حسین موسویان
سفير إيراني سابق
TT

حملة نصر الله.. محاولة «لتهجير» السعودية من لبنان

لا شك أن إطلالة الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، عبر تلفزيون لبنان الرسمي، لتوجيه الشتائم إلى كل من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والقيادة السعودية، ودول مجلس التعاون الخليجي، كانت جد مدروسة من جانبه، بهدف توجيهه نيابة عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية عبارات مسيئة للسعودية، قادة وشعبًا، انتقامًا منها لكون قيادتها لعملية «عاصفة الحزم» شكلت بداية الحد من تمدد النفوذ الفارسي في الإقليم العربي.
ومن الواضح أن الخطوة جد مدروسة لناحية الشكل؛ حيث أراد حسن نصر الله أن تظهر مقابلته وكأن الدولة اللبنانية مؤيدة، لما تضمنته من خلال نقل التلفزيون الحكومي التابع لها والممول منها مع كل ما تضمنته من عبارات سيئة، تعكس غيظه من الانتفاضة العربية - السنية التي تترجمها «عاصفة الحزم»، والتي وضعت حدًا لتوسع «محور الممانعة» في اتجاه السيطرة على اليمن، وهو أيضا أراد أن يعزز كلامه بغطاء رسمي لبناني لكسب مصداقية وقوة وفق اعتقاده، عدا عن رغبته أن يعطي انطباعًا من هذه الطلّة عبر المؤسسة الإعلامية الرسمية، أن لبنان لا يزال في المحور الإيراني استكمالاً لمواقف إيرانية أدرجته مع عدة عواصم عربية في الخانة الإيرانية، إذ لم يسلّم بعد نصر الله بأن ما قبل عملية «عاصفة الحزم» والقرار السعودي هو غير ما بعدها، على ما أظهرته الوقائع حتى الآن، وستظهره أكثر الأيام المقبلة.
إلا أن التعاطي اللبناني الرسمي، وبعيدًا عن الرد القوي لرئيس تيار المستقبل الرئيس سعد الحريري، على نصر الله، الذي تقصّد هذا الخطأ الموصوف، في حق دولة داعمة للبنان واستقراره وحاضنة له ولمواطنيه على أرضها، كان خجولاً، استنادًا إلى مسار الدور السعودي الإيجابي تجاه لبنان على أكثر من صعيد، عدا أنهما في الوقت ذاته عضوان في جامعة الدول العربية مما يستحق مجاهرة أقوى في معرض الرد الحكومي على نصر الله لتعزيز التضامن العربي، ولعدم تكراره من «مكانته» في هيكلية ولاية الفقيه لمسلسل الشتائم بتكليف إيراني ضد دول مجلس التعاون الخليجي وتحديدًا السعودية التي قدمت مؤخرًا أربعة مليارات دولار، لتقوية الجيش اللبناني وقتاله للإرهاب الذي استولده «محور الممانعة» على أرض الإقليم العربي ليبرر التمدد الإيراني.
لكن في المضمون، أراد نصر الله من حدة حملته المدروسة في اتجاه السعودية، ملكًا وقيادة وشعبًا، أن ينعكس كلامه سلبًا على لبنان ويستدرج ردات فعل على اللبنانيين العاملين فيها وفي غير دول خليجية طالتها حملته، إذ من المعروف أن الشعب السعودي ينظر إلى خادم الحرمين الشريفين كرمز لدينه وكرامته ومواطنيته، ويحظى العاهل السعودي باحترام عميق داخل بلاده، ومن شأن الإساءة إلى شخصه أن تولد ردة فعل أو عصبية سعودية ينتج عنها واقع نفسي في التعاطي مع اللبنانيين الذين يعملون في السعودية، ويتوزعون بالآلاف على قطاعها الخاص الذي يشكل مورد رزقهم، إذ إن نمو «العصبية» يوجد مناخًا سلبيًا كنتيجة لإساءة نصر الله للعاهل السعودي، والشعب أيضًا الذي «يصفه» الأمين العام لحزب الله بأنه مغلوب على أمره، وقراره مصادر وفق عبارات تظهر الشعب السعودي في حالة اضطهاد هو ليس عليها، وأنه محكوم على أمره، وغيرها من العبارات التي تمس كرامة ووطنية المواطن السعودي الواثق بقيادته ورعايتها له على كل المستويات.
يراهن نصر الله من تكراره لشتائمه تجاه المملكة العربية السعودية، على أن يوجد أزمة سياسية - دبلوماسية مع لبنان، أو قطيعة مع حكومته غير القادرة على ضبط الأمين العام لحزب الله، وأن يدفع بها الأمر إلى هجرة لبنان، الذي هو في أمسّ الحاجة إليها لحمايتها المعنوية له، عدا عن قصده عبر حملته هذه نحو مواجهة اللبنانيين العاملين فيها لواقع من «العصبية» الخليجية والسعودية بنوع خاص في مجالات عملهم، تدفع بهم لتركها والعودة إلى لبنان عند غياب المناخ الإيجابي القائم والمحيط بهم، كعاملين في هذه البلدان، حتى اليوم نتيجة سعي القيادة السعودية لتطويق أي ردات فعل انفعالية من مواطنيها كمحاسبة غاضبة على إساءات نصر الله لكرامتهم الوطنية والشخصية.
ردة الفعل هذه التي يأملها ويتوقعها نصر الله، إذا ما حصلت، نظرا لإيجابياتها على نجاح المشروع الإيراني، ستضع الشعب اللبناني وبعد انسداد أبواب السعودية أمامه، في مستنقع أزمات اقتصادية واجتماعية تدفعه للاستسلام والتلهي عن المشروع الإيراني في لبنان الذي يقوّض الدولة ومؤسساتها لتركيزه اهتمامه على تأمين مورد رزقه لعائلته، في ظل الفراغ الرئاسي الذي يحميه حزب الله والهادف من خلاله تقويض الدولة وقلب نظام الطائف على ما عبر من خلال دعوته للمؤتمر التأسيسي، إذ يتصرف نصر الله وكأنه جعل الفريق الشيعي المؤيد له جالية إيرانية على أرض لبنان العربية ومنفصلة عن تاريخها. وهو يأمل أنه سيزود أكثر بأموال الجمهورية الإسلامية في حال الإفراج اقتصاديا عن إيران، لينعم والشريحة التابعة له بواقع مادي مريح أسوة بالحرس الثوري وبيئته داخل إيران على حساب سائر الشعب الإيراني الذي يعاني اقتصاديًا نتيجة صرف الجمهورية الإسلامية للأموال على المجهود الحربي، ولحماية نظام بشار الأسد ومشروعها النووي الذي ستتنازل عنه، مما يجعل معارضيها في لبنان، كما رافضي الثورة الإيرانية، في حالة من الفقر المدقع للتسليم بحكم ولاية الفقيه.
ثم إن مواقف نصر الله يمكن إدراجها قلقًا من أي تفاهم دولي - إقليمي سينسحب يومًا على المنطقة وأزماتها، وتحمل في طياتها تحديدًا لدوره، بحيث يفرض التفاهم العودة من سوريا إلى داخل لبنان وفق قاعدة توازنات جديدة تحد من تمدده وسيطرته على الدولة اللبنانية، على وقع وتيرة الاندفاعة السعودية ونتائجها العسكرية - السياسية ومداها، ولذلك هو يعطي إيران إشارة إلى أن ثمة حاجة إليه «لمخاطبة» الشعوب العربية والدفاع عنها وشتم أخصامها من على الساحة اللبنانية، حاجزًا بذلك له موقعًا بتجديده إبراز أوراق اعتماده للجمهورية الإسلامية ضاربًا بعرض الحائط مصلحة لبنان وشعبه.
* رئيس تحرير موقع «الكلمة أونلاين»