بريطانيا تستحق التقدير في قتالها ضد «كوفيد ـ 19»

بريطانيا تستحق التقدير في قتالها ضد «كوفيد ـ 19»

الثلاثاء - 12 رجب 1442 هـ - 23 فبراير 2021 مـ رقم العدد [15428]

عندما يتعلق الأمر بإدارة أزمة وباء فيروس «كوفيد ـ 19»، نجد أن القليل فقط من الدول حقق سجلاً لا غبار عليه على هذا الصعيد. وينطبق هذا القول على المملكة المتحدة، رغم أن الرسائل المتضاربة التي صدرت عن رئيس الوزراء بوريس جونسون في بداية الجائحة والقرار المبكر للغاية بإعادة فتح البلاد وبعض الاستراتيجيات التي انطوت على مخاطرة محتملة فيما يخص اللقاحات، شوهت جهود الاستجابة بها.
وقد سبق وأن انتقدت، على سبيل المثال، قرار بريطانيا تمديد أجل الفترة الفاصلة بين جرعتي لقاح «فايزر ـ بيونتيك» من دون توافر أي بيانات تدعم مثل هذا القرار. إلا أنه رغم العثرات التي واجهتها المملكة المتحدة، يبقى هناك الكثير مما يثير الإعجاب في الاستراتيجيات التي انتهجتها لتناول أزمة تفشي فيروس «كوفيد ـ 19» ومن المهم الإشارة إليها.
ورغم سيل الانتقادات التي يوجهها مواطنو البلاد بعض الأحيان إلى خدمة الصحة الوطنية البريطانية، تظل الحقيقة أن هذه المنظومة المركزية للرعاية الصحية ـ بجانب قدرات المملكة المتحدة بمجال التسلسل الجيني وقوة العمل المعنية باللقاحات، والتي جرت إدارتها على نحو جيد ـ مكنت البلاد من تحقيق إنجازات كبيرة في فهم واستيعاب فيروس «كوفيد ـ 19». وحتى القرار الخاص باللقاح الذي أثرتُ التساؤلات حوله ربما يؤتي ثماراً إيجابية.
وفيما يلي قائمة موجزة بالنجاحات التي حققتها المملكة المتحدة:
رائدة على صعيد اللقاحات: كانت المملكة المتحدة أول دولة تصدر موافقة على لقاح ضد «كوفيد ـ 19»، «فايزر ـ بيونتيك». ورغم تعرض الجهة الرقابية المعنية بالموافقة على العقاقير لديها لانتقادات كثيرة بسبب موافقتها السريعة، لم أكن من بين تلك الأصوات الناقدة. اليوم، يبدو أن هذا القرار كان بمثابة خطوة عظيمة سمحت للبلاد بالتحرك سريعاً على صعيد توزيع اللقاح، ما وضعها في مرتبة متقدمة عالمياً على صعيد جهود توزيع اللقاح ولا يسبقها سوى إسرائيل فقط.
وكان من العوامل التي جعلت عملية توزيع اللقاح السريعة تلك ممكنة، الجدول الزمني الراديكالي لجهود التطعيم التي لم تتوافق مع تصميم تجربة لقاح «فايزر ـ بيونتيك». جدير بالذكر في هذا الصدد أن اللجنة المشتركة للقاحات والتطعيم داخل المملكة المتحدة توصي بفترة وسطى تمتد لـ12 أسبوعاً ما بين الجرعتين الأولى والثانية من اللقاح، رغم أن المرحلة الثالثة من التجارب اعتمدت على فترة وسطى بلغت ثلاثة أسابيع فقط.
ورغم أنني ما أزال أعتقد أن هذا القرار لا يخلو من مخاطرة ـ خاصة فيما يتعلق بإمكانية تضاؤل فاعلية اللقاح لدى كبار السن ـ فإنه ربما يبدو جيداً إذا شهدنا تراجعاً في أعداد الإصابات بفيروس «كوفيد ـ 19» خلال الأسابيع المقبلة بين من تلقوا اللقاح. وربما تنظر البلدان الأخرى إلى هذا القرار كنموذج يحتذى به.
المارد الجيني: تعد المملكة المتحدة وبفارق كبير عما يليها رائدة على الصعيد الجيني، وكان من شأن جهودها الهائلة لفك التسلسل الكامل للفيروس تمكين العلماء من تتبع كيفية تطوره. وكان هذا السبيل الذي نجح العلماء من خلاله في رصد سلالة بي.1.1.7 وطفراتها اللاحقة. وتعتبر المملكة المتحدة صاحبة الفضل وراء كشف نصف جميع التسلسلات الجينية لفيروس «سارس ـ كوف ـ 2» التي جرى تحميلها على قاعدة البيانات لمبادرة «غيسايد» العالمية للتشارك في البيانات والمعلومات حول فيروسات مثل تلك المسببة لـ«كوفيد ـ 19» والإنفلونزا. وتحقق هذا الإنجاز بفضل الجهود التي بذلها «كوفيد ـ 19 جينوميكس كونسورتيوم»، الذي تموله حكومة المملكة المتحدة.
في المقابل، نجد أن الولايات المتحدة أسهمت بحوالي 1 في المائة فقط من التسلسلات الموجودة بقاعدة بيانات «غيسايد». ويحمل هذا الأمر أهمية كبيرة لأن الدول التي لا تتولى فك تسلسل الفيروس على نحو ممنهج وشامل لا يمكنها تتبع تطوره، ما يزيد صعوبة جهود السيطرة عليه. في الواقع، تعد هذه الدول أشبه بقائد طائرة يجابه صعوبة بالغة في رؤية ما حوله في قلب عاصفة رعدية.
تجربة التعافي: تهدف تجربة التعافي للمرضى في المستشفيات داخل المملكة المتحدة ـ مع اشتراك 37.000 بها من داخل 178 مركزاً بمختلف أرجاء بريطانيا ـ إلى اختبار مستوى فاعلية العقاقير على أعداد كبيرة في علاج «كوفيد ـ 19» أو تقليص معدلات الوفيات. وكشفت لنا هذه التجربة أن ديكساميثازون الستيرويد يعتبر علاجاً مفيداً، وأن بلازما المتعافين لا تؤتي بنتائج إيجابية مع المرضى في المستشفيات حال اللجوء إليها في وقت متأخر للغاية.
أما أحد أكبر إسهامات هذه التجربة فيتمثل في اكتشاف أن هيدروكسي كلوروكوين غير فاعل في علاج «كوفيد ـ 19»، ما دفع إدارة الغذاء والدواء الأميركية لإلغاء الموافقة الطارئة على استخدامه. جدير بالذكر في هذا الصدد أن تجربة التعافي تتميز بتصميم معياري يسمح بإضافة مزيد من العقاقير مع تقدم التجربة.
ونظراً لأن هذه التجربة ممولة من جانب حكومة المملكة المتحدة، فإنها لا تسعى للربح التجاري، ما يسمح بإجراء اختبارات لأدوية مكافئة ربما لم تكن الشركات الدوائية الكبرى لتختبرها، بالنظر إلى غياب عنصر الربحية. ومن بين الإضافات العلاجية الأخيرة لتجربة التعافي، باريسيتينب من إنتاج شركة «إيلي ليلي آند كو» وكولشيسين عام لتقييم حجم إمكاناتهما بعدما أظهرت تجارب أصغر بعض الفائدة لهما.
المزيد من التجارب للقاح: بعد تعديل بروتوكولات اللقاحات بالفعل، تتقدم المملكة المتحدة لخطوة أخرى مع تنفيذها تجربة مثيرة إذا ما نجحت ستوفر مزيداً من الدعم لقرارها السابق بخصوص الجرعات، وتسمح بإقرار نظام تطعيم أكثر مرونة. وفي إطار ما أطلقت عليه «أول دراسة في العالم حول تناوب جرعات لقاح «كوفيد ـ 19»» ـ بدعم من منحة وفرتها الحكومة ـ تختبر المملكة المتحدة أمرين: مزج أنماط مختلفة من اللقاحات واختبار تأثير فترتين مختلفتين بين الجرعات.
وبينما يتمثل الهدف الرئيسي للدراسة في السلامة، من المنتظر أن توفر كذلك بيانات حول استجابة الأجسام المضادة. ومن شأن هذا الأمر بدوره تحديد ما إذا كانت جرعة من لقاح «فايزر، بيونتيك» أفضل عندما تتبعها جرعة من لقاح «أكسفورد ـ أسترازينيكا»، أم جرعة أخرى من لقاح «فايزر ـ بيونتيك» أو العكس.
أيضاً، تقارن التجربة بين الاعتماد على فترة بين الجرعتين تبلغ أربعة أسابيع حتى 12 أسبوعاً. ورغم أن التجربة التي من المتوقع نشر نتائجها هذا الصيف لن تخبرنا عن مسألة الفاعلية، فإنها ستوضح لنا أي نظام يستثير استجابة جهاز المناعة على نحو أفضل.
وبحلول ذلك الوقت، ينبغي أن نكون قد تعرفنا على أي ردود أفعال جهاز المناعة للقاح ترتبط على نحو اطرادي مع الفاعلية. ومع توافر هذه المعرفة والبيانات، يمكن أن تصبح عملية توزيع اللقاح أكثر مرونة وربما أفضل من الآن.
أيضاً، ستساعد الدراسة في تحديد ما إذا كان يمكن تعزيز مقاومة شخص ما تلقى نمطاً معيناً من اللقاح عام 2021، من خلال منحه لقاحاً يستهدف طفرة للفيروس بالاعتماد على تكنولوجيا أخرى. المؤكد أن هذه التجربة ستكون بمثابة منجم ذهب من المعلومات.
بوجه عام، ينبغي الاحتفاء بالمملكة المتحدة باعتبارها رائدة بمجال مكافحة الجائحة، ليس فقط لإسهاماتها على صعيد اللقاحات، وإنما أيضاً لاستغلالها منظومتها الصحية الفريدة نسبياً في الإجابة عن تساؤلات تتعلق بعلاج «كوفيد ـ 19» بالأدوية. وبفضل جهود المملكة المتحدة، حصلنا على مزيد من المعلومات عن العلاجات الفاعلة والأخرى غير الفاعلة وظهور طفرات جديدة من الفيروس والاستراتيجية المثلى المحتملة لتوزيع اللقاح ـ وهي أمور ربما تساعد الكثير من الدول على الخروج من أزمة الجائحة في وقت أقرب.


- بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة