كثرة تناول الأطعمة المقلية تؤذي القلب والأوعية الدموية

نتائج مراجعات علمية جديدة

كثرة تناول الأطعمة المقلية تؤذي القلب والأوعية الدموية
TT

كثرة تناول الأطعمة المقلية تؤذي القلب والأوعية الدموية

كثرة تناول الأطعمة المقلية تؤذي القلب والأوعية الدموية

قدمت مجموعة باحثين من «جامعة شنجن للعلوم الصحية» في جنوب الصين مراجعة علمية تناولت موضوع الأطعمة المقلية وعلاقتها بأمراض القلب. ووفق ما نُشر في عدد 19 يناير (كانون الثاني) الماضي من «المجلة الطبية البريطانية - القلب (BMJ Heart)»، راجع الباحثون تحليل نتائج 19 دراسة طبية، أُجريت في مناطق مختلفة من العالم، وشملت نحو مليون شخص من البالغين، تجاوزت مدة متابعتهم في بعض منها 10 سنوات.

- مراجعة تحليلية
وأفاد الباحثون بأنهم هدفوا إلى إجراء «تحليل الجرعة - الاستجابة (Dose–Response Analysis)»، وذلك لتحديد العلاقة ومدى الارتباط الكمي بين استهلاك الأطعمة المقلية وخطر الإصابة بأمراض القلب والوفيات لدى عموم الناس البالغين.
وأظهرت نتائج الدراسة التحليلية أنه بالمقارنة مع أولئك الذين تناولوا كمية أقل من الأطعمة المقلية في الأسبوع، فإن الذين تناولوا منها كميات أكثر ارتفع خطر إصابتهم بأمراض القلب بنسبة 22 في المائة، وكانوا أعلى عُرضة بنسبة 28 في المائة لأحداث وانتكاسات مرضية بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية لديهم (Major Cardiovascular Events)، مثل نوبة الجلطة القلبية أو السكتة الدماغية وغيرهما، وأعلى عُرضة بنسبة 38 في المائة للإصابة بفشل القلب.
ولاحظ الباحثون في نتائجهم وجود علاقة متواصلة بين ارتفاع تلك الخطورة القلبية وكل 4 أونصات (114 غراماً) إضافية من الأطعمة المقلية المُتناولة أسبوعياً.
وتحديداً؛ مع زيادة تناول كل 4 أونصات أسبوعية إضافية من الأطعمة المقلية:
- زاد خطر الإصابة بانتكاسات مرضية بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 3 في المائة.
- زاد خطر الإصابة بأمراض القلب بنسبة اثنين في المائة.
- زاد خطر الإصابة بفشل القلب بنسبة 12 في المائة.

- تفسيرات علمية
وأضاف الباحثون أنه رغم وجود تفسيرات مُقترحة عدة، فإن لا يُعرف على وجه الدقة أي منها هو الأقوى في تفسير آلية تسبب تناول الأطعمة المقلية في تلك المخاطر القلبية والانتكاسات الناجمة عنها.
وذكّر الباحثون بأن دراسات سابقة عدة قد لفتت الأنظار إلى ارتباط تناول المقليات بارتفاع الإصابات بالسمنة والنوع الثاني من مرض السكري وارتفاع ضغط الدم. ومعلوم أن جميعها تُعدّ «عوامل خطورة (Risk Factors)» ترفع من احتمالات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
وأشاروا إلى أن من آثار عملية القلي تقليل القيمة الغذائية للأطعمة، وإلى أن الأطعمة المقلية غالباً ما تكون غنية بزيوت القلي والسعرات الحرارية. ولكن لأنها في الوقت نفسه شهية ومذاقها لذيذ، تُغري بمزيد من تناولها، وأنها قد تحتوي على دهون متحولة (Trans - Fatty Acids) وهي نوعية الدهون التي ترفع من مستويات «الكولسترول الخفيف والضار (LDL)»، وتقلل من مستويات «الكولسترول الثقيل والحميد (HDL)». وبالإضافة إلى ذلك، أشار الباحثون إلى أن القلي يزيد من إمكانية تكوين مجموعة من المركبات الكيميائية التي يمكن أن تؤثر على استجابة الجسم في تنشيط عمليات الالتهابات (Inflammatory Response).
وتقول «رابطة القلب الأميركية (AHA)» ما ملخصه: أن الدهون المتحولة ترفع مستويات الكولسترول الضار وتخفض مستويات الكولسترول الجيد، ويزيد تناولها من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية. كما أنه يرتبط أيضاً بارتفاع مخاطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني. وبناءً على ذلك، توصي «رابطة القلب الأميركية» بتقليل الأطعمة التي تحتوي على زيوت نباتية مهدرجة جزئياً (Partially Hydrogenated) أو الدهون المشبعة، والاستبدال بها الدهون الأفضل؛ الأحادية غير المشبعة والمتعددة غير المشبعة، كزيت الزيتون.

- أطعمة غير صحية
وتعدّ الأطعمة المقلية في العموم من أنواع الأطعمة التي تُصنف طبياً «أطعمة غير صحية». ويقول الدكتور لوك دجيوس، طبيب الأمراض الباطنية في «كلية طب هارفارد»: «من الحكمة تقليل وتيرة وكمية تناول الأطعمة المقلية خلال الأسبوع الواحد، لمنع الإصابة بضعف القلب وغيره من الأمراض المزمنة». ويُضيف: «لذا؛ أبعد عنك أصابع البطاطا المقلية والـ(دونات) والأسماك المقلية المقرمشة وقطع الدجاج المقلي... وغيرها من الأطعمة المقلية في الدهون. وقرب منك الأطعمة الصحية المكونة من كميات عالية من الخضراوات والفواكه والبقول والقمح غير المقشر (كما في الخبز الأسمر)، وقلل من الأطعمة المحتوية على الدهون المشبعة واللحوم الحمراء والملح والمقليات».
وتضيف سامانثا هيللر، كبيرة اختصاصيي التغذية الإكلينيكية في «مركز لانغوان الطبي» التابع لجامعة نيويورك: «زيادة تناول الأطعمة المقلية المقرمشة تعني زيادة طاقة كالورى السعرات الحرارية، وهو ما يُؤدي إلى السمنة وزيادة الوزن وارتفاع ضغط الدم وارتفاع الكولسترول... وبالتالي؛ ارتفاع احتمالات خطورة الإصابة بأمراض القلب. إن تناول المقليات من آن إلى آخر لا بأس به، ولكن ليس بشكل يومي أو أسبوعي؛ بل في فترات زمنية أكثر تباعداً».
وفي المقابل، كانت دراسة طبية سابقة وشهيرة، لباحثين إسبان، نُشرت في «المجلة الطبية البريطانية (BMJ)» بعدد يناير عام 2012، قد لاحظت بالمتابعة لأكثر من 40 ألف شخص لمدة 11 عاماً، أن القلي «المنزلي» بدهون صحية، مثل زيت الزيتون، لا يرتبط بارتفاع الإصابات بأمراض القلب والأوعية الدموية أو الوفيات المبكرة.

- مخاطر صحية متعددة في عملية القلي وتناول المقليات
يُعدّ القلي اليوم الوسيلة الأعلى انتشاراً لطهي الأطعمة، مقارنة بالغلي في الماء أو الشَّيّ أو الخَبْز في الفرن. والمادة المستخدمة للطهي في عملية القلي هي الزيت أو السمن.
والطهو بالقلي يعتمد على حقيقة فيزيائية مفادها أن الزيت يصل إلى درجات حرارة عالية (نحو 400 درجة مئوية) مقارنة مع درجة الحرارة التي يصل إليها الماء المغلي (100 درجة مئوية)، وبالتالي يتطلب الطهي بالقلي وقتاً أقصر.
وخلال القلي تتكون تفاعلات بين السكريات والبروتينات والشحوم، وهو ما يُعطي قواماً هشاً ومقرمشاً للأطعمة، ولكنه في الوقت نفسه يُنتج كثيراً من المركبات الكيميائية ذات التأثيرات المختلفة صحياً.
وفي «القلي العميق (Deep Frying)» تُستخدم كمية كبيرة من الزيت (قلي الدجاج والأسماك وأصابع البطاطا والـ«دونات»)، وتتسبب في مزيد من تشبع القطع المقلية بالزيوت. وذلك نتيجة حصول تغلغل سريع وكبير للدهون إلى داخل قطع الطعام المقلية قبل تكوّن التفاعلات الكيميائية التي تصنع طبقة واقية مقرمشة كغلاف لها. وهذا يؤدي إلى أمرين:
- تدني العناصر الغذائية (الفيتامينات والمعادن) نتيجة تسربها إلى الزيت.
- ارتفاع كمية الدهون في القطع المقلية بنحو 5 أضعاف على ما هو فيها بالأصل من دهون.
وفي «القلي السطحي (Shallow Frying)» قد تُستخدم كمية قليلة من الزيت أو لا يُوضع زيت أصلاً (قلي قطع لحم العجل أو سمك السلمون أو شرائح الخضراوات أو البيرغر). ويمتاز «القلي السطحي» بقلة كمية الدهون المستخدمة وتدني تغلغل الزيوت إلى داخل قطع الأطعمة المقلية.
وتجتمع 7 عوامل في سلوك إكثار الشخص تناول الأطعمة المقلية. وهي:
- نوعية الأطعمة التي يتم قليها.
- طريقة القلي.
- نوعية الزيت المستخدم.
- درجة الحرارة ومدة القلي.
- أنواع المواد المتكونة جراء التعرّض لدرجات الحرارة وطريقة القلي.
- الأطعمة والمشروبات المرافقة التي تُتناول مع تلك الأطعمة المقلية، كالملح والصوديوم في البطاطا المقلية والبيرغر، والسكريات في المشروبات الغازية المُحلّاة.
- السلوكيات الحياتية المرافقة لدى الأشخاص الذين يُقبلون على تناول الأطعمة المقلية في المأكولات السريعة، ومدى إقبالهم على تناول الخضراوات والفواكه... وغيرها من الأطعمة الصحية.
وكل عامل منها له تأثيرات صحية مختلفة على القلب والأوعية الدموية. ويمكن تعديلها لتكون صحية، ويمكن إهمالها لتكون ضارة.


مقالات ذات صلة

فقدان التركيز... لماذا يحدث وكيف تتعامل معه؟

صحتك قد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة (رويترز)

فقدان التركيز... لماذا يحدث وكيف تتعامل معه؟

يعاني كثيرون من صعوبة في التركيز دون إدراك أن الأمر قد يكون أكثر من مجرد إرهاق عابر. فقد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الحبوب الكاملة والجبن ارتبطت بزيادة أسرع نسبياً في تراجع بعض مؤشرات الدماغ (بيكسباي)

مفاجأة... أطعمة صحية شائعة قد تسرّع تدهور وظائف المخ

كشفت دراسة حديثة استمرت عشر سنوات عن نتائج مفاجئة، حيث تبيّن أن بعض الأطعمة التي تُعد جزءاً من نظام غذائي صحي قد تكون مرتبطة بتدهور أسرع في بعض وظائف الدماغ.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يُنصح بالابتعاد عن تناول الأطعمة الحارة والمُهيّجة بكثرة لتفادي الإصابة بالتهابات المسالك البولية (رويترز)

5 أمور يجب على مريض التهاب المسالك البولية تجنبها

يبرز الوعي بالسلوكيات اليومية بوصفه عاملاً حاسماً في الوقاية من مرض التهابات المسالك البولية

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك الحليب من أفضل المشروبات لدعم صحة العظام وتقويتها لأنه غني بالكالسيوم والبروتين وفيتامين «د - D» (بيكسباي)

أفضل مشروب لدعم صحة العظام وتقويتها

من أفضل المشروبات لدعم صحة العظام وتقويتها... الحليب؛ لأنه غني بالكالسيوم والبروتين وفيتامين «د (D)»، وهي عناصر أساسية لبناء العظام والحفاظ على قوتها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)

فرش أسنان مبتكرة تدمر البكتيريا في الفم

كشف باحثون من المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا عن تطوير جيل جديد من فرش الأسنان يعتمد على تقنية «أكسيد الغرافين».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

فقدان التركيز... لماذا يحدث وكيف تتعامل معه؟

قد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة (رويترز)
قد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة (رويترز)
TT

فقدان التركيز... لماذا يحدث وكيف تتعامل معه؟

قد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة (رويترز)
قد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة (رويترز)

يعاني كثيرون من صعوبة في التركيز دون إدراك أن الأمر قد يكون أكثر من مجرد إرهاق عابر. فقد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة، خصوصاً إذا بدأ يؤثر على الأداء اليومي في العمل أو الدراسة واتخاذ القرارات.

وفيما يلي أبرز أعراض ضعف التركيز والحلول، ومتى يجب أن نقلق، حسبما نقل موقع «هيلث لاين» العلمي:

أولاً: أبرز الأعراض

تشمل علامات ضعف التركيز:

* عدم القدرة على تذكر الأحداث التي وقعت منذ وقت قصير.

* صعوبة التفكير بوضوح.

* كثرة فقدان الأشياء أو صعوبة تذكر أماكنها.

* التردد في اتخاذ القرارات.

* ضعف القدرة على إنجاز المهام المعقدة.

* الشعور بالإرهاق الذهني أو البدني.

* ارتكاب أخطاء غير مقصودة.

* نسيان المواعيد والالتزامات.

ثانياً: الأسباب المحتملة

ترتبط صعوبة التركيز بعدة عوامل، منها:

* اضطرابات مثل فرط الحركة وتشتت الانتباه.

* القلق والاكتئاب والضغط النفسي.

* انقطاع التنفس في أثناء النوم.

* مشكلات السمع أو البصر.

* الإرهاق أو الألم الجسدي.

* التغيرات الهرمونية مثل انقطاع الطمث.

* المعاناة من الوسواس القهري.

* الإفراط في شرب الكحول.

* بعض الأدوية مثل المهدئات ومسكنات الألم ومضادات الاكتئاب.

يعاني كثيرون من صعوبة في التركيز (بيكسلز)

ثالثاً: نصائح لتحسين التركيز

يمكن تقليل المشكلة من خلال:

* التخلص من المشتتات:

رتِّب مكتبك، وأغلق إشعارات هاتفك، واستمع إلى الموسيقى فقط إذا كانت تساعدك على التركيز.

* ملاحظة أوقات فقدان التركيز

قد يساعدك تحديد هذا الأمر على تحديد أصل المشكلة وحلها، وقد يحفزك على التركيز بشكل أفضل.

* مراجعة أدويتك مع مختص

قد تؤثر بعض الأدوية والمكملات الغذائية على تفكيرك. استشر طبيبك إذا شعرت بأن أدويتك قد تؤثر على تركيزك.

* تنظيم وقتك بين العمل والراحة

خطِّط للعمل لمدة ساعة، ثم استرح أو مارس تمارين التمدد لمدة 5 دقائق.

* تناول الفاكهة بدلاً من الوجبات الخفيفة السكرية

يمكن للسكر أن يرفع ويخفض ​​مستوى السكر في الدم بسرعة، مما يجعلك تشعر بانخفاض الطاقة بعد فترة. الفاكهة تُشبع رغبتك في تناول الحلويات دون التأثير على مستوى السكر في الدم بنفس القدر.

* حافظ على نشاط عقلك

مارس الألغاز والألعاب أو غيرها من الأنشطة التي تُبقي ذهنك نشطاً.

* مارس التأمل

يُساعد التأمل الواعي على تدريب أفكارك وتعزيز تركيزك بشكل ملحوظ.

* اعتنِ بجسمك

يُمكن للرياضة واتباع نظام غذائي متنوع غني بالعناصر الغذائية الأساسية أن يُعزز صحتك البدنية وقد يُساعد على تحسين صحتك النفسية.

* كتابة المهام وتحديد أهداف واضحة

تُساعدك القوائم والخطط والأهداف المكتوبة على تحديد أولوياتك وتذكر المهام التي تحتاج إلى إنجازها دون تشتيت ذهنك.

رابعا: متى تجب مراجعة الطبيب؟

يُنصح بزيارة الطبيب في الحالات الآتية:

* مشكلات متزايدة في الذاكرة.

* تراجع ملحوظ في الأداء.

* صعوبات في النوم.

* إرهاق غير معتاد.

* فقدان الوعي.

* تنميل في جانب من الجسم.

* ألم شديد في الصدر.

* صداع حاد.

* فقدان مفاجئ للذاكرة.

* صعوبة في الكلام أو إدراك المكان الذي توجد فيه.

Your Premium trial has ended


القنب تحت المجهر: دراسة تربط الاستخدام اليومي بتغيّراتٍ في بنية الدماغ

صورة لنبتة القنب (الحشيش) (رويترز)
صورة لنبتة القنب (الحشيش) (رويترز)
TT

القنب تحت المجهر: دراسة تربط الاستخدام اليومي بتغيّراتٍ في بنية الدماغ

صورة لنبتة القنب (الحشيش) (رويترز)
صورة لنبتة القنب (الحشيش) (رويترز)

تزداد الأسئلة العلمية حول التأثيرات طويلة الأمد للقنب، في وقتٍ لا يزال يُنظر إليه على نطاقٍ واسع بوصفه مخدّراً منخفض المخاطر. غير أن دراسة حديثة تُسلط الضوء على جانبٍ أقل تداولاً، مشيرةً إلى أن الاستخدام اليومي المنتظم قد يرتبط بتغيّراتٍ بنيويةٍ في الدماغ، خصوصاً في المناطق المسؤولة عن اتخاذ القرار والتخطيط، وفقاً لصحيفة «التايمز».

ووجد الباحثون أن الاستخدام طويل الأمد قد يؤدي إلى ترقّقٍ في القشرة الجبهية، وهي منطقة محورية فيما يُعرف بالوظائف التنفيذية، مثل التخطيط والذاكرة العاملة وتنظيم السلوك. ويرى العلماء أن هذا الترقّق قد يعكس تراجعاً في الخلايا العصبية أو في كفاءة الروابط بينها، ما قد يؤثر، بشكلٍ تدريجي، في أداء المهام المعقّدة.

ورغم أن هذه التأثيرات قد لا تكون واضحةً بشكلٍ مباشر لدى المستخدمين، فإن الدماغ، وفقاً للدراسة، قد يحتاج إلى بذل جهدٍ أكبر لإنجاز المهام اليومية، وهو ما قد ينعكس على الإنتاجية ومستوى التركيز. كما تشير النتائج إلى احتمال وجود علاقةٍ بين الاستخدام المنتظم للقنب وانخفاض الدوافع، ما قد يؤدي إلى تراجع المبادرة في الحياة العملية.

يواجه المراهقون الذين يتعاطون القنب خطراً مضاعفاً للإصابة باضطرابات نفسية خطيرة (رويترز)

الدراسة، التي عُرضت خلال المؤتمر الأوروبي للطب النفسي في براغ، ركزت على مجموعةٍ من البالغين بمتوسط عمر 31 عاماً، استخدموا القنب لفتراتٍ طويلة وصلت إلى نحو عشر سنوات، مع استخدامٍ يوميّ لعدة سنوات. وجرت مقارنة أدمغتهم عبر فحوصاتٍ بالرنين المغناطيسي مع أشخاصٍ نادراً ما استخدموا القنب، لتظهر فروق ملحوظة في سماكة القشرة الجبهية، ولا سيما في الجزء الأمامي الأيمن.

ويرجّح الباحثون أن تعود هذه التغيّرات إلى وجود كثافةٍ عاليةٍ من مستقبِلات «CB1»

في هذه المنطقة من الدماغ، وهي المستقبِلات التي تتفاعل مع المادة الفعالة في القنب والمسؤولة عن الإحساس بالنشوة، ما يجعلها أكثر عرضةً للتأثر بالاستخدام المتكرر.

في المقابل، يشدّد الباحثون على أن هذه النتائج لا تزال بحاجةٍ لمزيدٍ من الدراسات لتحديد ما إذا كانت هذه التأثيرات دائمةً أو قابلةً للتراجع بعد التوقف عن الاستخدام، وكذلك لفهم العلاقة السببية بشكلٍ أدق.

تأتي هذه المعطيات في ظلّ نقاشاتٍ متزايدة حول تقنين القنب في عددٍ من الدول، ما يمنح هذه الدراسات أهميةً خاصةً في دعم قرارات الصحة العامة ببياناتٍ علميةٍ موضوعية.

في المحصّلة، لا تحسم الدراسة الجدل بقدر ما تدعو إلى نظرةٍ أكثر توازناً، تأخذ في الحسبان ليس فحسب الاستخدام الآني، بل أيضاً ما قد يتركه من أثرٍ ممتد على الدماغ ووظائفه.

Your Premium trial has ended


اضطراب تشوّه صورة الجسم تضاعفَ 4 مرات منذ «كوفيد»

أكثر المواضيع الرائجة على السوشيال ميديا السفر والتجميل واللياقة البدنية  (أدوبي)
أكثر المواضيع الرائجة على السوشيال ميديا السفر والتجميل واللياقة البدنية (أدوبي)
TT

اضطراب تشوّه صورة الجسم تضاعفَ 4 مرات منذ «كوفيد»

أكثر المواضيع الرائجة على السوشيال ميديا السفر والتجميل واللياقة البدنية  (أدوبي)
أكثر المواضيع الرائجة على السوشيال ميديا السفر والتجميل واللياقة البدنية (أدوبي)

كشفت بيانات حديثة صادرة عن هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS) ارتفاعٍ لافت في حالات الإحالة للعلاج من اضطراب تشوّه صورة الجسم، إذ تضاعفت 4 مرات منذ بدء تسجيل هذه البيانات مع اندلاع جائحة «كوفيد-19»، في مؤشر يثير قلقاً متزايداً لدى الأوساط الطبية، وفقاً لصحيفة «تلغراف».

وبحسب الأرقام، ارتفعت حالات الإحالة من 266 حالة خلال عام 2020 - 2021 إلى 1028 حالة في 2024 - 2025، في زيادةٍ متسارعة تعكس، وفق خبراء، تحولاً عميقاً في علاقة الأفراد بأجسادهم وصورتهم الذاتية.

ويرى مسؤولون صحيون أن «المعايير غير الواقعية بشكل مفرط للجمال» التي تروّجها منصات التواصل الاجتماعي باتت عاملاً ضاغطاً، يضيف «وقوداً إضافياً» إلى هذه الظاهرة، خصوصاً بين فئة الشباب.

ويُعد اضطراب تشوّه صورة الجسم حالةً نفسية تدفع المصابين إلى الانشغال القهري بعيوبٍ متخيَّلة أو طفيفة في مظهرهم، غالباً لا يلحظها الآخرون. وتتجلى الأعراض في سلوكيات متكررة، مثل التدقيق المفرط في جزءٍ معين من الجسد، والمقارنة المستمرة مع الآخرين، أو الإفراط في استخدام المرآة أو تجنّبها تماماً إلى جانب محاولات متكررة لتصحيح المظهر، أحياناً بطرقٍ مؤذية.

ولا يقتصر تأثير هذا الاضطراب على الجانب النفسي فحسب، بل يمتد ليشمل تداعياتٍ أعمق، من بينها الاكتئاب واضطرابات الأكل وإيذاء النفس، وقد يصل في بعض الحالات إلى أفكارٍ انتحارية، ما يستدعي تدخلاً مبكراً ودعماً متخصصاً.

«الجسم الصحي لم يعد كافياً»

في هذا السياق، قال الدكتور أدريان جيمس، المدير الطبي الوطني للصحة النفسية والتنوع العصبي في «NHS»، إن الاضطراب يرتبط بعوامل متعددة، من بينها الكمالية ومفاهيم الجمال وتقدير الذات، فضلاً عن المبالغة في ربط القبول الاجتماعي بالمظهر الخارجي.

وأضاف أن الضغوط الخارجية لعبت دوراً محورياً في هذا الارتفاع، موضحاً: «لم نَعِش من قبل في زمنٍ يسهل فيه إلى هذا الحد التعرض المستمر لمعايير جسدية غير واقعية، وفي الوقت نفسه يُقال للناس إن أجسامهم الصحية تماماً ليست جيدة بما يكفي».

وأشار إلى أن هذا التأثير يطول بشكلٍ خاص الأطفال والشباب، الذين لا يزالون في طور تشكيل هويتهم، ما يجعلهم أكثر عرضةً لتبني صورٍ ذهنية قاسية عن ذواتهم.

وتقدّر «NHS» أن الأعداد الفعلية للمصابين قد تكون أعلى من المعلن، في ظل تردد كثيرين في طلب المساعدة أو عدم إدراكهم لطبيعة ما يعانون منه. وفي محاولةٍ لمواجهة ذلك، أطلقت الهيئة مؤخراً حملةً واسعة لتشجيع الملايين على طلب الدعم النفسي، بمن فيهم مَن يعانون من اضطرابات القلق وتشوه صورة الجسم.

قصص إنسانية... من العزلة إلى التعافي

وفي بُعدٍ إنساني يعكس عمق المعاناة، شارك نجم تلفزيون الواقع تشارلي كينغ تجربته الشخصية مع الاضطراب، مشيراً إلى أن رحلته مع العلاج كانت نقطة تحوّل في حياته.

وقال إن مشاركته في «نصف ماراثون معالم لندن» جاءت بعد فترةٍ من الإحباط وفقدان الدافعية، مضيفاً: «حتى التسجيل في السباق كان مرهقاً بالنسبة لي، ولم أكن واثقاً من قدرتي على إكماله».

وأوضح أن الاضطراب دفعه في أسوأ مراحله إلى العزلة، قائلاً: «كنت أختبئ خلف قبعة، وأحياناً كان مجرد النظر إلى نفسي في المرآة يجرّني إلى دوامةٍ من الأفكار السلبية». غير أن العلاج النفسي، كما يروي، ساعده على فهم ذاته وتغيير أنماط تفكيره، مضيفاً: «عند عبوري خط النهاية شعرت بفخرٍ لم أعرفه منذ زمن. تعلّمت أن التقدم، مهما كان بطيئاً، يظل تقدماً».

من جهتها، تروي نيكولا كوفالتشوك، وهي طالبة جامعية، معاناتها التي بدأت في سن الخامسة عشرة، حين كانت «محاصَرة داخل أفكارها»، على حد وصفها. وتقول إنها كانت تتفقد مظهرها باستمرار أو تخفي نفسها تحت الملابس، قبل أن تلجأ لاحقاً إلى العلاج النفسي عبر طبيبها العام. وأضافت: «العلاج بالكلام غيّر كل شيء. منحني أدوات عملية وثقةً بنفسي، وأشعرني أنني لست وحدي في هذه المواجهة».

وتختم حديثها بنبرةٍ يغلّفها الأمل: «اليوم أستطيع الاستمتاع بوقتي مع عائلتي، وأجد سعادةً في تفاصيل بسيطة، بدلاً من القلق الدائم بشأن مظهري وهو أمرٌ لم أكن أتصور يوماً أنه ممكن».