أنطون مارداسوف
TT

لافروف والاعتراف بـ«شركات عسكرية خاصة»

في عام 2020، أعلن تقرير للأمم المتحدة علناً ولأول مرة أن هناك نحو ألف مرتزق روسي يعملون في ليبيا، ثم نفى مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، بشدة، هذه المعلومات في اجتماع مجلس الأمن، ووصف التقرير بأنه «ملفق» واستعمل بذكاء كلمة «عسكري» بدلاً من كلمة «مرتزق».
في 26 سبتمبر (أيلول) 2021، اختفى موضوع المرتزقة الروس فجأة في نقاشات الظل في الأمم المتحدة. وخلال جلسة للجمعية العامة للأمم المتحدة، اعترف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بشكل غير متوقع بأن السلطات المالية قد لجأت بالفعل إلى شركة عسكرية روسية خاصة قدمت عرضاً للتعاون. ومع ذلك، أشار على الفور إلى أن الهياكل الرسمية الروسية لا علاقة لها بهذا الاتفاق، وأن أنشطة هذه الشركة العسكرية الخاصة تجري على أساس قانوني.
يصعب وصف إجابة لافروف بأنها وقائية، بل كانت اعترافاً قسرياً تحت وطأة تصريحات وزيري فرنسا وألمانيا اللذين هددا بسحب الوحدات العسكرية من مالي في حال تعاون السلطات المحلية مع شركة «فاغنر» الروسية البغيضة. مع ذلك، ورغم جمود رد فعل لافروف، كانت الرسالة العامة واضحة، حيث لم تعد موسكو قادرة على إنكار وجود مثل هذه الهياكل بشكل قاطع، وتقترح النظر في وجودها في إطار المنطق التالي: هناك أشخاص مستعدون لتقديم الخدمات، ودعمهم من السلطات يعد ضئيلاً للغاية وهو على مستوى «الموافقة المستترة».
من الصعب تحديد إلى أي مدى تم تنسيق تصريح لافروف في الأمم المتحدة مع الكرملين، لا سيما أنه كان هناك استياء منذ فترة طويلة من الوضع غير القانوني للشركات العسكرية الخاصة في روسيا، ذلك لأن الدبلوماسيين غالباً ما يضطرون إلى إنكار ما هو واضح للعيان. بالإضافة إلى ذلك، انخفض دور الدائرة الدبلوماسية بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة بسبب توسع التفاعل بين الخدمات الخاصة والشركات العسكرية الخاصة.
لكن موقف لافروف الزلق فيما يتعلق بالتعامل القانوني مع الشركات العسكرية الخاصة غير القانونية لا يزال غير جديد. فلأول مرة، ساق الرئيس فلاديمير بوتين مثل هذه الحجج خلال اجتماع مع المراسلين في ديسمبر (كانون الأول) 2018. وقال إن مكتب المدعي العام يجب أن يعطي هياكل الشركات العسكرية الخاصة تقييماً قانونياً - إذا لم تنتهك القانون الروسي - لتعزيز مصالحها التجارية في أي مكان في العالم. بالطبع، كانت هذه حجة جاهزة: ففي نفس اليوم، ذكر الممثل الرسمي للدائرة، ألكسندر كورينوي، أنه لم يطلب أحد من مكتب المدعي العام التحقق من أنشطة الشركات العسكرية الخاصة، رغم أنه قد تم تسجيل طلب صحافي بالفعل على الأقل.
جرت مناقشة مشكلة إضفاء الشرعية على الشركات العسكرية الخاصة في روسيا - النتائج السلبية والإيجابية لمثل هذه الخطوة - لسنوات عديدة وحُكم على مؤسسي شركة «بي إم سي فاغنر» الروسيين التي خلفت شركة «سلوفانيك كوربس»، بالسجن بعد أن تكبّد مرتزقة روس خسائر في عام 2013 في معارك مع جماعة «جيش الإسلام» بالقرب من منطقة «السخنة» ثم عادوا إلى روسيا.
ومع ذلك، فيما يتعلق بالأحداث في أوكرانيا، ثم بالعملية الروسية في سوريا، حظيت الفكرة بأهمية خاصة ودعم خاص، لذلك لم تتم إدانة الأعضاء الآخرين في شركة «سلوفانيك كوربس» فحسب، بل دخلوا أيضاً العمود الفقري لشركة «بي إم سي فاغنر».
في روسيا، لا يوجد قانون يسمح وينظم أنشطة الشركات العسكرية الخاصة، لكن توجد مثل هذه الهياكل رسمياً. فهناك مثلا شركة «RSB – Group» التي تتمتع بخبرة في إزالة الألغام في ليبيا، وهناك شركة «Lukoil – A»، التي تعمل في العراق. تتنكر هذه الكيانات في شكل شركات أمنية خاصة أو وكالات استشارية. تتجاوز هذه الشركات العسكرية الخاصة القانون أيضاً، لكن موظفيها لم يشاركوا في الأعمال العدائية في سوريا وليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى... إلخ. وعلى عكس مرتزقة «فاغنر»، لم تثر هذه الشركات اهتماماً كبيراً بين اللاعبين المحليين ولم يتلقوا جوائز عسكرية في الكرملين مقابل القتال في سوريا.
في عام 2018، جرت آخر محاولة معروفة لإضفاء الشرعية على الشركات العسكرية الخاصة في روسيا، ولكن بعد ذلك لم يجد مشروع القانون أي دعم سواء في الحكومة أو في هياكل السلطة، حيث تزامنت مناقشته مع ظهور معلومات حول وفاة عشرات المرتزقة العاملين في شركة «فاغنر» العسكرية الخاصة نتيجة الضربات الأميركية شرقي سوريا. وقد أثارت هذه الواقعة موجة من التحقيقات، اتضح من خلالها أن هناك شركة عسكرية أخرى غير مسجلة في روسيا هي شركة «PMC Shchit» تضم مظليين من «اللواء 45 المحمول جواً» يحرسون منشآت رجل الأعمال تيمشينكو في سوريا. هناك أيضاً شركة «PMC Patriot» التي تعمل تحت إشرافها على الأرجح القوات الخاصة الروسية.
بالإضافة إلى ذلك، في وقت ذروة أنشطة المرتزقة بشركة «Wagner PMC» وعبورهم سوريا إلى ليبيا ودول أخرى في القارة الأفريقية، كانت هناك سلسلة من الفضائح التي حاولت السلطات الروسية مداراتها بكل الطرق الممكنة. وفي يوليو (تموز) 2018، قتل مسلحون من «فاغنر بي إم سي» الصحافيين أورخان دزيمال وألكسندر راستورجيف وكيريل رادشينكو في جمهورية أفريقيا الوسطى، وفي عام 2020، تمكن الصحافيون الروس من التعرف على مرتزقة شركة «فاغنر» العسكرية الخاصة، الذين أعدموا بوحشية في حقول الشاعر للغاز قرب حمص.
بالنظر إلى تطلعات الدول الأفريقية، التي تعتبر السيادة بالنسبة لها رمزاً للتحرر من العواصم السابقة، وخصوصيات تصدير الخدمات الأمنية، وهو أمر مهم للقادة الاستبداديين لتثبيت موقفهم وغير مرتبط بحقوق الإنسان والتحرير الاقتصادي، تواصل «بي إم سي فاغنر» العمل كأداة ناجحة لدعم الإدارة العسكرية الروسية. في الوقت نفسه، في حالة السودان على سبيل المثال، يلعب المرتزقة دور جماعة ضغط لصالح وزارة الدفاع. وبحسب ما كشف عنه الصحافيون، قام أعضاء مجلس إدارة شركة «فاغنر»، تحديداً يفغيني بريغوزين، بتنظيم زيارات وفق وثائق رسمية عقب مراسلات مع السودانيين نيابة عن وزارة الدفاع.
من شأن تلك «الدبلوماسية الموازية» أن تقلل من زمن التأخيرات البيروقراطية، ومن الواضح أنها مشحونة بالطلبات الحساسة التي يتعين على القادة الأفارقة في كثير من الأحيان الامتثال لها، ولكن في حالة الفشل، فإنها لا تهدد موسكو بتشويه صورتها. ومع ذلك، فإن المصلحة في تنفيذ السياسة الخارجية من قبل الهياكل المستأجرة تؤثر في حد ذاتها على جودة وتقييم الأدوات الموجودة تحت تصرف روسيا، فإلى أي مدى يمكن لموسكو أن تجمع دون عناء بين المقاربات الرسمية والخاصة في الساحة الدولية؟ يظل سؤالاً مفتوحاً.