الكاميرا الخفية والشخصيات العامة

الكاميرا الخفية والشخصيات العامة

الأحد - 25 ذو القعدة 1442 هـ - 04 يوليو 2021 مـ رقم العدد [15559]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

الساسة، والمعلقون، في متابعتهم في بريطانيا لاستقالة وزير الصحة والرعاية الاجتماعية مات هانكوك، بعد تسريب فيديو وهو يعانق مستشارة في الوزارة، ركزوا على التساؤل عن سبب تعيينها في الوزارة باعتباره «فساداً» (رغم غياب منفعة مادية؛ فدخلها السنوي، حسب التقاعد، أقل من دخل عامل نظافة في البلدية)، وعدم الشفافية. الاستقالة كانت «لازدواجية المعايير»؛ فالمستشارة تلامس الوزير الذي أصدر تعليمات بالتباعد الصحي بمسافة مترين. زعيم المعارضة العمالية، السير كيير ستارمر، في المواجهة البرلمانية، ركز في أسئلته لرئيس الوزراء، بوريس جونسون، على سبب عدم إقالة الأخير للوزير هانكوك قبل استقالته بنفسه.
والسير كيير قلد «بي بي سي» والمعلقين (المستمرين حتى كتابة هذه السطور) في طرح السؤال نفسه، وعما إذا كان رئيس الحكومة «ضعيف الشخصية» لا يجرؤ على إقالة أحد، أو أنه «رجل طيب وعلى نياته» لا يريد أن يؤذي مشاعر أحد، ومتسامح عند ارتكاب المسؤولين الأخطاء. وقد تكون صفات طيبة في شاب تقدّم ليد ابنتك، لكنها سلبية ومضرة بالنسبة لزعيم سياسي يقود البلاد في مرحلة حرجة.
الأسئلة أعلاه بالطبع مشروعة في أي نظام برلماني ديمقراطي يحاسب الحكومة والوزراء، وأيضاً من جانب سلطة رابعة مهمتها أن تكون عين الشعب على المؤسسة السياسية.
لكني كمؤرخ وصحافي «ليبارتالي» لديّ شكوك كبيرة في دوافع طرح الأسئلة من هاتين الزاويتين فقط (وهي النيل من المستر جونسون شخصياً والإطاحة بزعامته)، لأن الساسة والمعلقين طارحي الأسئلة هم من أنصار العودة للاتحاد الأوروبي، ويعتبرون استمرار جونسون في زعامة الحزب الحاكم عائقاً لمحاولتهم عكس مسيرة «بريكست». ما يقوي شكوكي (ويزعج الديمقراطيين الحقيقيين) هو تجاهل المعلقين لمسألة مهمة تاريخياً لم يطرحها إلا نواب المحافظين الليبارتاريين أنفسهم ضد حكومتهم، وهي الحرية الشخصية، والمسؤولية، مثل: «مَن وضع كاميرات المراقبة في مكتب الوزير» حيث التقط فيلم معانقة الوزير للمستشارة؟ و«مَن صرح بهذا؟»، و«ما الجهة التي تسجل الفيديو؟»، و«هل هي المخابرات؟ وأي قسم منها؟»، أم «قطاع خاص لمقاول إلكترونيات؟»، خاصة أن كل عقود الإنترنت والإلكترونيات للوزارات والمؤسسات الحكومية يديرها قطاع خاص، و«كيف تتم محاسبة الجهة أو المقاولين أو مَن يقوم بالمراقبة، من جانب ممثلي الشعب، أي البرلمان؟»، بجانب أسئلة أخرى بالغة الأهمية حول الأمن القومي للبلاد، ماذا إذا كان الشخص أو الجهة التي سربت الفيديو للصحافة (والهدف فضح الوزير) يمكن استمالته بالمال، أو ابتزازه بتسجيلات مماثلة له، لتقديم معلومات حساسة وفيديوهات من الوزارات إلى جهات أجنبية منافسة، كالصين وروسيا، أو معادية تضمر شراً، كإيران مثلاً؟
وبالنسبة لصحافي عجوز مثلي من المدرسة الكلاسيكية، فتجاهل الصحافة هذه الأسئلة مأساة مهنية لا تُغتفر لسببين يعودان لتدني المستوى المهني؛ أولهما التفكير بذهنية «قطيع المراسلين» محاكين بعضهم بعضاً، والتخلي عن الحياد المهني باستهداف جونسون وأنصاره، وثانيهما تجاهل أهم سؤالين عن الأمن القومي وعن حماية الفرد، وزيراً كان أو غفيراً، وخصوصياته من التجسس بكاميرا «الأخ الأكبر».
كما تطرح الواقعة سؤالاً يشغلني منذ عقود عن الخلط بين العام والخاص، وكيف أن الشخصية العامة، سواء أكانت زعيماً سياسياً أو نجماً مشهوراً أو صحافياً (خاصة مع انتشار التلفزيون الذي جعل الصحافي معروف الوجه بعد أن كان معروفاً بالاسم لا الوجه في زمن جلالة سيطرة الصحافة المطبوعة على المشهد العام)، تصبح هدفاً ليست فقط لازدحام العامة بدافع الإعجاب أو الفضول، بل أيضاً للإهانة والشتائم، وأحياناً الاعتداء.
ففي الأسبوع نفسه، تعرض حكيمباشي الصحة العامة، البروفسور كريستوفر ويتي لمعانقة كريهة من شابين ثملين، بشكل مخيف، أثناء سيره في حديقة عامة، واتضح أنهما يريدان التقاط صورة «سيلفي» معه على تليفونيهما، وهي اليوم بمثابة «دفتر الأوتوغراف» الذي كان جيلنا يحمله ليجمع فيه توقيعات المشاهير. لكنها كانت تجربة مزعجة بالنسبة للرجل (لدرجة أن مدير أحد الشابين فصله من عمله، وبوليس العاصمة يجري تحقيقاً). البروفسور ويتي قذفه منجنيق الصدفة التلفزيونية إلى عالم الشهرة رغم إرادته، لتكرر ظهوره مع رئيس الوزراء ومع اللجان البرلمانية في توجيه الشعب لطرق الوقاية من الوباء لأكثر من عام. وبالطبع ارتفعت الأصوات مطالبة البوليس بتوفير حماية لهذه الشخصيات، وهو أمر غير معقول وغير مطلوب. غير معقول لغياب ما يكفي من إمكانيات البوليس لتوفير هذه الحراسة، وغير مطلوب لأننا نعيش في مجتمع ديمقراطي مفتوح وحر، فغالباً ما يفضل الوزير التنقل بوسيلة مواصلات عامة، أو السير على الأقدام عائداً إلى بيته لتنفس الهواء، والحراسة ستفسد هذه المتعة.
والصحافي في زمن إمكانية التعرف عليه من التلفزيون عليه أن يتحمل الجانبين؛ زحمة الإعجاب، واحتجاج أصحاب الرأي المضاد، الذي يبلغ أحياناً حد الإهانة والسباب (ما أتلقاه يومياً من إهانات على وسائل التواصل الاجتماعي قد يعرض كثيرهم للمحاكمة والغرامة، وربما السجن، لو كان في الحياة العادية تحت القانون في بريطانيا)، ونتعلم أن نتعايش معه. فمن ناحية، من يتمتع بإمكانية مخاطبة الرأي العام يصبح شخصية عامة عليه تحمل التبعات، والأخذ في الاعتبار أن الغالبية الساحقة من المتلقين (العامة) ليست لديهم وسيلة متاحة لوجهة نظر مخالفة غير التواصل الاجتماعي، وقد يتجاوز البعض وتفلت أعصابهم، ومن ناحية أخرى، أنا من الذين يقدسون حرية الرأي والتعبير، حتى ولو بلغت حد الإهانة، ما دامت لا تصل إلى العنف والاعتداء الجسمي. وأذكر حضوري جنازة في الجامع المركزي في لندن عام 2003، تصادف أنها يوم الجمعة، والمنطقة مزدحمة بمسلمي لندن، وأغلبهم من الباكستانيين. وفجأة التف حولي مجموعة من الشباب (من أصول آسيوية) الغاضبين «لحيادي» في التعليق التلفزيوني، بدلاً من إدانتي لغزو العراق، وكان طوق النجاة تاكسي لندن الأسود! لكن سائقي تاكسيات لندن مِن أكثر مَن تخشاهم الشخصية العامة؛ فهم أصحاب رأي في الأحداث، لا تجرؤ على مخالفته؛ فمرة ناقشني أحدهم سياسياً بحدة، فمازحته بالقول: «لو كان الشعب انتخب سائقاً من تاكسيات لندن زعيماً بعد تشرشل لكانت الشمس لا تزال ساطعة على الإمبراطورية»، فأوقف التاكسي وطلب مني النزول فوراً؛ فكيف يجرؤ صحافي على السخرية من أهم ممثل للرأي العام!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو