإخراج المواطنين الأميركيين من السجن الروسي، فلا بد منها. والتحذير الوحيد، وربما العاجل، يتلخص في ضم مارك فوغل إلى الصفقة، وهو مدرس أميركي حُكم عليه بالسجن لمدة 14 عاماً بتهمة جلب مخدر الماريغوانا إلى روسيا؛ إذ إن مخالفته مماثلة لتلك المتهمة بها غرينر (31 عاماً)، التي احتجزت في فبراير (شباط) مع عبوتين من زيت الحشيش في أمتعتها، وكان فوغل (61 عاماً) يحمل 14 عبوة من الماريغوانا وبعض بذور القنب.
ويقول كلاهما إنهما بحاجة إلى القنب للتعامل مع الإصابات والألم. ولكن لأسباب لم توضحها وزارة الخارجية الأميركية، صنفت حكومة الولايات المتحدة غرينر وويلان بأنهما «معتقلان على نحو غير مشروع»، ولكن ليس فوغل. ولم يأتِ وزير الخارجية أنتوني بلينكن على ذكر السجين الأميركي الثالث خلال مؤتمر صحافي، عُقد مؤخراً، مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، صرح فيه باعتزامه طرح مسألة مبادلة غرينر وويلان.
كان فوغل مدرساً معروفاً في المدرسة الأنغلو - أميركية في موسكو (وليس موظفاً في السفارة الأميركية، بحسب صحيفة «واشنطن بوست»، أو كما وصفته بعض التقارير الإخبارية)، وكان قد خضع لعمليات جراحية في ظهره وكتفه، علاوة على جراحة لاستبدال الركبة، وكان يتناول الماريغوانا الطبية للتخلص من الألم. وشهدت غرينر، نجمة الاتحاد الوطني الأميركي لكرة السلة النسائية، أنها استعملت الماريغوانا بناء على نصيحة الطبيب.
أُلقي القبض على غرينر وفوغل بتهم تتعلق بحيازة الماريغوانا التي عُثر عليها في أمتعتهما الشخصية حال وصولهما إلى مطار موسكو، وأقر كلاهما بأنهما مذنبان. ثم اعتقل ويلان، الجندي السابق في مشاة البحرية الأميركية، وكان يعمل مديراً للأمن العالمي والتحقيقات في شركة «بورغ وارنر»، وزار روسيا عدة مرات، ثم أُلقي القبض عليه سنة 2018 وحُكم عليه بالسجن 16 عاماً بتهمة التجسس. وهو ينكر التهمة تماماً.
غير أن القضية ليست ما إذا كان السجناء الأميركيون الثلاثة مذنبين. كما لا ينبغي للجهود الرامية إلى تحرير الأميركيين المحتجزين في دول مثل روسيا أن تستند إلى شهرتهم أو الدعاية الناجمة عن اعتقالهم. النظام القضائي الروسي - كما هو الحال في الصين، وإيران، وبلدان أخرى أبرمت معها الولايات المتحدة اتفاقيات تبادل الأسرى - معروف بمواقفه السياسية، وأي مواطن أميركي مسجون في تلك البلدان، مذنب أو غير مذنب، يُحتمل أن يُحتجز لغايات دعائية أو كرهينة تُجرى مبادلته مقابل السجناء الروس.
مثل هذه المبادلات ليست جديدة، لذا فإن السابقة ليست مشكلة. ففي مبادلة شهيرة قبل 60 عاماً، عاد الجاسوس السوفياتي رودولف أبيل إلى بلاده مقابل عودة الطيار الأميركي غاري باورز، الذي أسقطت طائرة التجسس (يو - 2) التي كان يستقلها، إلى الولايات المتحدة. ومن بين أشهر المبادلات التي أعقبت ذلك، كانت مبادلة المنشق اليهودي ناثان شارانسكي لقاء المواطن التشيكي الذي قُبض عليه بتهمة التجسس لصالح الاتحاد السوفياتي.
في سبتمبر (أيلول) 1986، عندما كنت مراسلاً في الاتحاد السوفياتي، ألصق معارض روسي وهمي تهمة زائفة بحق صديقي وزميلي نيكولاس دانيلوف، الذي كان مراسلاً لمؤسسة «يو إس نيوز أند وورلد ريبورت»، واعتقل بتهمة التجسس. ولم يكن من قبيل المصادفة إلقاء القبض قبل ثلاثة أيام على موظف سوفياتي من رجال البعثة السوفياتية لدى الأمم المتحدة بتهمة التجسس. وسرعان ما جرت مبادلة الاثنين، وفي مؤتمر صحافي حول الإفراج عنه، صرّح دانيلوف بأن جهاز الاستخبارات السوفياتي السابق «كيه جي بي» كان على استعداد دائم لاعتقال شخص ما لمثل هذه المبادلات. وقال: «كان بإمكانهم اختيار سيرج شميمان لذلك». وفي واقع الأمر، حاول المعارض الوهمي الاتصال بي أيضاً.
في الآونة الأخيرة، جرت في أبريل (نيسان) الماضي مبادلة طيار روسي مُدان بتهريب المخدرات مقابل تريفور ريد، الجندي السابق في البحرية الأميركية الذي كان محتجزاً في روسيا لمدة سنتين بسبب ما وصفته عائلته بأنها «اتهامات وهمية» بالاعتداء.
نادراً ما تكون المبادلات متساوية؛ إذ كانت سمعة فيكتور بوت، تاجر السلاح الروسي المطروح اسمه كثمن لقاء الإفراج عن الرعايا الأميركيين، سيئة للغاية خلال سنوات الفوضى التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي، وذلك بحسب المدعين العامين الأميركيين، والجماعات المسلحة، والإرهابيين. كان قد قُبض عليه في تايلاند سنة 2008، وسُلّم إلى الولايات المتحدة بعد ذلك بعامين، ووجهت إليه تهمة جلب الأسلحة إلى المتمردين الكولومبيين لاستخدامها ضد رعايا وضباط أميركيين، من بين تُهم أخرى، وحُكم عليه بالسجن 25 عاماً في أحد سجون ولاية إلينوي.
سيكون من المؤلم للمدعين العامين وأولئك الذين عانوا من العنف الذي تربح منه فيكتور بوت أن يُطلق سراحه مقابل أشخاص لم يكن ينبغي سجنهم على الإطلاق. وفوغل، إذا قضى مدة عقوبته كاملة في روسيا، قد يموت في السجن جراء ذلك.
ربما تُشجع الولايات المتحدة - بموافقتها على مبادلة السجناء - البلدان ذات الأنظمة المستبدة على احتجاز المزيد من الرهائن. لكن الأهم من ذلك أن يعلم المواطنون الأميركيون أنهم إذا كانوا مسجونين في بلد يعمل بنظام قانوني مشكوك فيه، فإن الحكومة الأميركية ستبذل كل ما في وسعها لإعادتهم. لا بد لعبارة «أنا مواطن أميركي» أن تحمل مقتضيات الإيمان الكامل والوعد الراسخ من الحكومة الأميركية، بصرف النظر عن مكان التلفظ بهذه العبارة حول العالم. ويصدق ذلك على فوغل، كما ينسحب تماماً على غرينر أو ويلان.
* خدمة «نيويورك تايمز»
