إميل أمين
كاتب مصري
TT

مبادرة السلام السعودية هي الحل

لا يعود التاريخ القهقرى أبداً إلى الوراء، إنه يمضي، حتى إن خلّف وراءه الكثير من المآسي، وما على المرء إلا أن يتعلم منها الدروس.
يعن للمرء وفي ضوء ما جرى الأيام الماضية من تجدد للصراع الذي يظن البعض أنه سوف يبقى إلى ما شاء الله بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أن يتساءل: «ماذا لو كانت إسرائيل قد قبلت مبادرة المملكة العربية السعودية للسلام، التي طرحت في القمة العربية التي انعقدت في شهر مارس (آذار) عام 2002 في العاصمة اللبنانية بيروت؟».
من باب التذكير الذي ينفع المؤمنين، طرح الملك عبد الله بن عبد العزيز (ولي العهد وقتها) رحمه الله، رؤية لسلام شامل وعادل في الشرق الأوسط، يبدأ من عند القضية الفلسطينية، ليعم أرجاء منطقة طال بها الألم والموت.
كانت المبادرة في كلمات قليلة تبغي قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967، والتوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، يتفق عليها وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، ثم الانسحاب من هضبة الجولان.
في المقابل تعتبر الدول العربية أن النزاع العربي - الإسرائيلي قد انتهى، مع الدخول في اتفاقية سلام بينها وبين إسرائيل، مع تحقيق الأمن لجميع دول المنطقة، وإنشاء علاقات طبيعية مع إسرائيل في إطار السلام الشامل.
عقدان من الزمن راوغت فيهما إسرائيل، ولهذا لم تحرز سلاماً حقيقياً ناجحاً، ولا هيأت الأجواء لأمن حقيقي يسود المنطقة، ولهذا لم يكن من الغريب أو العجيب أن يشتعل الداخل الفلسطيني كل عدة سنوات.
يوماً تلو الآخر تبذل إسرائيل الجهود لا لكي تعمق تعايشاً يفضي إلى السلام في نهاية المطاف، بل للفرار من أية استحقاقات سلمية، معتبرة أن أي اتفاقيات سلام سوف تكبل يديها، وتتهرب حتى من القيود الأميركية الطفيفة الموضوعة عليها عن طريق أفعال أحادية الجانب، تسهل لها اقتطاع أفضل الأراضي في الضفة الغربية، تاركة الفلسطينيين المعدمين في بقعة صغيرة ممزقة إلى شظايا متباعدة من أراضيهم، عطفاً على احتجاز عشرات الآلاف من السجناء العرب.
ما هي العقبة الكؤود في طريق السلام في الأرض المحتلة؟
من غير اختصار مخل، تتمثل في إيمان الكثيرين داخل إسرائيل، بأن لهم الحق في الاستيلاء على أراضي أصحابها الأصليين، عبر ذرائع لا يمكن أن تُقبل عقلاً أو نقلاً، إضافة إلى محاولاتهم المستمرة والمستقرة لتبرير الاضطهاد المتزايد للفلسطينيين، والجهود التي تبذل لإخضاعهم، والعهدة هنا على الراوي الرئيس الأميركي الأسبق، جيمي كارتر، في مؤلفه الشهير «فلسطين سلام لا تفرقة عنصرية».
دائماً كان رهان إسرائيل على حصان القوة المسلحة.. على الآلة العسكرية وبطشها، لكن فات القيادات هناك عبر ثمانية عقود تقريباً أن ترسانة الأسلحة الجهنمية التي تمتلكها، يمكنها أن تحدث موتاً وخراباً في البشر والحجر، لكنها لا تستطيع أن تقتل إرادة الحياة والبقاء عند أصحاب الأرض من الفلسطينيين.
ومن بين الرهانات الإسرائيلية الخاسرة، يأتي الرهان على الدعم الخارجي، المتمثل في الولايات المتحدة أولاً، والعالم الأوروبي ثانية، أولئك الذين نصروا وناصروا إسرائيل على مرمى البصر ومن غير روية أو تبصر عميقين.
لكن المشهد اليوم تعتريه تغيرات جذرية في الداخل الأميركي، وهذا ما تغفله حكومة نتنياهو التي تغازل اليمين الإسرائيلي المتطرف، ذلك أن هناك أجيالاً أميركية جديدة شابة، من غير الواسب، أو الأنغلو - ساكسون، سيصبحون الأكثرية العددية خلال بضعة عقود، لم يعودوا أسرى الروايات الإسرائيلية التقليدية، أو الصور النمطية التي روّجتها إسرائيل عن العرب الهمجيين.
ولعل المشروع الذي تقدمت به النائبة الديمقراطية الشابة، ألكسندريا أوكاسيو - كورتيز، الأسبوع قبل الماضي، مع عدد من زملائها لوقف صفقة أسلحة حديثة لإسرائيل، يعكس قدر الخطورة التي تمثلها سياسات إسرائيل الأحادية التوجه.
ماذا عن النظرة الأوروبية لما يجري في الداخل الفلسطيني المحتل؟
الحال تغني عن السؤال، والمظاهرات الشعبية التي خرجت هناك رفضاً للعنف غير المبرر الأخير من الجانب الإسرائيلي تخبرنا بما يمكن أن تمضي به الأقدار تجاه العلاقات الإسرائيلية - الأوروبية.
ما يحدث في إسرائيل اليوم أمر كارثي يتجاوز مسألة الصواريخ التي تقصف بها مدنها، رداً على الغارات الوحشية التي تشنها على قطاع غزة، إذ يقترب المشهد من حرب أهلية داخلية، فقد فوجئت حكومة نتنياهو بالاشتباكات داخل الخط الأخضر، بين المواطنين العرب واليهود، الأمر الذي لن تقوى إسرائيل على الحياة معه.
على شاشة قناة «العربية» يقر عامي أيالون رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك»، بأن إسرائيل كانت تعيش على وهم أنها تستطيع أن تحصل على كل شيء بالقوة، لكن كل هذه الأوهام انهارت خلال أسبوع واحد.
الطريق إلى السلام كما قال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود مرهون بإسرائيل وتحقيق الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية حسب المبادرة السعودية للسلام... الهروب لا يفيد.