سامي نسمان... قصة ضابط عادته «حماس» وعاد ليدير أمن غزة

مصادر مقربة: انضم شاباً إلى «فتح» وشكّل خلية قتلت متعاونين مع «الشاباك»

TT

سامي نسمان... قصة ضابط عادته «حماس» وعاد ليدير أمن غزة

اللواء الفلسطيني سامي نسمان (إكس)
اللواء الفلسطيني سامي نسمان (إكس)

لم يكن أشد المتفائلين بتغيير واقع الحكم في قطاع غزة، يتوقع أن تشمل قائمة «لجنة إدارة غزة» أسماء شخصيات كانت توصف بأنها من أشد خصوم «حماس».

وفوجئ الكثيرون على المستوى السياسي الفصائلي والشعبي بظهور سامي نسمان، أحد أبرز ضباط جهاز المخابرات الفلسطينية منذ تأسيسه، بوصفه شخصية مُختارة لقيادة الملف الأمني في غزة.

ويمتلك نسمان تاريخاً حافلاً يوصف بـ«العداء» والملاحقة من قبل حركة «حماس»، التي بدا أنها لم تملك خيار رفض الأشخاص الذين اختيروا للانضمام إلى اللجنة.

من هو سامي نسمان؟

وُلد سامي نسمان في مخيم الشاطئ بغرب مدينة غزة عام 1967، وعاش معظم حياته في حي الشيخ رضوان شمال المدينة. ومع بدايات دراسته الثانوية والجامعية، انضم إلى «الشبيبة الفتحاوية» -التنظيم الشبابي لحركة «فتح»-ونشط في الانتفاضة الأولى التي انطلقت عام 1987. كما شارك في أنشطة ثورية جعلت منه مطارداً من قبل القوات الإسرائيلية، بعد أن شكّل خلية استهدفت من اعتُبروا متعاونين مع جهاز «الشاباك»، ما اضطره، إلى جانب عدد من نشطاء «فتح»، إلى الهرب خارج قطاع غزة عام 1988.

عاش نسمان فترة قصيرة حالة من العداء، وُصفت بـ«البسيطة»، مع نشطاء حركة «حماس» في بداية تأسيسها عام 1987، إلا أنها سرعان ما تلاشت بعد خروجه من غزة.

وخلال فترة فراره تنقل نسمان ما بين القاهرة وتونس، وعواصم أخرى، والتقى خلال تلك الفترة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، كما تسرد مصادر مقربة منه سيرته لـ«الشرق الأوسط».

عودة إلى غزة... عودة إلى العداء

وفي عام 1994، مع بدء دخول السلطة الفلسطينية إلى أراضي قطاع غزة وأجزاء من الضفة الغربية وفق اتفاق «أوسلو» عام 1993، عاد نسمان إلى جانب آخرين إلى القطاع، ليقطن لاحقاً حي الشيخ رضوان، وأصبح منذ ذلك الوقت ضابطاً كبيراً في جهاز المخابرات الفلسطينية العامة، وكان بمثابة اليد اليمنى لأمين الهندي أول رئيس للجهاز.

المصافحة التاريخية برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون بين ياسر عرفات وإسحاق رابين بعد توقيع اتفاق «أوسلو» بواشنطن في سبتمبر 1993 (غيتي)

كما كان نسمان متنفذاً بشكل كبير داخل الجهاز، وفي عموم أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، وفي أروقة مؤسسات حركة «فتح»، وكان يوصف في كثير من الفترات بأنه «رقم صعب»، كما تقول المصادر.

وتوضح المصادر أن نسمان تولى مسؤوليات مهمة داخل جهاز المخابرات، منها المكتب الخاص لرئيس جهاز المخابرات، ثم أصبح مسؤول دائرة مكافحة التجسس، كما تولى مسؤولية دائرة مباحث شؤون الأجانب الذين يسمح لهم بدخول قطاع غزة، إلى جانب مهام وملفات أخرى.

وفي أعقاب عودته لغزة، ومع نشاط الأجهزة الأمنية الفلسطينية ضد نشطاء «حماس» و «الجهاد الإسلامي»، اتهم بقيادة حملة اعتقالهم ما بين أعوام 1996و2000.

وواجه نسمان اتهاماً من «الجهاد الإسلامي» في فبراير (شباط) 1996، بأنه كان مسؤولاً عن قتل اثنين من نشطائها الميدانيين البارزين اللذين كانا مسؤولين عن هجوم في بيت ليد داخل إسرائيل أسفر عن مقتل أكثر من 20 إسرائيلياً. إذ تمت محاصرتهما داخل منزل في مخيم الشاطئ، على بُعد عشرات الأمتار فقط من مقر «المشتل» التابع لجهاز المخابرات الفلسطينية، وقتلا أثناء محاولة اعتقالهما بعد رفضهما تسليم نفسيهما.

وتقول مصادر مقربة من نسمان لـ«الشرق الأوسط»، إنه لم تكن له علاقة بذلك الحدث، وأن ضابطاً آخر كان المسؤول عنه. ورغم ذلك، لم يتم التأكد من ذلك من مصادر أخرى، مع أن بعض الشهادات في تلك الفترة أكدت وجوده في المكان.

الانتفاضة الثانية

وتنامت حالة العداء بين نسمان و«حماس»، إذ تصاعدت بموازاة اندلاع انتفاضة الأقصى الثانية نهاية عام 2000، وفرار عناصر «حماس» و«الجهاد الإسلامي» من سجون السلطة الفلسطينية.

طفل فلسطيني يرشق ناقلة جند إسرائيلية بالحجارة في مخيم الدهيشة بالقرب من بيت لحم في 5 يوليو 2002 (أرشيفية - رويترز)

كما اتخذت الخلافات مساراً حاداً بعد فوز حركة «حماس» في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، الذي شهد أيضاً محاولة اغتيال ثاني رئيس لجهاز المخابرات، أحمد شنيورة المعروف بـ«طارق أبو رجب»، تلتها محاولة اغتيال اللواء بهاء بعلوشة في الجهاز نفسه، والتي أدت إلى مقتل زوجته وأطفاله آنذاك.

وبلغ عداء نسمان وجهازه الأمني مع حركة «حماس» ذروته بعد سيطرة الحركة عسكرياً على حكم القطاع عام 2007، ما اضطره، مثل عشرات الضباط الآخرين، إلى الفرار خوفاً على حياته، في ظل الاتهامات المستمرة الموجهة إليه بأنه كان يعمل على اعتقال وملاحقة عناصر الحركة.

وتوجه نسمان عبر منافذ برية إسرائيلية إلى رام الله وبقي هناك، وأصبح لاحقاً مسؤولاً عن إدارة ملف غزة في جهاز المخابرات، ثم أصبح مستشاراً لرئيس الجهاز للمحافظات الجنوبية (قطاع غزة).

اتهامات وأحكام غيابية بالسجن

لم تتوقف فصول العداء بخروج نسمان من القطاع، إذ اتهمته «حماس» عام 2015 بأنه أدار من رام الله، شبكات داخل القطاع لإثارة «الفوضى» وتنفيذ محاولات اغتيال لقيادات ومسؤولين حكوميين يتبعون لها، ومحاولة زعزعة الأمن.

وأمهلت «حماس» نسمان في شهر أغسطس (آب) 2015، مدة 10 أيام لتسليم نفسه، ثم أصدرت بحقه في مارس (آذار) 2016، حكماً غيابياً بالسجن لمدة 15 عاماً مع آخرين نالوا أحكاماً أخرى بالسجن، بسبب الاتهامات نفسها، وذلك بعد أن نشرت اعترافات لعناصر أمن فلسطينية، قالوا خلالها إن «نسمان جنّدهم لتنفيذ هذه المخططات».

القيادي في «حماس» غازي حمد (يسار) والقيادي في فتح زكريا الأغا (يمين) يحملان بندقية الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات خلال احتفالية بمنزل عرفات في غزة نوفمبر 2015 (غيتي)

وتقول المصادر المقربة من نسمان لـ«الشرق الأوسط»، إن «تلك الاتهامات لا صحة لها، وأن ما كان يجري يأتي في إطار المناكفات التي كانت في خضم حالة الانقسام الفلسطيني».

وحتى خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة، اتهمت «حماس» نسمان بإدارة شبكة من عناصر جهاز المخابرات كانت تشرف على عملية دخول شاحنات مساعدات دولية وعربية إلى القطاع، مستخدمةً ذلك للتجسس، وهو أمر لم تعلق عليه حركة «فتح» أو السلطة الفلسطينية.

وخلال الشهور القليلة الماضية، التحق نسمان بصفوف الضباط المتقاعدين «قسراً وتهميشاً»، وفق ما تصف المصادر المقربة منه، ما دفعه لفتح علاقات جديدة بأصدقاء له يعملون حالياً لدى تيار القيادي المفصول من «فتح»، محمد دحلان، وكثيراً ما التقى بهم في القاهرة مؤخراً.

وتشير مصادر أخرى إلى أنه رُشح من قبل «تيار دحلان» لقيادة ملف الأمن العام ضمن اللجنة الجديدة.

موقف «حماس»

وأثار تفويض نسمان بملف الأمن كثيراً من الجدل في الأوساط الفلسطينية، ما طرح تساؤلات عن موقف «حماس» من هذا التعيين، خصوصاً في صفوف قواعدها الجماهيرية والتنظيمية من مستويات مختلفة، في ظل «العداء المعروف» تجاهه.

رسمياً، رحّبت «حماس» في بيان مشترك مع الفصائل الفلسطينية بتشكيل لجنة التكنوقراط دون اعتراض عليها، لكن مصادر من «حماس» قالت لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحركة مجبرة في هذه المرحلة الحرجة على أن تتجاوز أي خلافات كما تجاوزتها مع آخرين من قيادات السلطة الفلسطينية وحركة (فتح) وغيرهم، من أجل مصلحة الفلسطينيين في قطاع غزة».

وعقّب مصدر آخر من القيادات البارزة من الحركة بالقول: «الحركة لا تملك من أمرها شيئاً، لأنها تريد إنجاز اتفاق وقف إطلاق النار بما يُحقق بنوده وينقلنا بصفتنا فلسطينيين إلى مرحلة سياسية ووطنية جديدة».


مقالات ذات صلة

«كأنها رسالة تهديد»... ماذا تضمن أحدث مقترح لنزع سلاح غزة؟

خاص مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ) p-circle

«كأنها رسالة تهديد»... ماذا تضمن أحدث مقترح لنزع سلاح غزة؟

أكدت مصادر من حركة «حماس» لـ«الشرق الأوسط» تلقي وفدها مقترحاً بشأن نزع السلاح من قطاع غزة، من قبل الهيئة التنفيذية لـ«مجلس السلام»... وكشفت عن بعض بنوده.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تعد وجبة في مخيم النصيرات للاجئين شمال دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»... تحركات جديدة من الوسطاء لكسر الجمود

تحركات جديدة بشأن مسار اتفاق وقف إطلاق في قطاع غزة، الذي زاد تعثره منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا فلسطيني يحمل جثمان أحد أقربائه قتل في غارة جوية إسرائيلية بمدينة غزة (أ.ف.ب)

«سلاح حماس»... تحرك لـ«مجلس السلام» بغزة في توقيت مربك

حراك جديد لدفع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وسط تصاعد حرب إيران، مع تسريبات إعلامية بأن «مجلس السلام» قدم مقترحاً لحركة «حماس» لنزع سلاحها.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا مقر وزارة الخارجية المصرية (الهيئة العامة للاستعلامات)

مصر قلقة إزاء «المنحى التصاعدي» لأعمال العنف في الضفة

أعربت مصر عن بالغ قلقها إزاء «المنحى التصاعدي» لأعمال العنف التي ينفذها المستوطنون في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق 
«صوت هند رجب» قد تتأخر حظوظه (مايم فيلمز)

الهند تمنع عرض فيلم «صوت هند رجب» كونه «مسيئاً» إلى علاقتها مع إسرائيل

منعت الهند عرضَ فيلم «صوت هند رجب» الذي يتناول مقتل طفلة فلسطينية تبلغ 5 سنوات برصاص القوات الإسرائيلية في غزة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

العراق يوقف 4 أشخاص على خلفية إطلاق صواريخ نحو سوريا

قاعدة تل بيدر العسكرية في الحسكة سوريا 8 يونيو 2025 (رويترز)
قاعدة تل بيدر العسكرية في الحسكة سوريا 8 يونيو 2025 (رويترز)
TT

العراق يوقف 4 أشخاص على خلفية إطلاق صواريخ نحو سوريا

قاعدة تل بيدر العسكرية في الحسكة سوريا 8 يونيو 2025 (رويترز)
قاعدة تل بيدر العسكرية في الحسكة سوريا 8 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن العراق، مساء الثلاثاء، أنه أوقف أربعة أشخاص أطلقوا صواريخ قبل يوم نحو قاعدة عسكرية في شمال شرق سوريا.

وقال المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان في بيان: «أقدمت عناصر خارجة عن القانون على إطلاق مجموعة من الصواريخ من (منطقة) ربيعة بواسطة عجلة نوع (كيا) باتجاه الأراضي السورية» مساء الاثنين، مشيراً إلى أن القوات الأمنية العراقية «تمكنت من إلقاء القبض على أربعة من المنفذين وضبط العجلة، وإحالتهم إلى الجهات المختصة للتحقيق معهم».

من جهته، أكد مكتب رئيس الوزراء العراقي، مساء ​الثلاثاء، توقيف السلطات أربعة أشخاص للاشتباه في ضلوعهم في الهجوم الصاروخي الذي ‌وقع ​على ‌قاعدة ⁠عسكرية ​في شمال شرق ⁠سوريا.

وصرّح مصدران أمنيان عراقيان لوكالة «رويترز» للأنباء، الاثنين، بأن سبعة صواريخ على ⁠الأقل أُطلقت من ‌بلدة ‌ربيعة ​العراقية ‌باتجاه قاعدة عسكرية أميركية ‌في شمال شرق سوريا.

إلا أن الجيش السوري أعلن ‌بعد ساعات أن إحدى قواعده العسكرية في ⁠الحسكة ⁠بشمال شرق البلاد تعرضت لهجوم صاروخي، دون الإشارة إلى ما إذا كانت القاعدة أميركية أو تضم قوات ​أميركية.

وكانت وزارة الدفاع السورية أعلنت في وقت سابق هذا الشهر أن قوات الجيش تسلّمت قاعدة رميلان العسكرية بعدما انسحبت منها قوات التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن منذ 2014 لمحاربة تنظيم «داعش».


الجيش الإسرائيلي يعلن قتل 5 عناصر من وحدة «حزب الله» المضادة للدبابات

صورة التُقطت من منطقة مرجعيون في لبنان تظهر دخاناً يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية كفر تبنيت في جنوب البلاد 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة التُقطت من منطقة مرجعيون في لبنان تظهر دخاناً يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية كفر تبنيت في جنوب البلاد 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يعلن قتل 5 عناصر من وحدة «حزب الله» المضادة للدبابات

صورة التُقطت من منطقة مرجعيون في لبنان تظهر دخاناً يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية كفر تبنيت في جنوب البلاد 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة التُقطت من منطقة مرجعيون في لبنان تظهر دخاناً يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية كفر تبنيت في جنوب البلاد 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أفاد الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، بأنه قتل خمسة عناصر من وحدة «حزب الله» المضادة للدبابات في غارة جوية استهدفت بلدة بنت جبيل في جنوب لبنان مطلع هذا الأسبوع، حسبما أفادت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل».

وأوضح الجيش الإسرائيلي أنه استهدف مركزَي قيادة في البلدة كانت تستخدمهما وحدة «حزب الله» المضادة للدبابات، وذلك خلال عمليات نفّذتها قوات الفرقة «91 الجليل» الإقليمية في المنطقة.

وأفاد الجيش بمقتل خمسة عناصر من وحدة «حزب الله» المضادة للدبابات في إحدى الغارات.

وفي غارات إضافية شنها الجيش ليلة الاثنين، استهدف مواقع أخرى تابعة لـ«حزب الله» في المنطقة، من بينها منصات إطلاق صواريخ مضادة للدبابات.


لبنان: الاستهدافات الإسرائيلية المتنقلة توسّع القلق... وتشديد أمني لمواكبة النزوح

جنود من الجيش اللبناني يتفقدون الموقع الذي سقطت فيه صواريخ تم اعتراضها في منطقة ساحل علما شمال بيروت (أ.ب)
جنود من الجيش اللبناني يتفقدون الموقع الذي سقطت فيه صواريخ تم اعتراضها في منطقة ساحل علما شمال بيروت (أ.ب)
TT

لبنان: الاستهدافات الإسرائيلية المتنقلة توسّع القلق... وتشديد أمني لمواكبة النزوح

جنود من الجيش اللبناني يتفقدون الموقع الذي سقطت فيه صواريخ تم اعتراضها في منطقة ساحل علما شمال بيروت (أ.ب)
جنود من الجيش اللبناني يتفقدون الموقع الذي سقطت فيه صواريخ تم اعتراضها في منطقة ساحل علما شمال بيروت (أ.ب)

مع تزايد موجات النزوح إلى مناطق أكثر أمناً، لا سيما في بيروت وجبل لبنان، تتكثف الضغوط على الأجهزة الرسمية لضمان الاستقرار ومنع أي اختراقات أمنية، في وقت ترتفع فيه مخاوف السكان من تداعيات هذا الواقع، وهو الأمر الذي تحول إلى محور اجتماعات يومية بين المسؤولين والقادة الأمنيين.

اجتماعات مكثفة لتعزيز الاستقرار الأمني

وقال رئيس الجمهورية جوزيف عون، الثلاثاء، إن اللقاءات التي يعقدها مع المسؤولين الكبار والأحزاب هدفها تعزيز الاستقرار الأمني في الداخل وتحصين الوحدة الوطنية واستمرار تماسك المجتمع اللبناني، لافتاً إلى أنه «واثق بأن اللبنانيين حزمة واحدة في مواجهة التحديات الراهنة».

كذلك عُقد اجتماع وزاري، الثلاثاء، برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، خُصّص لبحث التطورات العسكرية والمالية، إلى جانب متابعة ملف النازحين واحتياجات الإيواء والإغاثة.

وعقب الاجتماع، أعلن وزير الإعلام بول مرقص أن رئيس الحكومة شدّد على أهمية الاجتماعات اليومية، مشيراً إلى اتخاذ إجراءات لتعزيز الأمن في بيروت وعدد من المناطق، منعاً لأي إشكالات، فيما عرض وزير الدفاع آخر التطورات الميدانية، لا سيما فيما يتعلق بالاعتداءات الإسرائيلية والوضع على الحدود اللبنانية - السورية.

وزير الداخلية: إجراءات لحماية النازحين والمجتمعات المضيفة

ومع الاستهدافات الإسرائيلية المتنقلة التي تطول عناصر وقيادات في «حزب الله» و«الحرس الثوري» في مناطق مدنية، إضافة إلى المعلومات التي أشارت إلى وجود أسلحة في مراكز للنازحين، رفعت الأجهزة الأمنية مستوى الجهوزية، مع تعزيز الانتشار في المناطق الحساسة وتكثيف العمل الأمني لمواكبة أي تطورات ميدانية، وهو ما أكد عليه وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار، يوم الثلاثاء، مشدداً بعد ترؤسه اجتماع مجلس الأمن الداخلي المركزي، على «أن الدولة تتابع حركة النزوح بشكل مباشر، بالتوازي مع إجراءات تهدف إلى حماية النازحين والمجتمعات المضيفة».

وأكد أن «مدينة بيروت تحظى باهتمام مضاعف من حيث الانتشار الأمني، إلى جانب حضور واسع في مناطق جبل لبنان، في محاولة لاحتواء أي تداعيات محتملة»، مشيراً إلى «التوجه نحو تعزيز الإجراءات الأمنية وزيادة الحضور الأمني».

وأوضح أن «الحضور الأمني له وجهتان: الأولى، عمل أجهزة المعلومات والمخابرات التي تعمل على جمع المعلومات ومواكبة كل ما يحصل على الأرض، والثانية، الحضور الميداني باللباس العسكري، الذي يؤمّن نوعاً من الطمأنينة، ويشكل في الوقت نفسه عامل ردع، مع الجهوزية للتدخل عند الضرورة».

المبنى الذي استُهدف بغارة إسرائيلية في منطقة بشامون في جبل لبنان (أ.ب)

وتأتي هذه الإجراءات في ظل تصاعد نوعي في الاستهدافات الإسرائيلية التي لم تعد محصورة في الجنوب، بل امتدت إلى مناطق مدنية في بيروت وجبل لبنان وعدد من المناطق.

وآخر هذه الضربات سُجّل الثلاثاء في منطقة بشامون في جبل لبنان حيث سقط عدد من القتلى والجرحى، وقبلها يوم الاثنين في الحازمية شرق بيروت، حيث استُهدفت شقة سكنية في غارة أدت إلى سقوط قتيل، وذلك في سياق عمليات تقول إسرائيل إنها تستهدف عناصر مرتبطة بـ«حزب الله» و«الحرس الثوري» الإيراني.

السلاح في مراكز الإيواء

في موازاة ذلك، ومع الشكاوى من ظهور مسلّح لعناصر في «حزب الله» في بعض مراكز النزوح، شدد الحجار على أن «وجود السلاح في مراكز الإيواء غير مقبول»، كاشفاً عن إصدار توجيهات واضحة بهذا الشأن، مع تأكيده أن القوى الأمنية ستتدخل عند الضرورة.

إجراءات تنظيمية وأمنية مشددة

ومع تجاوز عدد النازحين المليون شخص وارتفاع منسوب القلق لدى السكان، تبقى المسؤولية الأهم على الجهات المستهدفة من قبل إسرائيل، وتحديداً «حزب الله» عبر اتخاذ قرار بعدم تواجد قيادييه في المناطق السكانية، في موازاة ما يمكن وصفه بـ«الأمن الذاتي» الذي تقوم به البلديات في مختلف المناطق اللبنانية.

وهذا الأمر يتحدث عنه بوضوح رئيس بلدية الحازمية، جان الأسمر، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «المجلس البلدي عقد اجتماعاً إثر استهداف المنطقة بعد ظهر الاثنين، أقرّ خلاله حزمة إجراءات تنظيمية وأمنية بدأ تنفيذها اعتباراً من صباح الثلاثاء، بالتنسيق الكامل مع الأجهزة الأمنية التي فعّلت بدورها حضورها الميداني».

عناصر الجيش اللبناني في محيط المبنى الذي استهدف في منطقة الحازمية شرق بيروت (أ.ف.ب)

وأوضح الأسمر أن الإجراءات تتضمن إعادة التدقيق في هويات القاطنين داخل الشقق السكنية، ومنع دخول أي أشخاص إضافيين، إلى جانب التنسيق مع رؤساء لجان الأبنية لضبط الوضع ضمن أعلى درجات الانضباط، فضلاً عن منع وجود سيارات غير مسجلة، والتشدد في حظر أي نوع من الأسلحة.

وأشار إلى أن هذه التدابير ستُطبّق بصرامة أكبر خلال ساعات الليل، بما يضمن تعزيز الاستقرار ومنع أي خروقات.

وكشف أنه تلقى اتصالاً من نائب رئيس المجلس الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، وعقد اجتماعاً معه، حيث تم التأكيد على ضرورة التزام الجميع بهذه الإجراءات، واتخاذ ما يلزم لضبط المخالفات، مشيراً كذلك إلى أنه (الخطيب) أبلغه بأنه «أكد لمن يلزم ضرورة الالتزام بهذه التعليمات».

لا مشكلة مع النازحين بل مع من يعرضون حياتهم للخطر

وأكد رئيس البلدية أن الحازمية «لا تواجه أي مشكلة مع النازحين الذين استقبلتهم بكل محبة»، مشدداً على أن الإشكالية تكمن في «الأشخاص الذين يتسللون ويعرّضون النازحين والأهالي للخطر، وهؤلاء لا مكان لهم في المنطقة»، مؤكداً على كل من يشعر بأنه مستهدف «أن يبتعد عن المناطق السكنية؛ إذ لا يجوز تعريض المدنيين للخطر تحت أي ظرف».

فتاة تحمل كتاباً في مركز للنزوح (أ.ف.ب)

ولفت الأسمر إلى أن «النازحين في الحازمية يقيمون في شقق مستأجرة وليس في مراكز إيواء، ويبلغ عددهم نحو 260 عائلة، بينها نحو 50 عائلة ضمن نطاق المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى»، مشيراً إلى أن المبنى الذي استُهدف يُعد من أضخم الأبنية في المنطقة. وختم بالتأكيد على أن «المسؤولية الفردية تبقى الأساس»، معتبراً أنه «من غير المقبول أن يقصد من يعلم أنه مستهدف مناطق مكتظة بالسكان، ما يعرّض الجميع للخطر».