فرسان البر وأمراء البحار: السندباد وابن ماجد

فرسان البر وأمراء البحار: السندباد وابن ماجد

الخميس - 3 شهر رمضان 1442 هـ - 15 أبريل 2021 مـ رقم العدد [15479]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.

قلنا إن كولومبوس كان أشهر رحالة، أو مكتشف، مع أن ملاحاً عربياً أحق بذلك. إنه السندباد البحري الذي ملأ مخيّلة الناس في كل مكان. غير أن مشكلة السندباد أن الحكاية طغت على التاريخ في سيرته، والخرافة على الحقيقة، سواء في منشئه وانطلاقه، أو في رحلاته ومغامراته.
ففي رواية هو من بغداد. وفي رواية أقل شيوعاً ولكن أكثر تدقيقاً ادعاه العمانيون. وفي كل الحالات هو عربي خرج من «ألف ليلة وليلة»، ومثل كل لياليها كان مسلياً، لا عالماً. لكن الملاح الأكثر أهمية في العالم الإسلامي كان أحمد بن ماجد (1418 - 1501) المولود فيما هي «رأس الخيمة» اليوم.
وقد أطلق عليه البرتغاليون لقب، أو رتبة، «الأميرال»، أي أمير البحر، التي أصبحت مستخدمة في كل العالم، مرادفة لرتبة جنرال في الجيوش البرية.
ولم يكن ابن ماجد مجرد ملّاح ماهر، بل كان أيضاً عالماً في الفلك والجغرافيا. وقد ترك آثاراً مهمة في هذا الحقل وخرائط دقيقة لبحر القلزم (البحر الأحمر). وبين الذين اعتنوا بسيرته، الراحل العزيز يوسف الشيراوي، الذي تنبّه إلى مشاق السفر وصعوبة الطرق ومتاهات البر والبحر، فوضع أيضاً «أطلس المتنبي» عن تنقلات الشاعر العظيم في بلاد العرب.
بسبب إتقانه للغة العربية ترك ابن ماجد معلومات بالغة الأهمية. وكان يجيد لغات كثيرة بينها السواحيلية. وبرع في استخدام البوصلة البحرية وتطويرها. وكان العرب قد طوروا آلات كثيرة في قياس النجوم والكواكب. ولعل أطرف ما يذكر به أنه شرح وسائل وأركان الملاحة في أراجيز، كي يسهل على البحارة حفظها، لأنهم كانوا في تلك المرحلة أميين، لا يقرأون ولا يكتبون. وقد قلده في ذلك الشيخ ناصيف اليازجي في ديوانه «مجمع البحرين» لشرح اللغة.
لعب العرب القدامى أدواراً أساسية كبرى في علاقة الإنسان بالسفر. المصريون كانوا أول من خرج من حدودهم براً، والفينيقيون كانوا أول من ركب البحر من صيدا وصور وجبيل. وفي الحالتين، كان الهدف هو التجارة وتسويق السلع المحلية، أو المبادلة مع أقرب الشعوب المكتشفة.
لكن اكتشاف العالم برمّته والتأكد من أن الأرض كوكب مستدير، لم يكتمل إلا في القرنين السابع عشر والثامن عشر. ووصل المغامرون إلى الأماكن المتجمدة في الشمال وفي الجنوب. وتم العثور على جزر مسكونة أخرى، كما في تاهيتي وهاواي. وللمرة الأولى دخل الأوروبي إلى أعمق الأدغال الأفريقية.
وبعدما كان المستكشفون يبحثون عن الذهب والفضة، أخذوا في القرن التاسع عشر يبحثون عن النبات والثمار والشجر. وما إن دخل الإنسان «الأزمنة الحديثة» حتى كان قد بلغ أعلى القمم وأعمق المحيطات، وتجاوز كل الحدود القائمة بينه وبين المناطق المجهولة.
وما زال الإنسان مسافراً. مليارات البشر يتنقلون من مكان إلى آخر، ولم يحد من حركتهم سوى هذه الجائحة الفاتكة. وقريباً سوف يبدأ السفر التجاري إلى الفضاء والقمر. والبحار مثل الأجواء مزدحمة كأنها شوارع المدن.
إلى اللقاء...


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة