نوح فيلدمان
أستاذ القانون بجامعة هارفارد وكاتب بموقع «بلومبيرغ»
TT

قضية الهجرة بين القضاة والسياسيين في أميركا

أمضى الليبراليون فترة طويلة من عهد دونالد ترمب في الاحتفال بالنظام القضائي، باعتباره حصناً حصيناً ضد الإجراءات التنفيذية ذات الطبيعة التعسفية، والعدائية، وغير القانونية. أما الآن، ربما نضطر إلى مواجهة الجانب الخفي من المراجعات القضائية الحديثة للإجراءات التنفيذية في الإدارة الجديدة، وأعني التجاوزات القضائية من قبل القضاة المحافظين، وكثير منهم شغل منصبه بأمر من دونالد ترمب، ويملكون القدرة على عرقلة السياسات التقدمية باستخدام بعض الأدوات القضائية نفسها.
لقد صدر الأمر التنفيذي المشار إليه من إدارة الرئيس جوزيف بايدن بأول يوم في المنصب من مكتب القائم بأعمال وزير الأمن الداخلي. وحدد الأمر حظراً لمدة 100 يوم على أغلب عمليات إبعاد غير المواطنين الأميركيين الذين كانوا على أراضي الولايات المتحدة، اعتباراً من 1 نوفمبر (تشرين الثاني) لعام 2020. واشتمل الأمر التنفيذي على استثناءات لغير المواطنين المشتبه بارتكابهم أعمالاً إرهابية أو جاسوسية. كما سمح الأمر بإبعاد أي شخص يعتبره مدير دائرة الهجرة والجمارك الأميركية (بالتشاور مع كبير محامي الوكالة) مطلوباً إبعاده عن البلاد، بموجب أحكام القانون.
وكان كين باكستون، المدعي العام لولاية تكساس قد رفع الدعوى المذكورة بتاريخ 22 يناير (كانون الثاني) الحالي، زاعماً أن الأمر التنفيذي للرئيس بايدن يخرج عن نطاق سلطاته الرئاسية بموجب قوانين الهجرة الفيدرالية، وأنه لا يستند إلى مبررات أو تفسيرات كافية، على النحو المطلوب، بموجب أحكام قانون الإجراءات الإدارية. وكان خطاب السيد باكستون بعد تحقيق الفوز القضائي غير واضح على الإطلاق؛ فلقد كتب على «تويتر» قائلاً: «لقد كان تمرداً يسارياً مثيراً للفتن، وتصديتُ له رفقة فريقي القانوني».
ولقد أيد قاضي المقاطعة الفيدرالية في تكساس، درو تيبتون، كلتا الحجتين، ثم أصدر أمراً تقييدياً لمدة 14 يوماً يحظر على إدارة الرئيس بايدن إدخال قرار الوقف (الاستمهال) إلى حيز التنفيذ. وكان المقصد الضمني من وراء ذلك هو إبلاغ الإدارة الجديدة بأنه يتعين عليها ترحيل غير المواطنين الموجودين بالفعل على قوائم الترحيل عن البلاد (وجدير بالذكر أن القاضي تيبتون من جملة القضاة المعينين من قبل دونالد ترمب في عام 2020).
والجزء الأول من حكم القاضي درو تيبتون، المعني بأن فترة التوقف قد تجاوزت نطاق السلطة التقديرية للرئيس، يستند بالأساس إلى قانون ينص على أنه «عند إصدار الأمر بإبعاد أحد الرعايا الأجانب، يتعين على المدعي العام إبعاد المواطن الأجنبي من الولايات المتحدة الأميركية في فترة لا تتجاوز 90 يوماً». استنتجت إدارة الرئيس بايدن أن السلطة التقديرية المعتبرة التي تتمتع بها السلطة التنفيذية بموجب قانون الهجرة تخول لها تفسير كلمة «يتعين» بصورة فضفاضة.
وفي حالة عدم الموافقة، فإن حكم المحكمة الصادر يُذكرنا بالحجة القائلة أن المحكمة قد اعتادت عرقلة «الإجراءات المتخذة من أجل والدي الأميركيين والمقيمين الدائمين الشرعيين»، إبان رئاسة باراك أوباما، ذلك الحكم الذي لم يبرح مكانه إثر انقسام المحكمة العليا (4 قضاة في مقابل 4 آخرين) بشأنه. والحجة الدافعة بأن السلطة التنفيذية الراهنة قد تجاوزت سلطاتها بموجب قانون الهجرة ترجع بالأساس إلى ما قبل إدارة دونالد ترمب السابقة. وربما لا أتفق مع هذا الجزء من حكم القاضي تيبتون، غير أن القراءة الحرفية للنظام الأساسي تؤيد قرار القاضي بكل تأكيد.
أما الجزء الثاني من الحكم القضائي، فهو عبارة عن خطأ واضح. واستند القاضي إلى أن التوقف كان تعسفياً وخاضعاً للأهواء، نظراً لأنه لم يأخذ في حسبانه تبني سياسة محدودة أكثر من مجرد التوقف المؤقت. وأساء القاضي استخدام المعيار التعسفي والهوائي في ذلك الحكم. وفي واقع الأمر، كان الأمر التنفيذي الصادر عن إدارة الرئيس بايدن (التوقف لمدة 100 يوم بما في ذلك الاستثناءات الكتابية) محدود التأثير للغاية.
وفي حين أن القضايا مختلفة تماماً، فإن حكم القاضي المحافظ تيبتون يعكس وبكل وضوح القرارات القضائية التي حالت بين دونالد ترمب وطرح سؤال المواطنة في التعداد السكاني الأخير لعام 2020. كما ألغت قرار أوباما بشأن الإجراء المؤجل للوافدين من الأطفال. وفي كلتا الحالتين، استعانت المحاكم الفيدرالية بقانون الإجراءات الإدارية للدفع بأن إدارة دونالد ترمب قد فشلت في إيضاح أسبابها بصورة كافية، ومن ثم فإن الأوامر اتسمت بالتعسفية ومخالطة الأهواء.
إن الرقابة القضائية الصارمة للغاية على أعمال الحكومة هي سيف ذو حدين على الدوام. وربما يتضح أن القضاة المعيَّنين من قبل الرئيس ترمب يعرقلون كثيراً من إجراءات إدارة الرئيس بايدن. ومن شأن ذلك أن يدفع ببعض الليبراليين إلى التحدث علناً ضد تلك التجاوزات القضائية. ومع ذلك، من الجدير امتلاك سلطة المراجعة القضائية على أعمال الحكومة، تفادياً لوقوع الإجراءات الحكومية المنافية للقانون. وليس من شأن إدارة الرئيس جوزيف بايدن أن تكرر التجاوزات المرتكَبة إبان إدارة ترمب السابقة، التي عززت من أهمية المحكمة في معرض جهود المحافظة على سيادة القانون على مدار السنوات الأربع الماضية.
وعلى سبيل الملاحظة القانونية الجانبية، ليس من الواضح أن منع تنفيذ أمر الإيقاف المؤقت سوف يسفر بالضرورة عن إجبار السلطة التنفيذية الأميركية على ترحيل أي شخص بصورة يقينية. ولكن هذا مجال آخر تماماً، وهو أعمق من حيث انفتاحه على دهاليز السلطة التنفيذية وخفايا قانون الهجرة في الولايات المتحدة.
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»