كوبا والتغيير الصعب

كوبا والتغيير الصعب

الأحد - 14 رجب 1436 هـ - 03 مايو 2015 مـ رقم العدد [13305]
عبد الرحمن الراشد
اعلاميّ ومثقّف سعوديّ، رئيس التحرير السابق لصحيفة "الشّرق الأوسط" والمدير العام السابق لقناة العربيّة
قبل أن تنفتح على العالم وتتغير، وتصبح مثل غيرها، رغبت في أن أرى كوبا، الدولة التي كادت تتسبب في حرب عالمية ثالثة، وهي مع كوريا الشمالية آخر بلدين شيوعيين مغلقين في العالم حتى هذا اليوم. أيضًا، ذكرتني كوبا بتجربتين عربيتين، شهدتُ على آخر أيام العزلة فيهما؛ مصر في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، وسوريا في بداية تولي بشار الأسد الحكم بعد وفاة أبيه.
فقد كان السادات سياسيًا مجربًا، وعايش حكم الاتحاد الاشتراكي وفكره الذي حكم مصر منذ عام 1962، الذي فشل في إدارة الدولة وقضى على قطاعات الإنتاج لصالح هيمنة الدولة. وعي السادات بالمشكلة، وحماسه الصادق للتغيير والانتقال سياسيًا واقتصاديًا، لم يكن كافيًا، فقد كانت تنقصه ثقافة التطوير ومهارة الإدارة المدنية. لهذا فشلت تجربته في الانفتاح نتيجة هيمنة هيكل الدولة القديم وفلسفتها على كل المرافق، وعجزه، نفسه، عن تقديم مشروع بديل أفضل قابل للتنفيذ. كذلك، سوريا البعثية اليسارية المغلقة جربت أن تفتح الباب قليلاً مع صعود بشار الأسد للحكم، بوعود تغيير وانفتاح ضخمة، سياسية واقتصادية، إنما جرب الانتقال من نظام حزبي اشتراكي إلى عائلي، وبدأ في تغييرات شكلية، واختفت من شوارع دمشق السيارات الروسية والأميركية القديمة، وحلت محلها سيارات يابانية وألمانية جديدة، وبقي الاقتصاد القديم حكرًا على البعض، تحت رعاية الأجهزة الأمنية.
في رحلتنا قبل أيام، إلى كوبا، مع الشيخ وليد البراهيم وبقية الأصدقاء، ورغم الدعاية الكبيرة، لم نرَ ما ينبئ عن بوادر تغيير. وأكد شكوكنا أحد الكوبيين المهاجرين، الذي جاء لزيارة زوجته الممنوعة من السفر، مثل معظم سكان البلاد الأحد عشر مليون مواطن، قال: لا أصدق بالتغيير حتى أراه، ولا أتوقع أن يحدث.
مع هذا، الآن الكل يتحدث عن تغيير مقبل. من بلد شيوعي منغلق إلى دولة منفتحة، من دولة عدوة للجارة الأميركية إلى وجهة سفر مفضلة للمستثمرين والسياح. على الأرض، لا يوجد شيء من هذا بعد، رغم التقارب الذي قاده الرئيس باراك أوباما مع الرئيس راؤول كاسترو، الذي يحكم خلفًا لأخيه المريض منذ سبع سنوات. وجدنا كوبا بلدًا مغلقًا، يرفض رسميًا التغيير. وبقايا قوانين الحرب الباردة مستمرة، فلا تزال الحكومة الأميركية تمنع مواطنيها من السفر إلى هناك، باستثناء بعض المستثمرين والصحافيين، وقليل من طائرات التشارتر التجارية. وسمحت لمواطنيها أن يشتروا بما لا يزيد على مائة دولار فقط من السيجار من كوبا، الذي لا يزال محرمًا استيراده.
وحتى إن كان الأميركيون جادين في إنهاء القطيعة مع جارتهم التي دامت خمسة وأربعين عامًا، فإن قدرة النظام الكوبي على تأهيل نفسه والتخلي عن فلسفته القائمة على السيطرة الكاملة مشكوك فيها. فهو يعاني اقتصاديًا، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في مطلع التسعينات، الذي قلص مساعداته. كوبا من آخر الدول التي سمحت بالهواتف الجوالة، ولا تزال محدودة الانتشار، ويندر توفر الإنترنت إلا في مقاهٍ تديرها الحكومة، التي تمسك بالعصا الغليظة وتنفق قليلاً، فميزانيتها السنوية مليارا دولار فقط.
كانت رحلة قصيرة إلى بلد توقف فيه الزمن منذ عام 1959، وتشعر وأنت تتجول في سياراتها القديمة كأنك جزء من ديكور فيلم من سينما الخمسينات!
[email protected]

التعليقات

سليمان الحكيم
البلد: 
لبنان
03/05/2015 - 02:39

البيروقراطية أفقرت وتفقر الشعوب، إن أكثر شعوب العالم الثالث وبعض أجزاءمن أميركا وآسيا وحتى المنطقة العربية التي عاشت تحت ما يسمى الثورات الشعبية حكمها دكتاتوريون من الطراز الرفيع بالقتل والتنكيل والإفقار والتهجير والتشريد، من الصعب أن تنتقل إلى الإصلاح وبناء مؤسسات واقتصاد حر وإعمار ومجتمعات حرة في مدة زمنية ولربما أجيال قادمة وخصوصا فى هذا العصر الحديث، والدليل ظاهر للعيان منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك المنظومة الاشتراكية، فقد أصبحت أكثر الدول التي استقلت تحكمها المافيات والعصابات وبعضهم من ينسق ويتعاون مع من يدعون بأنهم العالم الحر من روسيا إلى إيران وفنزويلا وغيرهم، حتى أن الولايات المتحدة الأميركية تبارك تارة دولة قمعية وتقمع دولة مقموعة حسب مصلحتها، فمصلحتها دائما هي إفقار الجميع.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة