يوم انهيار كابل... والرهان على واشنطن

يوم انهيار كابل... والرهان على واشنطن

الجمعة - 12 محرم 1443 هـ - 20 أغسطس 2021 مـ رقم العدد [15606]
مينا العريبي
مساعدة رئيس التحرير السابقة، عملت مديرة مكتب «الشرق الأوسط» في واشنطن بين عامي 2009- 2011 وهي الان رئيسة تحرير صحيفة «ذا ناشيونال» الإماراتية

سيذكر يوم 15 أغسطس (آب) 2021 أنه تاريخ تولي «طالبان» السلطة في أفغانستان من دون معارك تذكر. سيسجل هذا التاريخ على أنه اليوم الذي انهارت فيه الدولة في كابل، ويوم خسر كل من راهن على الولايات المتحدة والتزامها بحلفائها. لا شك أن التاريخ لا يحسم بيوم واحد، وأن الأوضاع في أفغانستان ستتطور وتتبلور معها ملامح الدولة الجديدة في الأشهر المقبلة. لكن هناك ساعات مفصلية تحدد مسار أمم، وهذه ساعة تحديد مسار الولايات المتحدة ونظرة العالم إليها.
عندما خرج الرئيس الأميركي جو بايدن عن صمت دام يومين حول أحداث أفغانستان المتسارعة، وألقى خطاباً مقتضباً، بعث فيه بثلاث رسائل أساسية؛ الأولى أنه راضٍ عن قرار الانسحاب، بما في ذلك طريقة تطبيق هذا القرار وما أحدثه من فوضى. الثانية أنه يعتبر منع الهجمات الإرهابية المباشرة على المصالح الأميركية الهدف الأول لبلاده، من دون الحديث عن مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية التي عادة تتحدث عنها الولايات المتحدة. الرسالة الثالثة، الولايات المتحدة لا تبالي لبناء الأنظمة السياسية.
بدوره، عندما ألقى الناطق باسم «طالبان» ذبيح الله مجاهد تصريحه الأول بعد وصوله إلى كابل، قال: «لقد هزمنا قوة عظمى». هذه الكلمات الأربع ترد على تصريحات بايدن وعلى الموقف الأميركي المتراجع منذ سنوات. عندما هاجم زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن الولايات المتحدة يوم 11 سبتمبر (أيلول) 2001 أراد أن يكسر شوكة الولايات المتحدة. بحلول أغسطس 2021 انكسرت شوكتهم حقاً.
لا شك أن الولايات المتحدة ما زالت قوة عظمى ولديها قدرات عسكرية واقتصادية تجعلها في مقدمة دول العالم. لكن منذ هزيمة الاتحاد السوفياتي، أصبحت الولايات المتحدة تعتبر نفسها «دولة لا غنى عنها»، دولة تتمتع برؤية للعالم. تعرضت سمعة الولايات المتحدة لضربات عدة خلال السنوات الماضية، مثل فضيحة سجن أبو غريب في العراق وعدم تحرك الرئيس الأميركي باراك أوباما لوقف الحرب في سوريا وغيرها. لكن هذا الأسبوع كان الوضع مختلفاً. الطائرات العسكرية الأميركية أقلعت وحولها المدنيون الأبرياء الساعون للفرار من مستقبل مجهول بعد 20 عاماً من إصرار الولايات المتحدة على أنها حاملة راية حقوق الإنسان في وجه الإرهاب والتطرف. لقد أنزلت واشنطن بانسحابها الفوضوي هذه الراية.
الكلمة التي يكررها الأفغان أكثر من أي كلمة أخرى هي «الغدر». الانسحاب الأميركي نفسه كان متوقعاً، ولكن طريقة الانسحاب هي التي أدهشت الأفغان وباقي العالم، بقدر ما اندهش بانهيار النظام السياسي الأفغاني.
لم يكن في أفغانستان خلال الأشهر الماضية سوى 3500 جندي أميركي، ما يعني أن غالبية العبء للسيطرة على الأراضي الأفغانية كان يقع على عاتق القوات والشرطة الأفغانية. لكن وجود هؤلاء الجنود الأميركيين كان دليلاً على الالتزام الأميركي. كما كانت الولايات المتحدة توفر الدعم اللوجيستي والاستخباراتي والغطاء الجوي للقوات الأفغانية. بين ليلة وضحاها، كل هذا الدعم تم سحبه، وتركت القوات الأفغانية وحدها، بعد أن تم تدريبها بالاعتماد على ذلك الدعم.
الإمبراطورية الحديثة لا تعتمد على قواعد عسكرية شاسعة، لكن تعتمد على التحالفات وعلى سمعة الدولة العظمى والتزامها بحلفائها. ومنذ تولي الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما الرئاسة عام 2009 ولليوم، شهدت الإمبراطورية الأميركية تراجعاً، تكلل بانتكاستها يوم 15 أغسطس 2021.
سرعة انهيار السلطة المدنية في كابل يمثل انهيار أي تصورات بقيت على إمكانية الاعتماد على الولايات المتحدة، بل على أي قوة خارجية. والضرر أوسع من الولايات المتحدة. فقوات حلف شمال الأطلسي «الناتو» والسفارات الغربية جميعها انسحبت من كابل، بينما بقيت الصين وروسيا.
يتابع «حلفاء» الولايات المتحدة التطورات في أفغانستان بتمعنٍ، ويتقنون الدروس مما يحدث. فعندما يتخذ الساسة قرار الانسحاب، تسقط كل تعهدات القيادات العسكرية. وهذا الأمر ينطبق في العراق وغيره من دول عربية تعتمد على الدعم العسكري والسياسي الأميركي. كان من اللافت ذهاب رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي يوم الاثنين الماضي إلى الموصل، التي تحررت قبل نحو 4 أعوام من «داعش». كان الكاظمي يريد أن يبعث برسالة طمأنة لمدينة انهارت فيها سلطة الدولة العراقية بعد أن أهملها القادة في بغداد، وفي الخارج.
هناك جيل عاصر حرب فيتنام قد لا يتفاجأ مما يحدث، لكن هناك جيلاً وعى العالم والولايات المتحدة هي القوة الكبرى والأهم. ورغم أخطائها كانت تمثل أكثر من غيرها أملاً في التغيير الإيجابي. هذا الجيل اليوم أيقن أن واشنطن حتى وإن كانت قادرة، لا تريد أن تقود التغيير الإيجابي. وبعد العقدين الماضيين، ربما حان الوقت لطي صفحة «الحلم الأميركي» بدعم الاستقرار في العالم.
من المستغرب أن الرئيس الأميركي ينوي استضافة قمة عن الديمقراطية نهاية هذا العام. بحلول تلك القمة ستكون مظاهر الديمقراطية قد تغيرت في أفغانستان، وربما من الأفضل أن تختفي من عنوان قمة بايدن، وتتحول إلى شعار سلفه دونالد ترمب الأكثر صدقاً وملاءمة لما يجري اليوم «أميركا أولاً».
وبالطبع، الأمر لا يقتصر على الولايات المتحدة. فبعد أن وعد بالتوصل إلى حل يمنع انهيار لبنان، فشل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في إحداث أي تغيير، رغم تصريحاته القوية ولقاءاته المتكررة مع اللبنانيين. بالطبع، لا يمكن لرئيس فرنسا أو رئيس الولايات المتحدة أن يحقق أمراً في بلد من دون ساسة محليين ملتزمين بدولهم. وفي هذه الحال، يجب أن يمتنع هؤلاء القادة الأجانب عن قطع وعود يخلفونها لاحقاً.
بعد عقدين من «الحرب على الإرهاب» وبعد 3 عقود من فوز الرأسمالية على الشيوعية، يدخل العالم أجمعه منحى جديداً. التطورات التي نشهدها في أفغانستان ستؤثر على محيطها الإقليمي والعالم العربي لسنوات. الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) ينس ستولتنبرغ قال يوم الثلاثاء: «علينا تعلم الدروس» مما حدث في أفغانستان. تعلم الدروس هو المطلوب اليوم، ليس فقط من قبل «الناتو»، بل من قبل الجميع.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو