كل الناس حلوين

كل الناس حلوين

الأحد - 23 ذو الحجة 1442 هـ - 01 أغسطس 2021 مـ رقم العدد [15587]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.

هناك من المعارك ما يجري مواجهة وبالأيدي. ومنها ما يجري عبر الكلمة واللحن. وهناك اليوم أغنية تلاقي نجاحاً طيباً لأنها نزلت طرفاً في معركة. وصاحبها هو المغني والمؤلف الفرنسي فابيان مارسو. وعنوانها «ناس حلوة». والحقيقة أن لا ناقة لمارسو في هذه القضية ولا جمل. لكنه خاضها من باب المبدأ، وانتصاراً لما يعتبره حقاً من الحقوق. أي حق؟
حق الفرد في ألا يكون بهي الطلعة. فليس هناك قانون يلزم البشر قاطبة بأن يكونوا جميلين كالقمر، رشيقين مثل أغصان البان، لهم عيون ظباء وشعر حرير على الخدود يهفهف ويرجع يطير.
بدأت المعركة من عبارة قالها على الهواء ناقد فني معروف، انتقد فيها شكل مغنية شابة تدعى هوشي ووصفها بأنها مرعبة. والتقط المغني تلك العبارة وأدخلها في أغنيته الجديدة، وكتب نصاً يستهجن فيه الزمن الذي يفرض على المطربين والمطربات أن يكونوا كاملي الأوصاف، جديرين بأغلفة المجلات الصقيلة. إن العظيمة إديت بياف لم تكن حسناء، ولا الكبير شارل أزنافور، لكن موهبة كل منهما اخترقت كل معايير الوسامة والجمال.
في ختام الأغنية، يوجه المغني الكلام إلى الناقد مباشرة، ويقول له ما معناه اخرس، فالجمهور الذي يقدر المواهب يحب أن يرى صور هوشي على الملصقات والإعلانات. فهل سمع الناقد الكلام وسكت؟ لا، بل تقدم ببلاغ ضد المغني. والطريف أنه يطالب بنصيب من حقوق المؤلف طالما أن الأغنية تضمنت عبارة له.
تلقفت وسائل الإعلام القضية وسارعت تستجوب محامي هذا الطرف وذاك الطرف. ليس أشطر منا، معشر الصحافيين، في صب الزيت على النار. إن الدنيا صيف وإجازات وكسل، وليس في الأنباء موضوعات مثيرة، و«كورونا» لم تعد الشغل الشاغل، وحتى دورة طوكيو لم تأتِ بنتائج باهرة لأبطال فرنسا. لا بأس، والحال هذي، أن تكون هوشي هي الحدث، وأن يكون المغني فابيان مارسو هو البطل.
إنه عاشق للرياضة، له قامة تقارب المترين. لعب كرة السلة مع فريق للناشئة في الضواحي وتوقع له مدربوه مستقبلاً طيباً. ثم تحطم الحلم وانحرف المسار. قفز الشاب الفارع في بركة ضحلة للسباحة وارتطم جسمه بالقاع. تضعضع عموده الفقري وقال الأطباء إنه سيبقى مشلولاً مدى الحياة. ما كان يمكن لمراهق في السابعة عشرة أن يتقبل ذلك الحكم. قاوم بضراوة وواصل تمرينات العلاج الطبيعي. وبعد سنتين عاد إلى الوقوف على ساقيه، بمساعدة العكاز. شطب على كرة السلة واحترف الفن. يكتب ويلحن ويؤدي كلمات لا تشبه الأنماط الشائعة. تخلى عن اسمه الذي ولد به واتخذ لنفسه اسماً فنياً غريباً: «الجسد الكبير المريض».
هو اليوم في الثالثة والأربعين. يحب الفرنسيون شخصيته وأفكاره الواضحة. مغن لا يتلوى ولا يتأوه أو يفتعل الحزن. لا يرقص ولا يأتي بمن يرقص وراءه. يقف على المسرح يبشر بالأمل. صحيح أن موضة الأغنية الملتزمة قد انتهت لكن «الجسد الكبير المريض» ظاهرة فريدة، وموضوعاته الإنسانية تلقى تجاوباً وتقديراً. يتحدث عن سكان الضواحي المكتظة الذين نشأ وسطهم. عن عائلات لا يرى أبناؤها البحر إلا في الصور. استوقفته طفلة سورية تدعى يانا، تمد يدها للمارة في أحد أحياء شمال باريس، فأهداها أغنية بعنوان «عند الضوء الأحمر». يقول إن وراء كل عينين عند الإشارة الضوئية حكاية كبيرة. واليوم يتعاطف الكثيرون معه في معركته القضائية بسبب أغنية «ناس حلوة». ليت «الجسد الكبير المريض» يستمع إلى أم كلثوم وهي تغني: «كل الناس حلوين...».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو