عماد الأرنب ركب «قوارب الموت» إلى لندن ... وحقق حلمه

ترك دمشق وذاكرته تحمل وصفات أمه التي يطبقها اليوم في «مطبخ عماد السوري»

الشيف السوري عماد الأرنب  -  طبق المحمرة والقرنبيط من أشهر الأطباق على لائحة الطعام  -  مجموعة من أطباق الشيف عماد المميزة
الشيف السوري عماد الأرنب - طبق المحمرة والقرنبيط من أشهر الأطباق على لائحة الطعام - مجموعة من أطباق الشيف عماد المميزة
TT

عماد الأرنب ركب «قوارب الموت» إلى لندن ... وحقق حلمه

الشيف السوري عماد الأرنب  -  طبق المحمرة والقرنبيط من أشهر الأطباق على لائحة الطعام  -  مجموعة من أطباق الشيف عماد المميزة
الشيف السوري عماد الأرنب - طبق المحمرة والقرنبيط من أشهر الأطباق على لائحة الطعام - مجموعة من أطباق الشيف عماد المميزة

عماد الأرنب طاهٍ سوري هرب من الحرب في بلده سوريا بعدما دمر القصف مطاعمه ولم يعد أمامه أي أمل غير الرحيل وبدء رحلة الخوف والمجهول من لبنان وصولاً إلى مخيم «كاليه»، وكان حلمه الوصول إلى لندن، تحدى الموت أكثر من مرة وهو وفي القارب الذي تقاذفته أمواج الخوف، ولكنه لم يفقد الأمل.
انتظر في مخيم اللاجئين في فرنسا 65 يوماً يصفها بالأيام السوداء التي تتشابه بلونها الداكن ومرارتها، مرارة الغربة والمصير والمجهول ووجع العيش في السراب بعيداً عن عائلته المؤلفة من زوجته وبناته الثلاث.
خلال أيام الانتظار وتقرير المصير أراد أن يكون لاجئاً مفيداً، فبدأ بطهي الطعام البسيط للاجئين أمثاله الذين ينتظرون مصيرهم مثله تماماً، لم يملك إلا وعاءً واحداً وملعقة وسكيناً، ولكنه كان يملك في جعبته المخفية وصفات أمه السورية التقليدية والبسيطة، الذي حلم في الوقت الذي لم يكن لديه الحق بالحلم وهو يعيش أسير القرار والوجهة التي سينتهي به المطاف ليحط رحاله الأخيرة فيها، حلمه كان الوصول إلى لندن وفتح «مطبخ» يطبق فيه وصفات والدته.
وأخيراً تحقق الحلم ووصل إلى لندن عاصمة الأمل عام 2015، عمل في مجالات كثيرة عدة، من بينها بيع السيارات، ولكنه لم يتخل عن شغفه في الطهي حتى بدأ بالتعاون مع مؤسّسات خيريّة تدعم اللاجئين عام 2017، مثل مشروع «الجيل الجديد» التابع لـ«يونيسيف»، وجمعية «اختر الحب» لمساعدة اللاجئين في المملكة المتحدة. وبموجب هذا التعاون، أُطلقت سلسلة مطاعم مؤقتة، ونوادي عشاء، بالإضافة إلى أكشاك لبيع الفلافل.
ذاع صيته في العاصمة البريطانية ونفدت تذاكر نوادي العشاء بسرعة غير مسبوقة، وتجمهر الناس أمام أكشاك الفلافل التي يقوم بتحضيرها بعدما أصبحت نكهتها على كل لسان.
مهارته في الطهي جعلت شهرته تسبقه، فاستضافته أهم برامج الطهي التي تذاع على القناة البريطانية الرسمية، عرّف العالم من خلال إطلالاته الإعلامية على المطبخ السوري الذي أراد الاحتفال به من خلال افتتاح «مطبخ» وليس «مطعماً» ليحيي فيه ذكرى والدته التي توفيت مباشرة بعد وصوله إلى بر الأمان في المملكة المتحدة.

ديكور المطعم بسيط ويذكرك بمقاهي سوريا

سمعت الكثير عن هذا الطاهي «اللاجئ» فهذه الصفة كانت ولا تزال ملاصقة له، افتتح مطعمه الذي أطلق عليه اسم «مطبخ عماد السوري »Imad’s Syrian Kitchen في شارع «كارنابي» في منطقة سوهو في مايو (أيار) عام 2021 متحدياً الجائحة والإغلاق، شدتني قصة نجاحه لزيارته في مطعمه الذي يحلو له تسميته بالمطبخ، استقبلني صوت فيروز الذي كان يصدح بنغماته الهادئة إلى المطعم الواقع في الطابق العلوي من مبنى «كينغلي كورت»، وكان الشيف عماد في الاستقبال وراء الباب الأزرق وبابتسامة عريضة وترحيب شامي حار دخلت إلى واحة تنسيك أنك في لندن، وتأخذك إلى رياض المنازل السورية و«قهوة الزجاج» في بيروت، كراسي بسيطة من الخشب ونوافذ واسعة تتسلل إليها أشعة الشمس اللندنية الخجولة، بلاط بنقشة الأرابيسك الشرقية المميزة وجدران باللون الأبيض تزينها صور عائلية خاصة بالشيف عماد وزوجته وبناته الثلاث.
في مستهل الحديث الذي كان لا بد من التسليط الضوء فيه على مجيئه إلى لندن كلاجئ لفتني رد الشيف عماد بالقول: «اللاجئون ليسوا من كوكب آخر، بل إنهم (أولاد عالم)». وبالفعل ومعه كل الحق بالتنويه بذلك لأن الإعلام في أوروبا عندما يتكلم عن اللاجئين تشعر وكأنهم من مجرة أخرى فننسى أنهم بشر وكانت لهم أوطانهم وحياتهم، ولكن الظروف دفعتهم للهرب بحثاً عن السلم والطمأنينة والسلام.
شغف الأرنب بالطهي واضح وحبه للندن جلي، والسبب - وبحسب قوله - هو اللغة؛ لأنه يرى بأن العيش يسهل في بلد تفهم لغته، وعند وصوله إلى مخيم اللاجئين في كاليه كان يحلم بأن يستطيع العيش والاستقرار في لندن، وليس في ألمانيا بسبب اللغة.
وعن الأيام التي عاشها في كاليه وصفها بأيام صعبة للغاية لأنه كان يستيقظ وحيدا ولم يكن يعرف ما سيخبئه له النهار. صبر وتأمل خيراً إلى أن استطاع الوصول إلى لندن التي يصفها ببيته الآمن بعدما فقد كل شيء في بلده الأم.
حبه واعتزازه بأفراد عائلته الصغيرة واضح من طريقة كلامه، فالبسمة لا تترك معالم وجهه عندما يشير إلى بناته في الصور المعلقة على الجدار وهو يصف ذكاءهن وتفوقهن في المدرسة. ويقول «أهم إنجازاتي في حياتي هي عائلتي واليوم الذي استطعت بأن ألمّ شملنا في لندن بعد طول غياب».
وعندما بدأت الروائح الجميلة تنبعث من المطبخ تحضيراً لوصول الزبائن في تمام منتصف النهار، كان قد حان الوقت للتكلم عن الأطباق التي يقدمها الشيف عماد في مطبخه، فقال، إنه يحب الأكل البسيط والتقليدي، ولائحة الطعام لديه قصيرة قوامها 15 طبقاً فقط تتبدل كل شهر، ولكنها جميعها وصفات أمه التي علّمته الطهي وأشياء كثيرة أخرى. توقف هنا وقال «توفيت أمي بعد وصولي إلى هنا وكأنها كانت تنتظر بأن يطمئن قلبها على ابنها البكر، أمي كانت حياتي ومدرستي التي علمتني كل شيء، من اللغة الإنجليزية التي أتقنتها إلى حب الطهي، والأهم أنها علمتني دروساً في الإنسانية وكيف أكون إنساناً فعالاً في المجتمع».
أطباق عماد مختصرة ومفيدة، ويصفها بأكل البيت؛ لأنه في هذا المكان يشعر وكأنه في بيته في دمشق، فاستخدم مفردات كثيرة مثل اللون الأزرق والشبابيك الخشبية لتذكره دائماً بالمكان الذي جاء منه.
وعن الأكل الشرق أوسطي في لندن، يرى الشيف عماد، أن المطاعم المتوفرة هنا لم تنصف المطبخ اللبناني أو الشرقي بشكل عام؛ لأنها لم تستطع أن تقدم ما يمكنك أن تتناوله في لبنان أو أي بلد عربي آخر يشتهر بمطبخه اللذيذ.ويسعى الأرنب في مطبخه إلى استخدام المنتجات السورية التي يأتي بها من محال في لندن تستوردها من الخارج أو من سوريا مباشرة.
اللافت في قائمة الطعام في «مطبخ عماد السوري» هو عدم وجود الأطباق الشامية التقليدية مثل المشاوي، إنما استعاض عنها بطبق من القرنبيط المشوي مع صلص الطحينة والدجاج بالبرغل، وشدد على لحم الضأن الذي يفضله في الطهي، والصفة المشتركة في الأطباق كلها أنها لذيذة وبسيطة، بالوقت نفسه لا يكثر الشيف من استخدام المنكهات القوية مثل الثوم أو البهارات، ولكن ما يجب تذوقه في مطبخه هو طبق الفلافل الذي لا يشبه سواه، ويقدمه الشيف عماد على شكل دوائر «دونات» مفرغة من الوسط، فهي مقرمشة ولذيذة وقريبة من قلب الطاهي وفأل خير عليه؛ لأنه اشتهر في لندن بسببها، وهي بمثابة مفتاح الخير والبركة بالنسبة له.
ويرى الأرنب، أنّ «العمل مع المؤسسات الخيرية يُشكل إضافة للمهنة، ولا يأخذ من طريقها». وهذه هي قناعته الشخصية التي يؤمن بها؛ ولذا قرر بأن يقدم جنيهاً واحداً من قيمة كل فاتورة تذهب لمساعدة اللاجئين في المؤسسات التي يدعمها والتي دعمت مشواره في لندن.
وعن تحديه فترة الجائحة واختياره أصعب الظروف لافتتاح مطعمه، قال الأرنب، إن الوضع كان ملائماً لأنه خلال تلك الفترة كان من الممكن الحصول على إيجارات منخفضة الأسعار فاقتنص الفرصة وحقق حلمه في مطبخه الصغير الذي ينوي بأن يجعله أكبر لكي يتسنى له تقديم الفطور الشامي التقليدي على أنغام فيروز إلى جانب الغداء والعشاء، فحالياً يستقبل المطعم زبائنه من الساعة 12 ظهراً ولغاية الساعة الثامنة والنصف مساءً، والإقبال على المكان واضح جداً؛ فهو محجوز بالكامل على مدى ساعات الأيام، ويقوم الشيف بنفسه باستقبال جميع الزبائن وغالبيتهم من الغرب، ويقول هنا «أنا ممتن جداً لهذا البلد ولشعبه؛ فالقرارات الحكومية المتعلقة بقانون الهجرة واللاجئين لا تمثل الشعب وإنسانيته». وتابع، أن «زبائنه يأتون إليه بعد قراءتهم عن المكان، وهذا الأمر يميزهم عن الزبائن العرب الذين يزورون مطاعم جديدة بعد سماعهم عنها من الأصدقاء والأقرباء».
عندما تكلمنا عن هوية المنتج الشرقي والأطباق العربية، دافع الأرنب عن هذا الموضوع بشدة لأنه يعتقد بأن الطعام هو بمثابة إرث وطني لا يمكن التلاعب به ولفته في لندن إكثار العديد من الطهاة الأجانب من استخدام الزعتر في وصفات لا تمت للزعتر بصلة، فضحك هنا وقال «لم سمحتم اتركوا الزعتر بحاله أو ضعوه في مكانه الصح، وإلا فاتركوه لنا».
الفلافل برأي الأرنب هي أقدم من بعض المدن ولا يجوز التلاعب بوصفتها على الإطلاق، وتابع بأنه يحاول جاهداً بأن يشعر الزبائن وكأنهم في سوريا وليسوا في لندن من خلال تطبيق الكرم السوري في المطعم تماماً مثلما يقوم به الطهاة وأصحاب المطاعم في بلاد الشام، كما أنه من المهم جداً التركيز على النكهة والنوعية وليس فقط على طريقة التقديم، مشيراً إلى أنه ليس من أنصار المطاعم التي تشدد فقط على شكل الطبق وليس النكهة، وعن النكهة قال، إن القدرة على الحصول عليها بالطريقة نفسها في كل مرة هو سر النجاح.
ولفتنا في المطبخ وجود جنسيات مختلفة، فعلق الأرنب عن الموضوع بالقول إنه يعمل معه في المطبخ نحو 13 شخصاً من جنسيات مختلفة، الغالبية منهم هم بالأصل لاجئون من بلدان مختلفة، منها البيرو، وسوريا، والجزائر، وسريلانكا... وعلق الأرنب هنا «هذا أقل ما يمكن أن أقوم به لأثبت بأن اللاجئ هو إنسان طبيعي يحق له العيش والعمل بسلام مثل باقي البشر».
أكثر البهارات والمنتجات التي يفضّل الشيف عماد استخدامها هي الكمون، والثوم، والنعناع المجفف، وقال، إن المطبخ الشرق أوسطي ليس معقداً، وإنما سمته المميزة هي البساطة، فيكفي أن تخلط زيت زيتون جيد النوعية مع القليل من الشطة لتكون ألذ نوع طعام مع قطعة خبز طازجة؛ فالطعام الجيد هو الذي يعتمد على المنتج الجيد. وبرأي الأرنب، فالمطبخ الشرق أوسطي يعتمد على التقنية وليس على المعدات؛ لأنه يمكن أن تقدم ألذ طبق شرقي إذا توفر لديك المنتج والسكين الحاد.
الحديث مع الشيف عماد الأرنب شيق وبسيط يشبه مطبخه الذي اكتظ بالزبائن أثناء حديثنا الذي أخذنا إلى الرياض السوري والبيوت الشامية الجميلة، ونقلنا إلى أجواء العائلة واللقمة الطيبة، وحب الأم التي كانت مدرسة بالنسبة للشيف عماد، كيف وهي من علمته كل شيء وهي تعيش معه في هذا المكان ويشعر وكأنها ترافقه في مشواره الذي كان محفوفاً بالعذاب والخوف والرعب من شبح الهجرة واللجوء، إلا أن النهاية كانت سعيدة؛ لأن عماد الأرنب هو اليوم من أشهر اللاجئين الذين يقدمون شيئاً بالمقابل للمدينة التي احتضنته والتي فتحت أمامه الفرص وجعلت عائلته سعيدة وتنعم بالأمان والطمأنينة.


مقالات ذات صلة

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

مذاقات المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

لا يزال قطاع المطاعم الفاخرة يحاول التخلص من صورته النمطية، المرتبطة بالرسمية الجامدة المتقشفة. ويبدو الواقع اليوم بعيداً كل البعد عن هذا القالب القديم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

بصفتي صانعة لوصفات الطعام، فإن الغوص في تفاصيل الوصفة، مكوناً تلو الآخر، هو الجزء المفضل لديّ في عملي.

كيلا هوانغ (نيويورك)
مذاقات سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية.

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)

مخبز أميركي يزدهر بفضل جهوده لإحياء التاريخ

كما هو الحال مع غالبية الخبازين، يستيقظ جاستن شيري، صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس»، في تشارلستون بولاية ساوث كارولاينا، في الساعات الأولى من الفجر، ليبدأ عجن...

رامين غانشرام (نيويورك)
مذاقات وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)

وصفات مزيفة وطهاة غير حقيقيين

غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي الطريقة التي نكتشف بها الطعام والوصفات. ففي غضون ثوانٍ من تصفح «إنستغرام» أو «تيك توك» أو «فيسبوك» أو «يوتيوب»،

جوسلين إيليا (لندن)

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
TT

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)

لا يزال قطاع المطاعم الفاخرة يحاول التخلص من صورته النمطية، المرتبطة بالرسمية الجامدة المتقشفة. ويبدو الواقع اليوم بعيداً كل البعد عن هذا القالب القديم. من بانكوك إلى الريف الويلزي، أصبح التحول من الأجواء الرسمية والمقيدة إلى الأجواء التفاعلية والممتعة، أمراً ملموساً بوضوح.

وتعود جذور هذا التحول إلى حركات مثل «بيسترونومي» (الطهي البيستروني)، التي جلبت أساليب الطهي العالمية الراقية والمكونات عالية الجودة، إلى الأجواء غير الرسمية. ونتيجة لذلك، اهتز احتكار المطاعم الراقية لفنون الطهي الاستثنائية، وبدأ النظر إلى هذه المطاعم باعتبارها مفرطة في التكلف.

مأكولات بتصميم رائع (أفضل 50)

من جهته، عبر حسين شهزاد، الشيف المسؤول عن مطعم «بابا» في مومباي، عن اعتقاده بأنه: «لقد نسينا حقاً لماذا يخرج الناس ورواد المطاعم لتناول الطعام في المقام الأول؛ وهي الرغبة في الترفيه، والشعور بالتميز، وأن يلاحظهم الآخرون».

ويتفق غاريث وارد، من مطعم «ينيشير» في ريف ويلز، مع هذا الطرح، مشدداً على أهمية جانب الترفيه، ويرى أن «الخروج من المنزل لتناول وجبة، أمر يتعلق برمته بالاستمتاع بقضاء أمسية خارج المنزل، وكأنك تحصل على متعتين في وقت واحد».

أما غاغان أناند، صاحب مطعم «غاغان»، الذي يحمل اسمه في بانكوك، فيعزو هذا التغيير إلى سياق أوسع، مشيراً إلى أن «الإنترنت يعمل على توحيد الطابع العام للعشاء الفاخر»، مضيفاً أنه «قضى على المفهوم التقليدي للعشاء الفاخر». وعليه، تستجيب المطاعم من خلال العمل المباشر على بناء هويات مميزة خاصة بها.

الطعام الراقي بأسلوب عصري (أفضل 50)

وقال سانتياغو لاسترا، مؤسس مطعم «كول» في لندن: «إن مطعم العشاء الفاخر العظيم ينقلك إلى مكان آخر، فهو ينقلك إلى عالمه الخاص، تماماً مثل مشاهدة فيلم سينمائي». وعليه، عكف حديثاً على تعديل تصميم المطعم، ودمج بار «ميزكاليرا» - التي كانت تُستخدم كَبارٍ في الطابق السفلي - ضمن تجربة العشاء. وتسهم الإضاءة الخافتة والأجواء الأكثر حيوية في إبقاء الضيوف منجذبين، ما يمنحهم شعوراً بأن المبنى بأكمله جزء من قصة متكاملة.

أما داخل مطعم «سموكد روم» في مدريد، فيمكن للمطبخ القائم على الطهي بالنار أن يخلق أجواء خاصة به بمفرده، مع لمسات مسرحية تتميز بألسنة النيران المشتعلة، وأطباق مستوحاة من الطهي بالنار، يجري تقديمها بالتوافق مع 20 نوعاً من النبيذ، يتولى صبها خبير النبيذ العالمي البارز لويس باسيلاغا. والهدف من ذلك إعادة إحياء الذكريات البدائية للجلوس أمام النار التي يشترك فيها البشر جميعاً. من جهته، قال كبير الطهاة ماسيميليانو ديلي فيدوفي: «إنه أمر سحري ومريح ويمنحك شعوراً بالسلام».

في الواقع، خلق عالم خيالي شيء، والحفاظ على استمراريته طوال الأمسية بأكملها شيء آخر تماماً. ويبرز في صدارة هذه الحركة مطعم «ألكيميست» في كوبنهاغن، باعتباره صاحب التعبير الأكثر تطرفاً عن هذا المفهوم؛ فهو يتيح عرضاً فنياً يمتد عبر 35 طبقاً وست ساعات وغرف متعددة مليئة بالإسقاطات البصرية والرموز.

أطباق مصممة بطريقة جذابة (أفضل 50)

ومع ذلك، فإن راسموس مونك، مؤسس المطعم، يدرك تماماً أهمية ضبط الإيقاع، وأوضح قائلاً: «من بين 35 طبقاً، ربما يكون هناك سبعة إلى ثمانية أطباق تحمل في طياتها رسائل سياسية أو بيئية قوية. ونحرص نحن على خلق مسافة بينها، لتتخللها أطباق تتميز بطابع مرح أو مفاجئ أو ببساطة مذاق لا يقاوم».

من جهته، تساءل أناند: «يملك البشر حواساً متعددة، فلماذا نقتصر على استخدام العيون والأنف والفم فقط في تجربة تناول الطعام؟». وخلال تناول وجبة في مطعم «غاغان»، الذي يضم طاولة طهي تتسع لـ14 مقعداً تحيط بمطبخ مفتوح وتتوسطه كرة ديسكو، مع قائمة تشغيل موسيقية منسقة بعناية. وأضاف أناند: «ستحصل على الصوت والأضواء والكاميرا والرشاشات والسرعة والأدرينالين ـ كلها مجتمعة معاً. ومع أول طبق تضعه في فمك، تنطلق الانفجارات».

مطعم آخر يضم كرة ديسكو «ينيشير» في الريف الويلزي. وكما الحال في «غاغان»، يسير الشريط الصوتي بالتوازي مع خدمة تقديم الطعام. إلا أن الأمر هنا متروك لمنسقي الموسيقى، الذين يتولون تشغيل مجموعة مختلفة كل ليلة، لكنهم يبدأون دائماً بالجاز الياباني لمرافقة القسم الأول من أطباق أسماك الماداي والهاماتشي والتونة زرقاء الزعنفة، قبل الانتقال إلى موسيقى «الهاوس» الحيوية، مع انطلاق أغنية «سمول تاون بوي» لفرقة «برونسكي بيت» بمجرد بدء كرة الديسكو في الدوران. وتحدث وارد عن الأمر بقوله: «لقد رأيت أشخاصاً يبكون في المطعم»، نتيجة تأثرهم بهذه «التجربة الخيالية، التي تلتقي فيها الموسيقى مع أطباق الأكل».

ليس من المستغرب أن تعمل الكثير من هذه المطاعم عبر طاولات متصلة مرتبة حول مطبخ مفتوح (مقاعد مطعم «ينيشير» الـ14 تواجه المطبخ كذلك). الحقيقة أن الانتقال من العشاء الفاخر الثابت إلى تجربة غامرة وتفاعلية يعتبر تحولاً معمارياً كذلك. إن تنمية المشاعر والبهجة وإحساس التقارب يسهل تحقيقه عندما يتحرك كل شيء بانسجام تام؛ إنه عرض فني بكل ما تعنيه الكلمة.

وفي مومباي، ينغمس مطعم «بابا» بالكامل في جانب التسلية؛ من خلال الدعابات والممازحات والاستعراضات الجانبية على الطاولات بل يُتاح للضيوف أيضاً فرصة إعداد حلوى الثلج المجروش (على طراز «كاكيغوري») بأنفسهم. وما كان لكل هذا أن يتحقق لولا تصميم المكان الذي يضم 12 مقعداً فقط، ويخلق مشهداً تفاعلياً متكاملاً. وقال شهزاد: «لم تكن الفكرة يوماً أن يظل الضيف مجرد مراقب»، فمطعم «بابا» يكسر ذلك الحاجز غير المرئي. وأضاف: «حتى بعد أن ينسوا مذاق الطعام الذي تناولوه، سيظلون دائماً يتذكرون الشعور، الذي انتابهم في تلك اللحظة».

قد يكون هذا صحيحاً، لكن هناك تقارباً واضحاً بين هذا النمط من تناول الطعام ونهج «المذاق أولاً»؛ فالطهي القائم على المفاهيم المعقدة لا يناسب هذه التجربة. وقال لاسترا: «سيبقى الناس دائماً أوفياء للنكهة». وتتطابق قائمة الطعام الحالية لمطعم «كول» مع هذا الاعتقاد. وأضاف: «الطعام يصنع لإطعام الآخرين ومنحهم المتعة».

وعبر فيدوفي عن اتفاقه مع هذا الطرح، موضحاً أن الملعقة الأولى يجب أن تقدم المتعة، وأن الضيوف طوال التجربة «يجب أن يتعرفوا إلى ما يأكلونه». ويعمد كل من وارد وشهزاد إلى استغلال الحنين إلى الماضي باعتباره خريطة طريق، ما يعتقد شهزاد أنه يوفر أساساً لإضافة طبقات متعددة من العناصر الحسية إلى تجربة تناول الطعام.

إلا أنه في النهاية، تؤدي التوقعات المتغيرة إلى إعادة كتابة القواعد من جديد؛ فمفهوم المطاعم الراقية «لم يعد يعتمد على كمية الكافيار الموجودة في الطبق»، على حد تعبيره، بل «أصبحت الرفاهية تكمن في التجربة ذاتها».


كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
TT

كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)

بصفتي صانعة لوصفات الطعام، فإن الغوص في تفاصيل الوصفة، مكوناً تلو الآخر، هو الجزء المفضل لديّ في عملي. وفي كثير من الأحيان، يكون من السهل التنبؤ بكيفية تفاعل هذه المكونات وتعديلها بناء على ذلك؛ ومع ذلك، قد تبدو بعض الوصفات في بعض الأحيان صعبة للغاية، وهنا يأتي دور كعكات الأرز بالزبدة.

وتُعرف هذه الكعكات أيضاً باسم «موتشي الزبدة على طريقة شنغهاي» و«توك الزبدة»، وهي نوع من حلوى الموتشي تتميز بحلاوة خفيفة ونكهة غنية بالزبدة، وقد اجتاحت الإنترنت بشكل كبير، لا سيما في كوريا الجنوبية.

وكما هو الحال مع العديد من الوصفات التي تحظى بانتشار واسع للغاية، فإن تاريخ هذه الوصفة يبدو غامضاً؛ حيث تُنسب هذه الكعكات غالباً إلى المخابز المحيطة بمدينة شنغهاي، وتُرجع إحدى النظريات الفضل إلى خباز في مدينة «نانتونغ» الصينية، الواقعة شمال شنغهاي مباشرة، والذي دمج بين كعك الأرز الصيني التقليدي «نيان غاو» وحلوى «الكانيليه» الفرنسية الغنية بالكاسترد. وقد تكون هناك تأثيرات أخرى مثل «موتشي زبدة هاواي» وحلوى «البيبينكا» الفلبينية، ورغم اختلاف مكوناتها وطرق طهيها، فإن قوام عجينتها يبدو متشابهاً.

وكان ابتكار نسخة مخصصة للطهاة في المنزل تكون محمرة ومقرمشة من الخارج مع الحفاظ على قوامها المرن والغني بالزبدة من الداخل عند خبزها في قالب المافن، بمثابة طموح كبير.

في البداية، استخدمت عجيناً سائلاً مصنوعاً، جزئياً، من دقيق التابيوكا وكمية جيدة من الحليب. بيد أن تلك الكعكات انفصلت عن المقلاة ولم تتحمر بالتساوي. وعلمت حينها أنني بحاجة إلى عجين أكثر كثافة، لذا قللت كمية الحليب. وفي نهاية المطاف، استُبدلت بـ«التابيوكا» كميةً أكبر من دقيق الأرز «موتشيكو»، بناء على اقتراح من «جينيفيف كو»، محررتي الخاصة، والتي وجدت أن النتائج قد تختلف من نوع إلى آخر لدقيق التابيوكا.

ولضمان الحصول على تلك القشرة البنية المقرمشة، يُخبز العجين في قالب مدهون جيداً بالزبدة. بيد أن تحديد كمية الزبدة الواجب استخدامها بدقة كان أمراً صعباً. في بادئ الأمر، واعتقاداً مني بأن الماء الموجود في الزبدة يتبخر في قاع الكعكات، قمت بتقليل الكمية؛ وبدلاً من ذلك، تسببت كمية الزبدة القليلة للغاية في جعل القشرة صلبة، مع بقاء التحمير غير مستو. وكان الأمر يتطلب كمية سخية، بل ربما مفرطة تقريباً، من الزبدة.

ومع ذلك، فإن القطعة الأكثر أهمية في هذه الوصفة كانت قالب الخبز نفسه. فبعد إجراء الاختبارات حصرياً في قالب مافن مضاد للالتصاق، جاء التحمير الأكثر استواء من قالب غير مطلي؛ إذ تبين أن الزبدة في قالب المافن المضاد للالتصاق تكون أكثر عرضة للانتشار بشكل غير مستو.

وقد استغرق الأمر أكثر من 12 اختباراً لتأخذ الوصفة شكلها النهائي، ولكن الشعور كان رائعاً للغاية عندما تكللت بالنجاح. وتميزت حلوى الموتشي الناتجة بقشور مكرملة للغاية، وتصدر تلك القرمشة الممتعة والمثيرة للحواس، لتفسح المجال لقوامها الداخلي المرن والمطاطي. وللحصول على أفضل قوام، استمتع بتناولها وهي لا تزال دافئة، كما أن إضافة القليل من الحليب المكثف تجعلها أفضل بكثير.

* خدمة «نيويورك تايمز»


صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
TT

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية. فمع تسارع الابتكارات في عالم المأكولات، باتت بعض الأطباق تستمدّ جاذبيتها من غرابتها، ومن قدرتها على الجمع بين مكوّنات لا تخطر على بال محبّي الطعام. وفي عام 2026، برزت موجة من التجارب التي تعيد تقديم المألوف بأساليب مختلفة، مستفيدةً من فضول الزبائن وتأثير وسائل التواصل في اختياراتهم، فتناقلها مؤثّرو الطعام، لتولّد ترندات تتصدّر المشهد الغذائي في لبنان.

بين الموضة والمذاق لا تنفصل هذه التجارب عن التحوّلات التي يشهدها عالم الطعام، حيث باتت الصورة جزءاً من تجربة التذوّق. والمنصات الرقمية تساهم في انتشار الأطباق الجديدة والتعريف بها.

يلاحظ في الفترة الأخيرة إقبال في لبنان على نكهات آيس كريم غير تقليدية، تستلهم بعضها مكوّنات محلية وأطعمة مألوفة. وهي ظاهرة تعكس رغبة المستهلكين في اكتشاف تجارب جديدة.

لكن انتشار طبق على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة نجاحه. فالمذاق يبقى العامل الحاسم، فيما تمنحه غرابته فرصة أولى لجذب الانتباه. وبين هذين العاملين، تحاول المطاعم اللبنانية إيجاد معادلة تجمع الابتكار والجودة، وتمنح الزبون سبباً إضافياً للخروج عن اختياراته المعتادة.

لا تتعلّق صرعات الطعام بتغيير المكوّنات فحسب، بل بإعادة النظر في طريقة تقديمها أيضاً. فالأطباق التي تبدو غريبة للوهلة الأولى قد تتحوّل إلى تجارب محبّبة، شرط أن تتجاوز عنصر المفاجأة إلى مذاق يستحقّ التكرار.

ومن البرغر بحلوى الداعوقية إلى السندويشات التي تستلهم قوامها من الـ«بوب كورن»، وصولاً إلى «ستيك الكنافة» الذي يثير الفضول عند سماع اسمه، تتّسع مساحة التجربة في هذا المجال.

برغر الداعوقية يعتمد على عجينة البقلاوة المقرمشة (إنستغرام)

«برغر الداعوقية»: بقلاوة العصر

يحتفظ البرغر بمكانته على قوائم الطعام، لكنه لا يتوقّف عن التجدّد. فإلى جانب الوصفات الكلاسيكية المعتمدة على اللحوم بأنواعها تحضر نسخ منه بأسلوب غريب. ويأتي «برغر الداعوقية» الذي أطلقته محلات الداعوق للحلوى هذا الصيف كواحد من أشكال الحلوى الحديثة في لبنان.

وتكمن جاذبية التركيبة من أنها مصنوعة من طبقتين لعجينة البقلاوة، يتم حشوها بحلوى الداعوقية. وهي مصنوعة من القشدة والسميد المدعوك بالقطر ويغلف المزيج بالفستق المطحون . كما يتم تغطية «البرغر» في مرحلة نهائية برشّة فستق. التركيبة بسيطة لكنها تتميز بالقرمشة التي ترافق سندويشات عديدة تعتمد عليها الوجبات السريعة. وعجينة البقلاوة المستخدمة في هذا السندويش تقوم بالمهمة. يلاقي «برغر الداعوقية» إقبالاً لافتاً من جيل الشباب الذين رأوا فيه تجدداً لحلوى ترافقهم، منذ تأسيس محلات الداعوق في ستينات القرن الماضي.

سندويش الـ«بوب كورن»

فكرة غير تقليدية تدخل السندويشات بدورها في سباق الابتكار، وتسلتهم أفكار مكوّناتها من أطعمة اعتدنا تناولها منفردة. ومن بينها سندويش الـ«بوب كورن»، الذي يقوم على إدخال حبات الذرة المنفوخة أو استخدام نكهتها وقوامها المقرمش، في تركيبة تجمع بين الخبز والصلصات ومكوّنات أخرى.

وتعتمد هذه الفكرة على مفارقة استخدام عنصرين لم نألف الجمع بينهما، لنحصل على تجربة غير مألوفة لمحبي التذوّق. واشتهر هذا السندويش إثر إطلاقه على لائحة طعام أحد المطاعم اللبنانية الجديدة (ألا مينوت) في جونية. والسندويش يتألّف من كريما الحلويات وصلصة الكراميل وحبوب البوب كورن المكرملة مع رشة ملح.

وتراوحت الآراء في هذا السندويش بين مؤيد ورافض. فالبعض عبّر عن إعجابه به في منشوراته على الـ«سوشيال ميديا». فيما اعتبر آخرون أنه من غير المجدي تذوّقه؛ لأن طعمه غير لذيذ.

«ستيك كنافة» أحدث صرعات الحلوى في لبنان (إنستغرام)

ستيك الكنافة

حين تلتقي الحلوى بالابتكار وفي عالم الحلويات، تتواصل محاولات إعادة تقديم الوصفات المعروفة بصيغ جديدة. ويأتي «ستيك الكنافة» مثالاً على هذا التوجّه، من خلال استلهام شكل الستيك بطريقة تقديم الكنافة بالجبن؛ إذ يتم لفّ الكنافة على عيدان الخشب وتغلف بالشعيرية المقرمشة وصلصة الفستق أو الشوكولاته حسب رغبة الزبون.

وتكمن جاذبية الفكرة في الجمع بين اسم يرتبط بالأطباق المالحة وحلوى شرقية لها مكانتها الراسخة على الموائد. وهي مقاربة تفتح المجال أمام الطهاة للعب على الشكل والتقديم، من دون التخلي بالضرورة عن النكهات المألوفة التي تمنح الكنافة هويتها.