عقوبات النفط الروسي أحدثت اضطراباً في العالم على عكس حظر الذهب

عقوبات النفط الروسي أحدثت اضطراباً في العالم على عكس حظر الذهب

الأربعاء - 29 ذو القعدة 1443 هـ - 29 يونيو 2022 مـ رقم العدد [15919]

أحدثت العقوبات المفروضة على روسيا خلال الشهر الماضي اضطرابات شديدة في سوق النفط، الذي يعد أكبر تجارة للسلع في العالم، ويقترح قادة مجموعة الدول السبع الكبرى حالياً تكرار الأمر في ثاني أكبر مجال تجارة على مستوى العالم وهو الذهب. لا ينبغي أن يتوقع المرء التأثير نفسه؛ فخلال الفترة الفاصلة بين مقترح أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، للمرة الأولى بفرض عقوبات على النفط الخام في بداية مايو (أيار)، وبين الحزمة الفعلية التي تم تطبيقها بعد ذلك بشهر، ارتفعت أسعار خام برنت بنحو 14 في المائة، إضافة إلى الزيادة التي بلغ قدرها 8.4 في المائة منذ بدء اجتياح أوكرانيا في فبراير (شباط) الماضي.
كان ذلك العام أكثر هدوءاً بالنسبة إلى الذهب، حيث تراجعت أسعار الذهب بنسبة 3.9 في المائة منذ اقتحام القوات الروسية للحدود الأوكرانية. ورغم ترتيب موسكو كثالث أكبر منتج للمعدن الأصفر، فمن غير المرجح أن يكون لعمليات الحظر على الاستيراد، التي من المقرر أن يتم الإعلان عنها خلال اجتماع الدول السبع الكبرى في ألمانيا، تحقيق ذلك الإنهاك المنشود، ومن أسباب ذلك نطاق السوق. تسهم روسيا خلال عام اعتيادي بنحو 12 في المائة من صادرات العالم من الخام، بمعنى أنه يتم استخدام كل برميل يخرج إلى السطح خلال العام، ما يعوق التحركات خلال 90 يوماً تقريباً من الاحتياطي الذي تحتفظ به الدول المستوردة لذلك المصدر الرئيسي من الطاقة.
على الجانب الآخر من الأسهل تخزين الذهب، بسبب سعره وكثافته، حيث يمكن للمرء وضع سبيكة تكفي لشراء مليون برميل، وهو سعة لناقلة نفط اعتيادية، على طاولة ذات ستة مقاعد. نتيجة ذلك، المخزون هائل، إضافة إلى أن عمليات التعدين تنتج نحو 3.500 طن متري سنوياً تقريباً تزيد المخزون الذي يبلغ حجمه 205 آلاف طن. عادة ما يكون نحو ربع استهلاك الذهب خلال عام ناتجاً عن بيع أو صهر الحلي والعملات المعدنية والسبائك والمعادن الصناعية، وتزداد تلك الأرقام الخاصة بإعادة التدوير حين يؤدي النقص في واردات المناجم إلى زيادة الضغط على السعر.
بالتأكيد تعد روسيا طرفاً فاعلاً رئيسياً في هذا المجال، فإنتاجها البالغ 300 طن يأتي بعد الصين وأستراليا فقط، ويمثل إنتاجها 10 في المائة من إجمالي الإنتاج العالمي من الذهب الخام. مع ذلك لن يؤثر الإنتاج على التجارة العالمية، بل الصادرات من صافي المعدن هو ما يؤثر، وعلى هذا الأساس تعد روسيا سمكة صغيرة، حيث بلغ الفائض التراكمي لديها من تجارة الذهب خلال العشر سنوات الماضية 60.38 مليار دولار، وهو مبلغ أقل من القيمة التي راكمتها اليابان والبالغة 60.65 مليار دولار من إشراك الغير في ممتلكاتها الخاصة والحكومية من الذهب، حيث لدى الدولة منجم ذهب واحد نشط، ومن غير المرجح أن يمثل إسهاماً كبيراً في هذا الرقم. بالمثل تعد هونغ كونغ مصدراً صافياً للذهب، أكبر من المنتج الأكبر للذهب وهو الصين، بفضل دورها كقناة لرأس المال الأجنبي المتصلة ببر الصين الرئيسي.
الطلب المحلي في الاقتصاد الروسي، الذي يزداد توجهه نحو الداخل، كافٍ بدرجة كبيرة لاستهلاك كل ما تنتجه مناجم البلاد. وكانت صادرات المعدنين تحت حظر فعلي حتى عام 2020 ما يعني أن المصارف الروسية كانت هي الكيانات الوحيدة القادرة على بيع سبائك الذهب في الخارج. كذلك كان يتم الاحتفاظ بالجزء الأكبر مما كان يتم إنتاجه داخل المصرف المركزي الروسي، الذي ازداد الاحتياطي لديه بمقدار أكبر من الضعف، حيث ارتفع من 1.035 طن عشية ضم إقليم القرم عام 2014 إلى 2.302 طن في الوقت الحالي، استباقاً لعزل البلاد المتوقع عن الأسواق المالية الدولية.
من المؤكد أن لواردات المناجم الروسية وجوداً جديداً قوياً في السوق العالمية منذ رفع الحظر على التصدير منذ عامين. حتى في ظل هذا الوضع، لا تتأثر سوق الذهب، الذي يعد سلعة فريدة بين السلع، فعلياً بتدفقات المعدن المنقى المعالج حديثاً من الذهب الخام، بل بالخلفية الأكثر شمولاً للاقتصاد الكلي الشامل. وفي الوقت الذي من المحتمل فيه أن يتراجع حجم الذهب الروسي في المستقبل، تعد تكلفة فرصة شراء معدن بلا عائدات أكبر كثيراً في وقت ترتفع فيه أسعار السلع الاستهلاكية بنسبة 8.6 في المائة سنوياً في الولايات المتحدة، وتتجه أسعار الفائدة نحو تسجيل أعلى مستوياتها منذ عام 2008 عادة ما تغير صناديق المؤشرات المتداولة تموضعها في سوق الذهب خلال العام بنحو 500 طن تقريباً، ما يؤدي إلى زيادة أو انخفاض الأسعار مع تأرجح شهية المستثمرين بين التفاؤل والتشاؤم. سيكون ذلك أكثر تأثيراً مما إذا كان سينتهي بالـ300 طن، التي تنتجها المناجم الروسية، إلى خزينة الدول السبع الكبرى أم لا، خصوصاً عند الوضع في الاعتبار عدم اشتراك أكبر دول مستوردة للذهب في العقوبات.
بالكاد لاحظ العالم خروج ذهب روسي إلى الأسواق العالمية منذ عامين، ولم يشهد أي اضطراب حين تم منعه من دخول سوق لندن للذهب في أعقاب اجتياح أوكرانيا. لذا لن نلاحظ عدم وجوده إذا ما حدث ذلك.


* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو