ما قبل الحرب على فلسطين وما بعدها

ما قبل الحرب على فلسطين وما بعدها

الجمعة - 9 شوال 1442 هـ - 21 مايو 2021 مـ رقم العدد [15515]
رضوان السيد
كاتب وأكاديميّ وسياسي لبناني وأستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية

قلتُ في مقالة سابقة لي عن حَدَث فلسطين إنّ كُتّاب «نصائح الملوك» ومرايا الأُمراء الكلاسيكية كانوا ينصحون ذوي السلطان أن يتجنبوا الحرب ما أمكن، لأنها تتضمن «مجهولاً» لا يمكن حسبان مفاجآته وآثاره سلفاً! ولو تأملنا وقائع نضال الشعب الفلسطيني الأسطوري في عظمته وتضحياته، لوجدنا أنّ انتفاضة الحجارة في أواخر الثمانينات من القرن الماضي كانت الأكثر تأثيراً وآثاراً. وهذا لا يعني التقليل من شأن «الكفاح المسلَّح»، الذي كان مؤثراً بالطبع، ولكنه ما كان حاسماً. وبالطبع فإنّ المناضلين المسلَّحين أنفسهم كانوا ذوي إسهامٍ أساسي في تنظيم الكفاح المدني الشامل بالداخل.
لكنّ ذلك يدلُّ على أنهم فهموا «دروس» الكفاح المسلَّح لما يزيد يومها على العشرين عاماً. وعلى مدى ثلاثين عاماً من القتال والتفاوض والمسالمة والتقاطع بين فصائل منظمة التحرير الفلسطينية من جهة، والكيان الصهيوني من جهة ثانية، ما شارك إسلاميو «الإخوان» (الذين صاروا حماساً) في «الجهاد». وإذا اعتبرنا انتفاضة الحجارة هي السبب المباشر لاتفاقيات أوسلو؛ فإنّ الاختلاف حول «أوسلو» حصل داخل المجتمع السياسي الإسرائيلي، وداخل المجتمع السياسي الفلسطيني والعربي. وفي الأعوام التالية لأوسلو وعام 1993 ما حدث قتل إسحق رابين فقط، بل وحدث «الجهاد»، الذي قادته «حماس» والتنظيمات الأصغر عبر العمليات الانتحارية المتكاثرة في المدن الإسرائيلية. ورغم أنّ المفاوضات لإكمال إنفاذ «أوسلو» استمرت على تقطع حتى عام 2001؛ فإنّ متغيراتٍ كثيرة جرت داخل أنصار السلام في المجتمع الإسرائيلي وتعملُق أحزاب اليمين والمستوطنين حتى اليوم. ومن جهة المجتمع الفلسطيني فإنّ «حماس» تعملقت إلى أن استولت على غزة عام 2007 بعد خروج الإسرائيليين منها؛ وما يزال الأمر على ذلك أيضاً حتى اليوم. وبين الانفصال بغزة واليوم حدثت عدة حروبٍ تخريبية ضد غزة ما كانت حاسمة للجهتين، لأنّ الإسرائيليين لم يعودوا لاحتلال غزة، كما أنّ «حماس» و«الجهاد» ما أمكنهم بالطبع توسيع رقعة استيلائهم أو تحريرهم كما يسمون هم الأمر.
لقد كانت فترة الرئيس دونالد ترمب الفظيعة على الفلسطينيين وعلى العرب حاسمة في إيصال السلطة الفلسطينية إلى حالة من اليأس، أرادت التمرد عليها باللجوء للاتفاق مع «حماس» على إجراء انتخابات نيابية ورئاسية. وقد اعتقدت أنها بذلك تدفع الأميركيين والأوروبيين والعرب والإسرائيليين لاعتبار وجودها وهمومها أو يسيطر «الجهاد» الحماسي والإيراني (الذي كان وراء انفصال غزة في الأصل). وما وجدت السلطة الفلسطينية أي اهتمام، بل كان سلوك الجميع كأنما هم يريدون الخلاص من محمود عباس و«فتح» دونما تفكيرٍ باليوم التالي، ولذلك تراجع عباس عن الانتخابات تأجيلاً للسقوط المصيري، مثيراً بذلك سخط الجميع!
وما كنتُ مسروراً بخطوة عباس، لكنني كنتُ موقناً أنّ «حماس» و«الجهاد» ما عادا يملكان قرارهما، وأنّ إيران صارت تتعامل مع غزة واستخدامها مثل تعاملها مع العواصم العربية الأربع التي تقول إنها تسيطر عليها. ولذلك اعتبرتُ تحشُّد الجماهير للصلاة في الأقصى، والتضامن مع حي الشيخ جراح، شيئاً يشبه انتفاضة الحجارة في أواخر الثمانينات. وبالفعل فقد كان هناك تضامنٌ عالمي حتى في المجتمع السياسي الأميركي من حول الانتفاضة المدنية لشباب القدس وفلسطين. انسحبت الشرطة الإسرائيلية من الأقصى، وأُوقفت أحكام المصادرة والتهجير، بل وعاد الحديث عن مصائر القدس وحلّ الدولتين. إنّ هذا الحراك الكبير جرى خارج سطوة «حماس»، وخارج أفق محمود عباس، وقد تضايق الطرفان منه، وبالطبع فإنّ «حماس» كانت الأشدّ ضيقاً. من شهر وأكثر جاء «الحماسيون» و«الجهاديون» إلى دمشق وجددوا التخطيط والتخليط الذي صار تصميماً بعد تأجيل الانتخابات. وقبل أسبوع من تدفق الصواريخ «الجهادية» و«الحماسية» على الأرض المحتلة قديماً، أخبرني أصدقاء ألمان وأميركيون أنّ «حماس» ذاهبة إلى الحرب، وأنّ لديهم وعوداً إيرانية بالمساندة إن لم يكن من لبنان فمن الجهة السورية. وفي مقابل الخطاب الانتصاري لإسماعيل هنية من الدوحة قبل خمسة أيام، هناك استغاثة من جانبه بخامنئي يوم 18-5-2021. ومنطقه مثل منطق نصر الله عام 2006: لو كنت أعلم!
ماذا بعد القتل الذريع والتخريب الذريع، أو ماذا بعد غزة؟
صواريخ غزة ما كان لها داعٍ، وقد أضرّت بانتفاضة الأقصى، ونضالات سكان الشيخ جراح. وما جرى على القطاع يفطر القلب، ويفطر القلب أيضاً ما يجري في المناطق الفلسطينية المحتلة قديماً وحديثاً. لكنّ التضامن الشعبي العربي والغربي عاد إلى سابق عهده وأكثر. وحلّ الدولتين اليوم على كل شفة ولسان. وهذا كله بعد نحو عشر سنوات من أيام أوباما وترمب، حيث ما عاد أحدٌ من العرب أو الدوليين يعتبر ذلك ممكناً. ويكون علينا ألا ننسى أنه خلال عقدٍ وأكثر كانت الحروب بين «حماس» و«الجهاد» من جهة، وجيش الصهاينة تتوالى وتتكاثر، من دون أن يُحدث ذلك أثراً من أي نوع، مع أنّ جرائم تلك الحروب وبخاصة عامي 2012 و2014 ما كانت أقلَّ هولاً. فالذي حرّك العالم بالفعل ليس تغير الإدارة الأميركية بالدرجة الأولى، بل التمرد المدني والمُدُني للشعب الفلسطيني في كل مكانٍ بالقدس والضفة وما وراء الخط الأخضر. لا بد من حلٍّ لقضية السبعة ملايين فلسطيني بداخل فلسطين التاريخية، ومثلهم وأكثر في بلدان الجوار واللجوء والاغتراب.
وينبغي أن نتنبه إلى أمرين: التحركات العربية التي برزت فيها مصر والأردنّ، يجب أن تصبح جهداً عربياً شاملاً. وهذا الجهد المطلوب في الوقت الذي يتوجه إلى المجتمع الدولي، يكون عليه الاهتمام بإخراج إيران من فلسطين، ومن العراق وسوريا ولبنان واليمن؛ ومن فلسطين أولاً، أو يستمر الخراب بدلاً من التحرير في سائر الأنحاء!
والأمر الآخر الشديد الدلالة والأهمية: عودة الإسلام الصحوي والإخواني إلى الإطلال برأسه باعتباره هو الدين الصحيح، وهو آيديولوجيا التحرير. لقد سمعنا دعاة أخاونة يعتبرون من يقول إنّ الإسلام دينٌ إبراهيمي إنما يدعو إلى دينٍ جديد! بيد أنّ أحداً من هؤلاء ما علّق بشيء على نداء إردوغان للتشارك في القدس بين اليهود والمسيحيين والمسلمين! وقد طلب منا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن نستعيذ بالله من المنافق العليم اللسان. لا بد من التنبه للاستغلال الأشدّ فتكاً بالإسلام من «داعش» و«القاعدة»، لأنه يربط ذلك كلّه بفلسطين وإقبال صواريخ المتأخونين على تحريرها: «يؤتي الحكمة من يشاء، ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة