المندفعون إلى الحرب والمجرورون إليها!

المندفعون إلى الحرب والمجرورون إليها!

الجمعة - 2 شوال 1442 هـ - 14 مايو 2021 مـ رقم العدد [15508]
رضوان السيد
كاتب وأكاديميّ وسياسي لبناني وأستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية

لا أحد يريد الحرب، لكنّ الجميع يبدون منزلقين باتجاهها! آخر ما كان المراقبون ينتظرونه تجدد إطلاق النار في فلسطين. قديماً كان كُتّاب نصائح الملوك أو «مرايا الأُمراء» يقولون ويكررون: إنّ الملك الحكيم الحريص على بقاء مُلكه ومهما كان قوياً فإنه يتجنب الحرب؛ لأنّ فيها «مجهولاً» عصياً على التوقع! مَنْ الذي أرغم أبو مازن على الدخول في لعبة الانتخابات حتى إذا اشتعل أُوارُها أقدم على الهرب منها بحجة اعتراض الإسرائيليين على إجراء انتخاباتٍ في القدس.
وقد كان أبو مازن وصحبه يعرفون ذلك منذ البداية: فهل كان محمود عباس يريد إخافة الأوروبيين والأميركيين والعرب من استيلاء «حماس»، وعندما وجدهم لا يأبهون سارع إلى الانسحاب بعد أن خسر الانتخابات سلفاً وقبل إجرائها؟ ومن جهة أخرى: هل أقبل نتنياهو باتجاه الحرب بعد أن كُلّف غيره تشكيل الحكومة؛ وهو ما يعني نهاية لحياته السياسية؟ المراقبون الإسرائيليون أنفسهم محتارون. ذلك أنّ التحرش بالمصلين في الأقصى من جانب الشرطة والمستوطنين يحدث مراتٍ في العام وبرمضان ومن دون رمضان. وكان التحرش الكثيف يحصل وينقضي الأمر من دون الدخول في الحرب. لكن إذا كان محمود عباس ونتنياهو وكلٌّ لأسبابه الخاصة يريدان تغيير المشهد، فما هي مصلحة «حماس» التي كسبت الانتخابات من دون حاجة إلى خوضها في إطلاق مئات الصواريخ بالاشتراك مع تنظيم «الجهاد الإسلامي»، باتجاه المدن الإسرائيلية، وفي المقابل تحملت وتتحمل مسؤوليات الموت والخراب الكبير في غزة بالغارات الإسرائيلية؟! إذا كان نتنياهو يسعى للحرب، فلماذا تتيحون له الفرصة؟!
لقد خشيتُ من نشوب النزاع عندما سمعتُ حسن نصر الله يقول، إنه يتذكر القدس كثيراً هذه الأيام! وكان قد زعم في السابق أنّ القتال في سوريا أهمّ من القتال في فلسطين، ثم زعم أنّ القتال في اليمن أهم من القتال في فلسطين وسوريا! والآن يذهب إلى أنه انتصر في اليمن وبسوريا، وما بقي عليه إلا الصلاة في المسجد الأقصى! وفي حروب الوكالة تبدو إيران الأكثر إجادة لها في كل مكان. إنما في الوقت الذي تتقدم فيه المفاوضات غير المباشرة مع الولايات المتحدة، تُلهب إيران النزاعات بالعراق وباليمن وبالبحار وبفلسطين وما عاد عندها مانع أن يبدو رأسها من تحت الماء عند الضرورة لإظهار أهميتها وقدراتها! أما تركيا فتشتد غاراتها على شمال العراق في الوقت الذي تستميتُ فيه لتحسين علاقاتها بمصر وبالمملكة العربية السعودية. وعلى ذكر المملكة كل يوم تقول الخارجية الإيرانية، إنّ محادثاتها معها تتقدم، إنما كيف تتقدم مع ازدياد إطلاق الصواريخ والمسيَّرات الإيرانية وذات الهوى الإيراني في اليمن ومن اليمن على المملكة؟!
الروس هم الأكثر حركة وتصريحات. لكنّ الطرفين يفتحان نزاعاتٍ جديدة في البر وفي البحار ومع الأوروبيين والأميركان!
هل يشير ذلك كلّه إلى استماتة الجميع في لفت انتباه إدارة الرئيس بايدن الجديدة، والتي تبدو شديدة الحذر، وتريد مخالفة سياسات ترمب ثم تقع في الحُفَر التي تركها ترمب في الطريق؟ لا تفسير لاستماتة الجميع في إظهار سلميتهم ثم سهولة التردي في النزاعات وأحياناً إثارتها إلا هذا العامل الطارئ: الإدارة الأميركية الجديدة!
الذي يريد لفت انتباه الولايات المتحدة من طريق إزعاج الآخرين ولو بإيذاء نفسه، يكون عنده ما يقدمه إذا جلس على الطاولة. ويبدو الروس مستعدين حتى أنهم يعرضون على الولايات المتحدة على مشارف الاجتماع بين بوتين وبايدن خطواتٍ واتفاقية لخفض التسلُّح. وعندهم ورقة أوكرانيا وورقة سوريا. وكذلك الأمر مع تركيا التي تعدّ أوراقها، وتقول إنها لا تزال تتطلع إلى العضوية الكاملة بالسوق الأوروبية المشتركة! ولدى الإيرانيين ثلاث ورقات: النووي والباليستي والتدخلات في دول الجوار والبحار القريبة والبعيدة. إنما الفرق أنّ الإيرانيين الذين يفاوضون على العودة للنووي، غير مستعدين لمناقشة الباليستي ولا التدخلات! هم يقولون الباليستي جزء من الدفاع الوطني، أما التدخلات فهي غير موجودة، بل هي أذرُع الجمهورية الإسلامية في البلدان لمساعدة شعوبها الراغبة في الممانعة! ونصر الله يقول إنّ المشكلة في سوريا هي القوات والميليشيات الأجنبية (!) وبالطبع ليس من ضمنها الفاطميون والزينبيون والميليشيات العراقية بسوريا!
وهكذا عند إيران، كل ذلك أمر واقع ولا تنازلات إلا قبول العودة للنووي وحسْب باعتبار أنّ ترمب هو الذي خرج من الاتفاق عام 2018!
فهل تنحصر الآمال في المحادثات الثنائية مثلما يجري بين تركيا ومصر، وبين السعودية وإيران؟ حتى الآن هو المنفذ المتاح دونما إمارات للنجاح، ما دامت الولايات المتحدة ليست مستعدة في كل النزاعات إلا لتشجيع الحوار ويشمل ذلك فلسطين واليمن وحتى نزاع مصر والسودان مع إثيوبيا.
والنزاعات التي يجري الحديث عنها ويقع الجميع فيها أو يندفعون نحوها جديدة نسبياً باستثناء «أصل المشكلة» في فلسطين كما يقال. وقد بدا الأمر عام 1947 بأن يبقى للفلسطينيين من الأرض المنهوبة أكثر من خمسين في المائة. وها هم اليوم يقبلون مع العرب أقل من 22 في المائة ولا يقبل بذلك الإسرائيليون.
ومنذ نحو العشرين عاماً يعمل هؤلاء على أنه لا حلَّ إلا بالإخضاع الكامل دونما أرضٍ ولا دولة وحتى لا قدرة على الصلاة في الأقصى! وكان عهد ترمب هو الأفظع في الانحياز الكامل واعتبار النزاع كله «نزاعاً عقارياً»! لقد قلنا من قبل إنّ أحداً لا يبدو راغباً في الحرب. لكن الإسرائيلي لا يشبع، والفلسطيني لا يخضع، فالحرب محتملة عند كل إحساسٍ بالقدرة مهما ضؤل! والجديد الجديد، أنه عندما تنشب الحرب يقل الوسطاء المحايدون ويكثر الآملون في الاستفادة. وهذا لا يحدث في فلسطين فقط، بل وفي كل المشرق العربي واليمن.
كل الأطراف أتعبتها النزاعات. لكنّ المغيرين والمتدخلين وفي مقدمتهم إيران وإسرائيل ليسوا مستعدين للتوقف عن الاستيلاء والاستعداء، ودائماً وأبداً على حساب العرب أرضاً وأمناً ومستقبلاً!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة