سامي نسمان... قصة ضابط عادته «حماس» وعاد ليدير أمن غزة

مصادر مقربة: انضم شاباً إلى «فتح» وشكّل خلية قتلت متعاونين مع «الشاباك»

TT

سامي نسمان... قصة ضابط عادته «حماس» وعاد ليدير أمن غزة

اللواء الفلسطيني سامي نسمان (إكس)
اللواء الفلسطيني سامي نسمان (إكس)

لم يكن أشد المتفائلين بتغيير واقع الحكم في قطاع غزة، يتوقع أن تشمل قائمة «لجنة إدارة غزة» أسماء شخصيات كانت توصف بأنها من أشد خصوم «حماس».

وفوجئ الكثيرون على المستوى السياسي الفصائلي والشعبي بظهور سامي نسمان، أحد أبرز ضباط جهاز المخابرات الفلسطينية منذ تأسيسه، بوصفه شخصية مُختارة لقيادة الملف الأمني في غزة.

ويمتلك نسمان تاريخاً حافلاً يوصف بـ«العداء» والملاحقة من قبل حركة «حماس»، التي بدا أنها لم تملك خيار رفض الأشخاص الذين اختيروا للانضمام إلى اللجنة.

من هو سامي نسمان؟

وُلد سامي نسمان في مخيم الشاطئ بغرب مدينة غزة عام 1967، وعاش معظم حياته في حي الشيخ رضوان شمال المدينة. ومع بدايات دراسته الثانوية والجامعية، انضم إلى «الشبيبة الفتحاوية» -التنظيم الشبابي لحركة «فتح»-ونشط في الانتفاضة الأولى التي انطلقت عام 1987. كما شارك في أنشطة ثورية جعلت منه مطارداً من قبل القوات الإسرائيلية، بعد أن شكّل خلية استهدفت من اعتُبروا متعاونين مع جهاز «الشاباك»، ما اضطره، إلى جانب عدد من نشطاء «فتح»، إلى الهرب خارج قطاع غزة عام 1988.

عاش نسمان فترة قصيرة حالة من العداء، وُصفت بـ«البسيطة»، مع نشطاء حركة «حماس» في بداية تأسيسها عام 1987، إلا أنها سرعان ما تلاشت بعد خروجه من غزة.

وخلال فترة فراره تنقل نسمان ما بين القاهرة وتونس، وعواصم أخرى، والتقى خلال تلك الفترة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، كما تسرد مصادر مقربة منه سيرته لـ«الشرق الأوسط».

عودة إلى غزة... عودة إلى العداء

وفي عام 1994، مع بدء دخول السلطة الفلسطينية إلى أراضي قطاع غزة وأجزاء من الضفة الغربية وفق اتفاق «أوسلو» عام 1993، عاد نسمان إلى جانب آخرين إلى القطاع، ليقطن لاحقاً حي الشيخ رضوان، وأصبح منذ ذلك الوقت ضابطاً كبيراً في جهاز المخابرات الفلسطينية العامة، وكان بمثابة اليد اليمنى لأمين الهندي أول رئيس للجهاز.

المصافحة التاريخية برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون بين ياسر عرفات وإسحاق رابين بعد توقيع اتفاق «أوسلو» بواشنطن في سبتمبر 1993 (غيتي)

كما كان نسمان متنفذاً بشكل كبير داخل الجهاز، وفي عموم أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، وفي أروقة مؤسسات حركة «فتح»، وكان يوصف في كثير من الفترات بأنه «رقم صعب»، كما تقول المصادر.

وتوضح المصادر أن نسمان تولى مسؤوليات مهمة داخل جهاز المخابرات، منها المكتب الخاص لرئيس جهاز المخابرات، ثم أصبح مسؤول دائرة مكافحة التجسس، كما تولى مسؤولية دائرة مباحث شؤون الأجانب الذين يسمح لهم بدخول قطاع غزة، إلى جانب مهام وملفات أخرى.

وفي أعقاب عودته لغزة، ومع نشاط الأجهزة الأمنية الفلسطينية ضد نشطاء «حماس» و «الجهاد الإسلامي»، اتهم بقيادة حملة اعتقالهم ما بين أعوام 1996و2000.

وواجه نسمان اتهاماً من «الجهاد الإسلامي» في فبراير (شباط) 1996، بأنه كان مسؤولاً عن قتل اثنين من نشطائها الميدانيين البارزين اللذين كانا مسؤولين عن هجوم في بيت ليد داخل إسرائيل أسفر عن مقتل أكثر من 20 إسرائيلياً. إذ تمت محاصرتهما داخل منزل في مخيم الشاطئ، على بُعد عشرات الأمتار فقط من مقر «المشتل» التابع لجهاز المخابرات الفلسطينية، وقتلا أثناء محاولة اعتقالهما بعد رفضهما تسليم نفسيهما.

وتقول مصادر مقربة من نسمان لـ«الشرق الأوسط»، إنه لم تكن له علاقة بذلك الحدث، وأن ضابطاً آخر كان المسؤول عنه. ورغم ذلك، لم يتم التأكد من ذلك من مصادر أخرى، مع أن بعض الشهادات في تلك الفترة أكدت وجوده في المكان.

الانتفاضة الثانية

وتنامت حالة العداء بين نسمان و«حماس»، إذ تصاعدت بموازاة اندلاع انتفاضة الأقصى الثانية نهاية عام 2000، وفرار عناصر «حماس» و«الجهاد الإسلامي» من سجون السلطة الفلسطينية.

طفل فلسطيني يرشق ناقلة جند إسرائيلية بالحجارة في مخيم الدهيشة بالقرب من بيت لحم في 5 يوليو 2002 (أرشيفية - رويترز)

كما اتخذت الخلافات مساراً حاداً بعد فوز حركة «حماس» في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، الذي شهد أيضاً محاولة اغتيال ثاني رئيس لجهاز المخابرات، أحمد شنيورة المعروف بـ«طارق أبو رجب»، تلتها محاولة اغتيال اللواء بهاء بعلوشة في الجهاز نفسه، والتي أدت إلى مقتل زوجته وأطفاله آنذاك.

وبلغ عداء نسمان وجهازه الأمني مع حركة «حماس» ذروته بعد سيطرة الحركة عسكرياً على حكم القطاع عام 2007، ما اضطره، مثل عشرات الضباط الآخرين، إلى الفرار خوفاً على حياته، في ظل الاتهامات المستمرة الموجهة إليه بأنه كان يعمل على اعتقال وملاحقة عناصر الحركة.

وتوجه نسمان عبر منافذ برية إسرائيلية إلى رام الله وبقي هناك، وأصبح لاحقاً مسؤولاً عن إدارة ملف غزة في جهاز المخابرات، ثم أصبح مستشاراً لرئيس الجهاز للمحافظات الجنوبية (قطاع غزة).

اتهامات وأحكام غيابية بالسجن

لم تتوقف فصول العداء بخروج نسمان من القطاع، إذ اتهمته «حماس» عام 2015 بأنه أدار من رام الله، شبكات داخل القطاع لإثارة «الفوضى» وتنفيذ محاولات اغتيال لقيادات ومسؤولين حكوميين يتبعون لها، ومحاولة زعزعة الأمن.

وأمهلت «حماس» نسمان في شهر أغسطس (آب) 2015، مدة 10 أيام لتسليم نفسه، ثم أصدرت بحقه في مارس (آذار) 2016، حكماً غيابياً بالسجن لمدة 15 عاماً مع آخرين نالوا أحكاماً أخرى بالسجن، بسبب الاتهامات نفسها، وذلك بعد أن نشرت اعترافات لعناصر أمن فلسطينية، قالوا خلالها إن «نسمان جنّدهم لتنفيذ هذه المخططات».

القيادي في «حماس» غازي حمد (يسار) والقيادي في فتح زكريا الأغا (يمين) يحملان بندقية الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات خلال احتفالية بمنزل عرفات في غزة نوفمبر 2015 (غيتي)

وتقول المصادر المقربة من نسمان لـ«الشرق الأوسط»، إن «تلك الاتهامات لا صحة لها، وأن ما كان يجري يأتي في إطار المناكفات التي كانت في خضم حالة الانقسام الفلسطيني».

وحتى خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة، اتهمت «حماس» نسمان بإدارة شبكة من عناصر جهاز المخابرات كانت تشرف على عملية دخول شاحنات مساعدات دولية وعربية إلى القطاع، مستخدمةً ذلك للتجسس، وهو أمر لم تعلق عليه حركة «فتح» أو السلطة الفلسطينية.

وخلال الشهور القليلة الماضية، التحق نسمان بصفوف الضباط المتقاعدين «قسراً وتهميشاً»، وفق ما تصف المصادر المقربة منه، ما دفعه لفتح علاقات جديدة بأصدقاء له يعملون حالياً لدى تيار القيادي المفصول من «فتح»، محمد دحلان، وكثيراً ما التقى بهم في القاهرة مؤخراً.

وتشير مصادر أخرى إلى أنه رُشح من قبل «تيار دحلان» لقيادة ملف الأمن العام ضمن اللجنة الجديدة.

موقف «حماس»

وأثار تفويض نسمان بملف الأمن كثيراً من الجدل في الأوساط الفلسطينية، ما طرح تساؤلات عن موقف «حماس» من هذا التعيين، خصوصاً في صفوف قواعدها الجماهيرية والتنظيمية من مستويات مختلفة، في ظل «العداء المعروف» تجاهه.

رسمياً، رحّبت «حماس» في بيان مشترك مع الفصائل الفلسطينية بتشكيل لجنة التكنوقراط دون اعتراض عليها، لكن مصادر من «حماس» قالت لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحركة مجبرة في هذه المرحلة الحرجة على أن تتجاوز أي خلافات كما تجاوزتها مع آخرين من قيادات السلطة الفلسطينية وحركة (فتح) وغيرهم، من أجل مصلحة الفلسطينيين في قطاع غزة».

وعقّب مصدر آخر من القيادات البارزة من الحركة بالقول: «الحركة لا تملك من أمرها شيئاً، لأنها تريد إنجاز اتفاق وقف إطلاق النار بما يُحقق بنوده وينقلنا بصفتنا فلسطينيين إلى مرحلة سياسية ووطنية جديدة».


مقالات ذات صلة

مصر تشدد على وحدة الأراضي الفلسطينية في غزة والضفة

شمال افريقيا حفارات في قرية سعير الفلسطينية قرب الخليل الجمعة (أ.ب)

مصر تشدد على وحدة الأراضي الفلسطينية في غزة والضفة

أدانت مصر التوسع الإسرائيلي في الأنشطة الاستيطانية، وتصاعد عنف المستوطنين والانتهاكات في القدس الشرقية والمسجد الأقصى.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شؤون إقليمية فلسطينيون يمشون وسط المباني المدمرة جراء الضربات الإسرائيلية على قطاع غزة (أ.ب)

إسرائيل تبلغ واشنطن بـ«مخاوف شديدة» إزاء اتفاق نزع السلاح مع «حماس»

قال مسؤول إسرائيلي إن إسرائيل أبلغت البيت الأبيض بـ«مخاوف أمنية خطيرة» بشأن اتفاق نزع السلاح المقترح مع حركة «حماس».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الخليج 
حفّارات خرّبها مستوطنون في قرية سعير الفلسطينية قرب الخليل أمس (أ.ب)

إدانة عربية وإسلامية للمخطط الاستيطاني «إي1»

أعربتِ السعودية والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا وقطر ومصر، أمس، عن إدانتها القاطعة لاستمرار سياسات إسرائيل الاستيطانية غير القانونية في الأرض

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شؤون إقليمية مظاهرة احتجاجية في إسطنبول ضد الهجوم الإسرائيلي على «أسطول الصمود» لدى توجهه بحراً إلى غزة في مايو الماضي (إعلام تركي)

تركيا تصدر مذكرات توقيف دولية ضد نتنياهو

أصدرت تركيا مذكرة توقيف دولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتهمة الإبادة الجماعية في غزة في وقت بلغ فيه التوتر ذروته بين أنقرة وتل أبيب.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي امرأة فلسطينية خلال جنازة سيدة قُتلت في غارة إسرائيلية قرب مستشفى ناصر في خان يونس (أرشيفية - أ.ف.ب)

إسرائيل تروّج مزاعم عن «مستشفى ناصر» توحي بنيّة مهاجمته من جديد

الجيش الإسرائيلي يروج لمزاعم عن استخدام «حماس» مجمع ناصر الطبي في خان يونس لتحقيقات ونشاط أمني، في توقيت تتصاعد فيه هجماته وخروقاته في غزة

نظير مجلي (تل أبيب)

​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​ الجيش الإسرائيلي قلق من التدخل الأميركي في النزاع مع تركيا

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات الجولان المحتلة (أرشيفية - د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات الجولان المحتلة (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​ الجيش الإسرائيلي قلق من التدخل الأميركي في النزاع مع تركيا

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات الجولان المحتلة (أرشيفية - د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات الجولان المحتلة (أرشيفية - د.ب.أ)

أفادت مصادر عسكرية في تل أبيب بأن القلق يسود لدى قيادة الجيش الإسرائيلي من التدخل الأميركي لتسوية النزاع مع تركيا، وقالت إن التصريحات الفظة للقيادة السياسية في إسرائيل، في أعقاب الغارة الإسرائيلية على مطار أبو الظهور قرب إدلب في عمق الأراضي السورية، وبشكل خاص من رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه، يسرائيل كاتس، قد تكون باهظة الثمن، وتؤدي إلى تقليص حرية النشاط الإسرائيلي، وتمس بالمصالح الأمنية والاستراتيجية.

وقالت هذه المصادر إن «الجيش أقدم على عمليات القصف في العمق السوري بلا ضجيج، بغرض وقف الزحف التركي إلى الجنوب».

وبحسب «القناة 12» للتلفزيون الإسرائيلي، فإن «العمليات الإسرائيلية كانت محدودة، وتعمدت عدم المساس بالبشر، واقتصار الضربات على تفجير المدرجات، لتكون بمنزلة إنذار وتحذير لتركيا من نشر طائرات متطورة دون طيار ومنظومات دفاع جوي وصواريخ دقيقة في القاعدة الجوية».

مطار «أبو الظهور» العسكري السوري (رويترز)

لكن نتنياهو وكاتس قررا استثمار هذا العمل في دعايتهما الانتخابية، من دون الأخذ في الحسبان التبعات الأمنية. وتسببت هذه التصريحات في تدخُّل أميركي حازم بدأ بتصريحات غاضبة من المبعوث الأميركي توم براك، قال فيها، إن «المعلومات الاستخباراتية التي استندت إليها إسرائيل في شن الغارات على مطار أبو الظهور لم تكن صحيحة»، واتهم إسرائيل بمحاولة استدراج تركيا إلى الصدام، ملمحاً إلى أن هناك صلة بالانتخابات الإسرائيلية، وانتهى بإجراء اتصالات مع أنقرة وتل أبيب لوقف التدهور، ووضع آليات جديدة لمنع صدام إسرائيلي تركي.

تقول تلك المصادر إن هذه الآليات يمكن أن تحد من النشاط الإسرائيلي في سوريا، وعودة الأتراك لخططهم في تقوية الجيش السوري، وتفعيل هذه المنظومات بطواقم تركية، وتساءلت: «ماذا سنفعل الآن إذا عاد الأتراك إلى نشاطاتهم؟».

وأضافت القناة أن القرار بشن الهجوم على المطار السوري «اتُّخذ بعد استنفاد المسار الدبلوماسي الذي شمل محادثات بواسطة الأميركيين، ونقل رسائل مباشرة (لتركيا)، وفي نهاية الأمر، أوصى الجيش الإسرائيلي بتنفيذ عملية محدودة بمهاجمة مدرجات المطار فقط، وليس شحنات الأسلحة نفسها، من أجل تمرير رسالة من دون التسبب باشتعال فوري للتوتر.

نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في مارس 2026 (د.ب.أ)

لكن تصريحات العربدة، التي قال فيها الوزير كاتس، إن الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، «يجر تركيا إلى مغامرة خطيرة في سوريا، وإسرائيل لن تسمح لأي جهة بتهديد أمنها»، وقوله الساخر بأن «خطابات إردوغان كاذبة وواهمة»، وتصريحات نتنياهو، الذي عد الرئيس التركي «أهوج معادياً للسامية»، نقلت الخلاف إلى عداء، وفتحت الباب أمام تدهور غير محسوب وغير مطلوب مع تركيا.

وخرجت صحيفة «هآرتس» بمقال افتتاحي شككت فيه بالادعاءات الإسرائيلية حول النشاط التركي، وقالت إن «تركيا ضالعة جداً في سوريا، لكنها تقلص مدى وجودها في شمال الدولة، والكثير من قواعدها العسكرية هناك شاغرة الآن. وفي إطار ذلك تقترب دمشق من السعودية والإمارات، وتلقى الحظوة لدى الولايات المتحدة وأوروبا. وهؤلاء جميعاً معنيون باستقرار الوضع في سوريا».

أضافت: «مسموح لإسرائيل بأن تكون قلقة من نفوذ الأتراك في سوريا خصوصاً وفي المنطقة عموماً، لكن هل القصف قادر على أن يبعد الأتراك؟ هل استنفدت الوسائل الدبلوماسية؟ هل حديث وحيد من رئيس «الموساد» مع وزير الخارجية السوري يمكنه أن يشكل بديلاً عن مسيرة دبلوماسية متواصلة؟ الحديث يدور عن دولة عضو في «الناتو» وحليف مقرب من الولايات المتحدة، وسابقاً من إسرائيل أيضاً؛ عن دولة توجد لها سفارة في تل أبيب. فهل فكر أحد كيف لحرب ضد تركيا أن تبدو وماذا ستكون أثمانها؟

المبعوث الأميركي الخاص توماس براك ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بدمشق في مايو 2025 (أ.ف.ب)

الباحث في «مركز ديّان» في جامعة تل أبيب، ميخائيل ميلشتاين، كتب مقالاً في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الأحد، قال فيه إن «نظام إردوغان هو دون شك خصم معادٍ لإسرائيل؛ ولذلك يجب أن تكون إسرائيل مستنفرة حيال جهوده للتموضع عند حدودها وإحباط ذلك، لكن العمل العسكري يجب أن يكون آخر الأدوات، وفقط بعد دراسة التحليلات والاعتبارات حيال سيناريو تطور مواجهة مع أنقرة وتبعاتها في جميع المستويات، العسكرية والسياسية والاقتصادية، بما يتعلق بتسيير خطوط طيران وتجارة وإمدادات الطاقة (لإسرائيل التي تمر من تركيا).

وتابع: «بضمن ذلك ماذا يعني فتح جبهة أخرى بينما جميع الجبهات الأخرى الدائرة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 لا تزال نشطة، وفي مقدمتها إيران التي يُفترض أن يكون برنامجها النووي في مركز الأجندة الإسرائيلية».

وخرج ميلشتاين باستنتاج أن هدف التصعيد الإسرائيلي هو سياسي موضحاً: «تخيم فوق كل هذا شبهة غير مستبعدة بشأن دوافع سياسية موجودة خلف خطوات نُطالب بأن ننظر إليها على أنها موضوعية، وتستند إلى ترجيح رأي مهني فقط، وكأداء يجب أن يحظى بإجماع داخلي».

دبابة إسرائيلية تسير على طول خط وقف إطلاق النار بين مرتفعات الجولان السورية التي تحتلها إسرائيل على جانبه الإسرائيلي يوم 20 أغسطس (رويترز)

وكتب المحرر العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، أن «الحكومة الإسرائيلية تهتم بتغذية النيران بالتزامن في عدد كبير من الجبهات. فإلى جانب لبنان وقطاع غزة والضفة الغربية، حيث ينشط مستوطنون من اليمين المتطرف بدعم من داخل الحكومة، تنضم الآن الجبهة السورية. يهدد نتنياهو وكاتس عدة مرات أسبوعياً أعداءً كثراً، والهدف ليس الردع، وإنما إنشاء أجندة تعكس حالة طوارئ أمنية متواصلة. ففي الوقت الذي لا يوجد فيه لدى الحكومة شيء تبيعه وتفشل في مهماتها الأساسية، تلجأ إلى الحجة الأمنية».

وقال نائب وزير الخارجية الأسبق، داني إيلون، في تصريحات صحافية إن إسرائيل لا تستطيع أن تبقى إلى الأبد مهيمنة على الأجواء السورية. وليس من الحكمة أن تفتح جبهة ثامنة مع تركيا. وما يجب أن يحصل الآن هو البحث عن حلول سياسية، تحديداً مع سوريا.


معركة «علي الطاهر» اختبار لقدرات «حزب الله»

سيدة ترفع صورة أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله خلال احتجاج نظّمه الحزب رفضاً للمفاوضات اللبنانية مع إسرائيل (أ.ب)
سيدة ترفع صورة أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله خلال احتجاج نظّمه الحزب رفضاً للمفاوضات اللبنانية مع إسرائيل (أ.ب)
TT

معركة «علي الطاهر» اختبار لقدرات «حزب الله»

سيدة ترفع صورة أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله خلال احتجاج نظّمه الحزب رفضاً للمفاوضات اللبنانية مع إسرائيل (أ.ب)
سيدة ترفع صورة أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله خلال احتجاج نظّمه الحزب رفضاً للمفاوضات اللبنانية مع إسرائيل (أ.ب)

تضع معركة مرتفعات «علي الطاهر» «حزب الله» أمام اختبار صعب لا يتعلق بقدرته على الدفاع عن التلة، ومنع سقوطها فحسب، وإنما يتجاوزها إلى تثبيت فاعلية الاستراتيجيات العسكرية التي طوّرها أخيراً بعدما فشلت الاستراتيجيات التقليدية في العامين الماضيين بالتصدي للتفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي.

فهل تستطيع إسرائيل، عبر السيطرة النارية والجوية والاستطلاع، خنق القوة الموجودة في المنطقة، وقطع مقومات صمودها، أم أن ما أعدّه الحزب تحت الأرض من تحصينات وأنفاق ومخازن وقدرات قتالية يمكن أن يمنحه هامشاً لمواصلة استنزاف القوات الإسرائيلية وإطالة أمد المواجهة؟

 

القدرة على المناورة

 

يرى العميد المتقاعد بهاء حلال أنه بالنسبة لوضعية «حزب الله» العسكرية، فإن «الأرض بالنسبة إليه ما زالت ذات قيمة استراتيجية، لكن قيمتها الدفاعية تتراجع تلقائياً إذا تحولت من منطقة مسيطَر عليها إلى منطقة مكشوفة وتحت المراقبة»، شارحاً ذلك بالقول: «القوة الأساسية للحزب ليست الاحتفاظ بقمة التلة وحدها، بل القدرة على العمل في العمق والمحيط خاصة، بينما تسعى إسرائيل إلى تحويل التفوق الجوي والاستطلاعي إلى تفوق أرضي دائم».

مرتفعات «علي الطاهر» الواقعة شرق مدينة النبطية كما تبدو من بلدة ميفدون في جنوب لبنان (الشرق الأوسط)

ويكشف حلال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «التحدي الأساسي أمام (حزب الله) يتمثل في الحفاظ على القدرة على المناورة. فإذا تمكنت إسرائيل من تثبيت وجودها، وفرض منطقة عازلة حول المرتفع، ومنع الحزب من الحركة، فإن ميزان القوة يبدأ تدريجياً بالتحول لمصلحتها».

وفي هذا السياق، يشكل التحصين تحت الأرض إحدى أبرز الأدوات التي يمكن أن يستفيد منها المدافع؛ إذ يتيح تقليص أثر التفوق الجوي، والحفاظ على قدر من الاستمرارية والبقاء، ومنع حسم المعركة بمجرد السيطرة على سطح الأرض، إلا أن حلال يحذر في المقابل من أن التحصينات، التي توفر الحماية من القصف، قد تتحول إلى عبء إذا أصبحت المنطقة المحيطة بها مساحة محاصرة أو معزولة.

 

جيوب معزولة؟

 

من هنا يبرز السؤال الأساسي في معركة «علي الطاهر»، بحسب حلال: «هل لا تزال المنشآت تحت الأرض تشكل شبكة متكاملة للمناورة والاتصال، أم أنها تحولت إلى جيوب معزولة؟».

ويقول حلال إن القدرة على اتخاذ القرار ونقله وتنفيذه، إلى جانب الحفاظ على قنوات الاتصال تحت الضغط، ستكون من أبرز التحديات التي تواجه الحزب، إلا أن نموذج «حزب الله» القائم تاريخياً على قدر من اللامركزية والمرونة قد يجعل استهداف موقع أو قيادة محلية غير كافٍ بالضرورة لإسقاط المنظومة بأكملها.

ويرى حلال أن هناك نقاط قوة للحزب تتمثل في المعرفة الجغرافية، والعمق التنظيمي، والاستفادة من طبيعة البيئة الجبلية، والقدرة على الاستمرار رغم خسارة مواقع. في المقابل، يرى أن أبرز نقاط الضعف تتمثل في التفوق الإسرائيلي في الاستطلاع والقوة الجوية، إضافة إلى خطر العزل.

ويقول إن نجاح إسرائيل في فصل «علي الطاهر» عن المجال العملياتي الأوسع للحزب سيضع القوة الموجودة فيها أمام وضع دفاعي أكثر صعوبة، كما أن تدمير القرى والطرق والمنازل يشكل، برأيه، ضغطاً استراتيجياً كبيراً؛ لأنه يضرب جزءاً من البيئة الاجتماعية والجغرافية التي تتحرك ضمنها أي قوة محلية.

 

 

شبكة من الأنفاق

إضافة إلى ذلك، يصف العميد المتقاعد جورج نادر تلة «علي الطاهر» بأنها ذات أهمية تكتيكية كبيرة، بوصفها تشرف على منطقة واسعة من شمال الليطاني وعلى أجزاء كبيرة من جنوبه، فضلاً عن رمزيتها التاريخية لكونها كانت سابقاً تحت الاحتلال الإسرائيلي.

ويشير نادر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن التلة تُعد، بحسب المعلومات التي يستند إليها، موقعاً مهماً لقيادة «قوات الرضوان»، وتضم منشآت تحت الأرض وشبكة من الأنفاق المرتبطة بالذخيرة واللوجستيات والصواريخ والطائرات المسيّرة والمقاتلين وغرف العمليات.

تصاعد الدخان من موقع غارات إسرائيلية استهدفت قمة مرتفعات «علي الطاهر» بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

ورقة قوة للتفاوض

 

يرى نادر أن سيطرة إسرائيل على التلة ستمنحها ورقة قوة وقدرة أكبر على فرض شروطها خلال جولات المفاوضات مقبلة، خصوصاً إذا تمكنت من تحويل السيطرة العسكرية إلى واقع ميداني ثابت.

وهو يعتقد أن القدرات التدميرية والتكنولوجية الإسرائيلية تجعل استهداف هذه المنشآت والأنفاق احتمالاً قائماً، محذراً من أن وجود كميات كبيرة من الذخائر والصواريخ في المنطقة قد يجعل أي عملية تدمير واسعة ذات تداعيات كبيرة.

 

هجوم إسرائيلي كبير

 

بناءً على ذلك، يتوقع نادر هجوماً إسرائيلياً كبيراً للسيطرة على التلة، معتبراً أن هذا الهدف قد يحمل أبعاداً سياسية بالنسبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يسعى لتوظيف السيطرة على الموقع لإظهار أنه نجح في ضرب مركز قيادة الحزب في الجنوب؛ ما يعزز أمن المستوطنات الشمالية، عشية الاستحقاقات الانتخابية الإسرائيلية.

أما الخيارات المقابلة أمام «حزب الله»، فيرى نادر أنها تبدو محدودة في ظل صعوبة الحركة في جنوب الليطاني؛ ما يجعل من الصعب، وفق تقديره، إلهاء القوات الإسرائيلية أو دفعها إلى تشتيت جهودها عبر فتح جبهات تحرك أخرى في المنطقة.


العراق: «الإطار التنسيقي» يتجه للعمل «كمجلس قيادة لإدارة الدولة»

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال حضوره اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال حضوره اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)
TT

العراق: «الإطار التنسيقي» يتجه للعمل «كمجلس قيادة لإدارة الدولة»

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال حضوره اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال حضوره اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)

بعد أقل من شهر على خروج اثنين من قيادات «الإطار التنسيقي» الشيعي منه، تم الإعلان، السبت، عن انضمام شبل الزيدي زعيم «كتائب الإمام علي» إليه، فيما كشف الشيخ همام حمودي القيادي البارز في الإطار وزعيم «المجلس الإسلامي الأعلى»، عن الاتجاه إلى تشكيل «مجلس قيادة للدولة»، محذراً من «مسعى لإشعال حرب شيعية - شيعية».

ويأتي قرار انضمام الزيدي الذي يرأس تحالف «خدمات» في البرلمان العراقي، بعد استجابته لدعوة الحكومة بحصر السلاح بيد الدولة، وتسليم سلاح مجموعته رسمياً. وكان الأمين العام لـ«الإطار التنسيقي»، عباس العامري، أعلن أن الزيدي «أصبح عضواً مشاركاً في اجتماعات الإطار بتواقيع وموافقة جميع قادة التحالف»، وسيشغل مكاناً ضمن دائرة القرار في الاجتماعات القيادية المقبلة.

كما يأتي هذا التطور في هيكلية «الإطار»، بعد استبعاد قياديين سابقين، هما «أبو آلاء الولائي» (مسؤول كتائب سيد الشهداء)، بسبب رفضه تسليم السلاح، وأحمد الأسدي الذي استُبعد إثر استدعائه من قبل القضاء الاتحادي بتهم تتعلق بالفساد.

زعيم «المجلس الإسلامي الأعلى» الشيخ همام حمودي (وكالة الأنباء العراقية)

إلى ذلك، حذر رئيس «المجلس الأعلى الإسلامي في العراق»، مما أسماه «مسعى لإشعال حرب شيعية - شيعية»، قائلاً إن «هدفها الظاهر حماية المصالح العامة، بينما يكمن باطنها في زعزعة النفوذ السياسي والاجتماعي الشيعي وإبعاد القوى المؤثرة من مواقعها».

وقال حمودي، خلال مشاركته في جلسة نقاشية ضمن أعمال مؤتمر «حوار بغداد الثامن» الذي ينظمه «المعهد العراقي للحوار»، إن «وجود المرجعية العليا، والالتزام الديني ووعي أبناء الشعب العراقي بحقيقة المؤامرة الخبيثة... كل ذلك سيحول دون نجاح أي رهان على حرب شيعية - شيعية»، مؤكداً: «لن يفلحوا».

وفي الشأن الأمني، دعا حمودي إلى «بناء قوات مسلحة عراقية بروحية وطنية، تكون حماية أرواح الشعب ومصالحه وسيادته غايتها، بعيداً عن أي تأثير سياسي أو اجتهادات شخصية». ونفى وجود «حاكمية شيعية في العراق»، مشيراً إلى أن الحكومة «ائتلافية توافقية بمشاركة جميع الأحزاب». لكنه في مقابل ذلك، وفيما يتعلق بـ«الإطار التنسيقي»، أوضح حمودي أن «الإطار يتجه حالياً إلى تحمل مسؤولية حكومته، عبر متابعة الإجراءات والسياسات من خلال لجان متخصصة، والحضور الفاعل في الرؤى والتوجهات، والعمل بصيغة مجلس قيادة للدولة».

رئيس الجمهورية

إلى ذلك، وفي مواجهة الحجج التي تسوقها بعض الفصائل المسلحة الرافضة حتى الآن تسليم سلاحها حتى بعد انتهاء المهلة المقررة لها في الثلاثين من شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، أكد الرئيس العراقي نزار آميدي، أن حصر السلاح بيد الدولة «يمثل قراراً وطنياً ودستورياً»، مشدداً على ضرورة تنفيذه «بحكمة ومسؤولية وطنية بعيداً عن التدخلات الخارجية أو التصادم، وبما يحفظ الدماء ويعزز سيادة الدولة».

الرئيس العراقي نزار آميدي (واع)

وقال آميدي: «إن الدستور والمراجع في النجف والقوى السياسية والشعب العراقي جميعاً يؤكدون ضرورة حصر السلاح بيد الدولة»، مشيراً إلى أن «ائتلاف إدارة الدولة أعلن دعمه الكامل للقائد العام للقوات المسلحة في تطبيق هذا المبدأ».

وأضاف: «أن العراق، دستوراً وحكومةً وشعباً وبرلماناً، لا يقبل استخدام أراضيه لاستهداف أي دولة... وحصر السلاح بيد الدولة يجب أن يُنفذ بما يحفظ الدماء ويعزز سيادة الدولة».

«البيشمركة»

لكنه وفي رد على ما باتت تطرحه «الفصائل المسلحة» من شروط جديدة لتتخلى عن سلاحها، ومن بينها «تفكيك سلاح البيشمركة» الكردية فضلاً عن «الوجود التركي» في أجزاء من شمالي العراق، قال رئيس الجمهورية: «إن (البيشمركة) قوة نظامية دستورية حالها حال الجيش والحشد الشعبي والقوات الأمنية»، مؤكداً أنها «مؤسسات دستورية ونظامية عراقية ولها دور أساسي في حماية البلاد والدفاع عن سيادتها، وليست طرفاً في قضية حصر السلاح بيد الدولة».

«قوات البيشمركة» الكردية في طريقها إلى مواقع قرب كركوك (أرشيفية - رويترز)

وأشار آميدي إلى أن «الجميع حريص على عدم انزلاق العراق إلى الحرب» في المنطقة، قائلاً إن العراق «بلد أنهكته الحروب، وهذه ليست حربنا، لكنه يتأثر بتداعياتها الاقتصادية والأمنية بسبب موقعه وعلاقاته مع إيران».