عهود لبنان مع رؤساء الحكومات... صراع زعامات وخيارات

دارت أحياناً في ظل واقع إقليمي مؤثر أخل بالموازين

عهود لبنان مع رؤساء الحكومات... صراع زعامات وخيارات
TT

عهود لبنان مع رؤساء الحكومات... صراع زعامات وخيارات

عهود لبنان مع رؤساء الحكومات... صراع زعامات وخيارات

الخلافات التي تحكم علاقة الرئيس اللبناني ميشال عون، برئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري، ليست حالة فريدة ولا سابقة في تاريخ لبنان، إذ دائماً ما كانت التباينات تطغى على تفاهمات الرئاستين الأولى والثالثة منذ الاستقلال في عام 1948 مروراً بحقبة الحرب الأهلية وانتهاءً بالعهود التي تعاقبت على الحكم بعد اتفاق الطائف. وغالباً ما عبّرت هذه التباينات عن صراع نفوذ حيناً على الزعامة وتثبيت كلّ منهم زعامته في المعادلة الداخلية تارة، وأحياناً على الخيارات السياسية التي حوّلت لبنان ساحة مفتوحة للنزاعات الخارجية.
يختلف وصف صراعات المرجعيتين بين عهد وآخر، قلّما سادت لغة الانسجام بينهما وفق تعبير مَن عايشوا تلك العلاقات منذ منتصف القرن الماضي، خصوصاً عندما يكون الافتراق على قضايا مصيرية. إلا أن الأخلاق السياسية قبل الحرب (1975 - 1990) كانت تلعب دوراً في «إدارة» النزاعات وإبقائها «مضبوطة»، لأسباب عديدة أبرزها: أن الكلّ كان يقرأ الدستور ويطبقه، كما كانوا يمارسون الحكم على أساس وجود سلطة تحكم ومعارضة تراقب وتحاسب، مع مراعاة مبدأ استقلالية السلطات وتعاونها، بخلاف الواقع الحالي القائم على قاعدة «دمج السلطات وتطاحنها».
على قاعدة «أن من لا يقرأ التاريخ ويأخذ العبرة منه، لا يمكنه أن يبني مستقبلاً، تقف القيادات اللبنانية إزاء أزمة الحكم الراهنة في لبنان خارج هذه المعادلة، لا بل إن بعضها يجد في ممارساته استمراراً للحقبة الماضية»، يقول الوزير السابق رشيد درباس في تصريح لـ«الشرق الأوسط».
ويتابع الوزير السابق أن «الخلاف بين رؤساء الجمهورية ورؤساء الحكومات في مرحلة ما بعد الاستقلال، كان دائماً صراع زعامات، وكانت انطلاقته بين الرئيس بشارة الخوري (أول رئيس للبنان بعد الاستقلال) ورئيس الحكومة رياض الصلح، فكان خلافهما أشبه بـ(منازلات الديوك)، باعتبار أنهما زعيما الاستقلال». ويلفت درباس إلى «استمرار التباين بين القصر الجمهوري والسراي الحكومي، إلى أن تفجّر على الخيارات بين الرئيس الراحل كميل شمعون، الداعي –في حينه– لانضمام لبنان إلى «حلف بغداد»، وبين رئيس الحكومة الراحل رشيد كرامي الذي كان ضمن المعسكر المؤيد للوحدة بين مصر وسوريا، في منتصف الخمسينات من القرن الماضي.

رفيق الحريري «رافعة عهد» إلياس الهراوي
لم يكن المشهد مختلفاً في العهود التي نشأت بعد «اتفاق الطائف»، غالباً ما عصفت الخلافات بين رؤساء الجمهورية والحكومات، وهذا ما استهلّ في علاقة الرئيس الراحل إلياس الهراوي برئيس الحكومة الراحل عمر كرامي، على قضايا كثيرة وأساسية، بدءاً من الاختلاف على مقرّ انعقاد مجلس الوزراء، وانتهاءً بترؤس رئيس الجمهورية جلسات الحكومة، مروراً بتباعد الرؤى على الصلاحيات. ولقد استمرّ هذا التباعد إلى أن سقطت حكومة كرامي تحت ضغط الشارع في عام 1992 بسبب انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي.
غير أن «المرحلة الذهبية» من عهد الهراوي كانت بوصول الرئيس رفيق الحريري إلى رئاسة الحكومة، فكانت مرحلة تحوّل حقيقية، أسست لمحو آثار ما خلّفته الحرب، والدخول في عملية بناء مؤسسات الدولة المتصدّعة. وهنا يؤكد الوزير درباس أن الهراوي «وجد في رفيق الحريري رافعة عملاقة لعهده، بدأت بإعادة إعمار لبنان وبناء ما دمرته الحرب الأهلية». ويرى أن «وصول إميل لحود إلى رئاسة الجمهورية تُرجم تغييراً للنهج السوري في لبنان، وتعبيراً واضحاً عن امتعاض نظام آل الأسد من تمادي الحريري في مشروع بناء الدولة، فقرّروا وضع حدّ لهذه الاندفاعة عبر تنصيب إميل لحود رئيساً للجمهورية، وتوكيله بمهمة إحباط مشروع الحريري وتهديم كل ما بناه». ويلفت درباس إلى أن «انتصار رفيق الحريري في انتخابات عام 2000 فرض على لحود مساكنة بشعة، خصوصاً، مع تراجع نفوذ (الرئيس السوري الراحل) حافظ الأسد لصالح نجله بشّار، الذي استكمل مشروع تطويق الحريري سياسياً واقتصادياً... وحتى أمنياً وصولاً إلى اغتياله في شباط فبراير (شباط) 2005».

«إعلان بعبدا» والانقلاب عليه
بعد عهد لحود وما رافقه وتلاه من اغتيالات، وتبعه فراغ رئاسي دام ثمانية أشهر، وأيضاً بعد اجتياح بيروت وجبل لبنان عسكرياً من «حزب الله» وحلفاء النظام السوري، انتُخب قائد الجيش اللبناني ميشال سليمان رئيساً للجمهورية. وحسب درباس: «ميشال سليمان كان حكيماً، واستطاع التفاهم مع رؤساء الحكومات (فؤاد السنيورة، وسعد الحريري، ونجيب ميقاتي، وتمام سلام)، وتمكّن من رعاية الحوار الوطني في قصر بعبدا، وتأمين إجماع وطني على (إعلان بعبدا)، الذي اعتمد سياسة النأي بالنفس وتحييد لبنان عن أزمات المنطقة. لكنّ (حزب الله) سرعان ما انقلب على هذا التفاهم، وبات يسمّي سليمان (ساكن قصر بعبدا) بدلاً من تسميته رئيس الجمهورية، ثم ذهب إلى القتال في سوريا بخلاف إرادة باقي المكوّنات اللبنانية».
كثيرون يجدون «مبرّراً» للاختلاف الذي طبع عهود ما قبل «اتفاق الطائف» عن العهود الذي خرجت من رحم «وثيقة الوفاق الوطني». ويذكّر النائب السابق صلاح حُنين، بأن «رئيس الجمهورية قبل الطائف كان الحاكم المطلق بفعل صلاحياته الواسعة، فكان يختار رئيس الحكومة القريب من سياسته، ويشكّل معه الحكومة التي تناسبه». وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أعطى حنين أمثلة كثيرة على ذلك، لافتاً إلى أن «الرئيس بشارة الخوري كان في خندق واحد مع رئيس الحكومة رياض الصلح، رغم التباينات التي برزت بينهما لاحقاً. كذلك كان الانسجام كاملاً بين الرئيس (الجمهورية) فؤاد شهاب والرئيس (الحكومة) رشيد كرامي، وأيضاً (رئيس الجمهورية) سليمان فرنجية مع (رئيس الحكومة) صائب سلام، وبين الرئيس إلياس سركيس والرئيس سليم الحص».

فؤاد شهاب لا يتكرّر
صراعات الرئاستين الأولى والثالثة القائمة بأوجه مختلفة وبحدّة متفاوتة، قبل الحرب وبعدها، لا تفسّر على أنها صراعات بين الموارنة والسنة، وفق تعبير وزير العدل السابق الدكتور شارل رزق، الذي عاصر العهود منذ الرئيس فؤاد شهاب في ستينات القرن الماضي. إذ يؤكد رزق لـ«الشرق الأوسط»، أن الأمر «مرتبط بشخصية رئيس الجمهورية ومدى إدراكه لإدارة البلد بالتفاهم من المكونات الأخرى». وهو يرى أن «الرئيس شهاب كان حالة استثنائية لا تتكرّر، ورجلاً حكيماً في استيعاب البلد وتناقضاته. وبالتالي، استطاع بالتفاهم مع الرئيسين رشيد كرامي و(رئيس مجلس النواب) صبري حمادة، أن يحوّل عهده إلى عهد الإنجازات وبناء مؤسسات الدولة». وفي المقابل، لا يجد رزق داعياً للغوص في عهد الرئيس ميشال عون، إذ يرى أن هذا العهد «مسيّر كلّياً من (حزب الله) وإيران، وبذلك حوّل لبنان إلى دولة فاشلة وقاصرة عن إدارة شؤونها بذاتها». وردّ الأمر إلى «قلّة الإدراك والخبرة السياسية في إدارة البلد، وهو ما قد يضع لبنان أمام وصاية دولية يشتم رائحتها في مطابخ القوى الدولية».

الحريري وخسارة الحلفاء
لقد سجّل العهد الحالي رقماً قياسياً في التعطيل والشلل وتسريع عملية الانهيار، ويعزو الوزير السابق رشيد درباس الأمر إلى «استحالة خروج ميشال عون من الماضي» ورفضه «التأقلم مع دستور الطائف». ويمضي شارحاً: «عون لم يتغيّر ولا يزال تتحكّم به عقلية رئيس الحكومة العسكرية... إن كثيرين خُدعوا واعتقدوا أن ميشال عون تغيّر بعد عودته من منفاه في باريس، وأول مَن خُدِع به سعد الحريري و(رئيس حزب القوات اللبنانية) سمير جعجع». ومن ثم، يصف درباس عون بأنه «رجل انقلابي ويريد حكماً رئاسياً بأي ثمن، كما يريد دولة يحكمها بالشكل، لكنها في المضمون محكومة بإرادة (حزب الله)». ويشدد على أن «التنازلات الكبيرة التي قدّمها سعد الحريري لم تُبقِ له حلفاء في الداخل ولا في الخارج... وأنا أعتقد أن أزمتنا طويلة، لأننا دخلنا في صميم الصراع الإقليمي والدولي».
من جانب ثانٍ، فإن ما يشهده اللبنانيون من أزمات الآن ليس نتاج الغموض في بنود الدستور كما يرى البعض ولا في التباس نصوصه، بل هو نتاجٌ لصراع على السلطة ومقاربات آليات الحكم بين المؤسسات. ويشير النائب السابق صلاح حنين -وهو محامٍ وخبير دستوري- إلى أن «الاختلافات في مرحلة ما بعد الاستقلال كانت تحترم القِيَم، لأن رؤساء الجمهورية والحكومات كانوا يحترمون الدستور ويطبقونه بشكل سليم. أما مشكلتنا القائمة اليوم فتكمن في تقدّم الأعراف على المواد الدستورية، لأن كلّ الأحزاب رغم تناقضاتها وحروبها تريد أن تكون في الحكومة وجزءاً من السلطة، بل كلّ منها يريد تشكيل الحكومة وفق رؤيته وتسييرها بما يخدم أجندته». ويضيف: «لكي ينجح الحكم فإنه يحتاج إلى مؤسسات تعمل، والمؤسف أننا نفتقر اليوم لهذه المؤسسات، إذ لا حكومة ولا مجلس نيابي فاعل ولا رئاسة جمهورية تمارس دورها المنصوص عليه في الدستور».

فاتورة السلاح والوصايات
وكما دفع لبنان ضريبة هيمنة السلاح الفلسطيني في السبعينات، ثم فاتورة الوجود السوري حتى عام 2005 تاريخ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، ها هو يدفع اليوم فاتورة الوصاية الإيرانية. وعند هذه النقطة يقول الدكتور رزق: «ليت العهد الحالي تواصل مع الإيرانيين مباشرةً، وتحاور معهم حول مصلحة لبنان، لتجنيب البلاد تداعيات الدور الإيراني في المنطقة». ويرى أن عهد عون «اكتفى بأن يكون تحت ظلّ الوصاية الإيرانية المتمثِّلة بـ(حزب الله)، وأن يؤمّن الغطاء السياسي لهذا الحزب، وهو ما وضع البلاد تحت عزلة عربية ودولية غير مسبوقة».
صحيحٌ أن المواجهة بين رئاسة الجمهورية وما تمثّل، ورئاسة الحكومة وما تمثّل، بلغت ذروتها في عهد الرئيس إميل لحود، الذي خاض حرب إلغاء سياسية واقتصادية -وحتى أخلاقية- مع رفيق الحريري، عبر ملاحقة أقرب المقرّبين منه وزجّهم في السجون، واستخدام القضاء والأمن أداة لتنفيذ هذه الحرب، إلا أن لحود خسر تلك الحرب مع عودة رفيق الحريري إلى السلطة على حصان أبيض، جرّاء فوزه الكبير في انتخابات عام 2000، لكنّ هذا الفوز أسّس لأخطر مرحلة في حياة اللبنانيين، إذ فتح البلاد على الاغتيالات السياسية، التي بدأت مع محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2004 بعد أسابيع قليلة على التمديد لإميل لحود. ثم اغتيال الحريري المُزلزِل في 14 فبراير 2005 الذي تلته سلسلة طويلة من الاغتيالات طالت وزراء ونواباً وقيادات أمنية وحزبية وإعلاميين مناوئين للنظام السوري وللسطوة الإيرانية على لبنان.
أخيراً، لا يحمّل صلاح حنين مسؤولية الصراع مع رفيق الحريري للرئيس لحود وحده، إذ يذكّر بأن الأخير «كان ينفّذ رغبة السوريين، الذين يضغطون على الحريري بشكل غير معهود، لأنه كان يواجه بشكل غير مباشر هيمنتهم على السلطة في لبنان وتدخلهم بكل شاردة وواردة». ويؤكد حنين أن «ما سهّل على السوريين فرض قراراتهم وخياراتهم، وجود قيادات وأحزاب قوى سياسية في لبنان تؤيدهم بذلك، وهي نفس القوى المتحالفة الآن مع إيران من خلال (حزب الله)».

عون في الحرب كما في السلم... لم يتغيّر
> ممارسات العماد ميشال عون للسلطة إبان الحرب الأهلية اللبنانية، جاءت متطابقة مع سياسته المعتمدة في مرحلة السلم. ويتوقف سياسيون عايشوا حكم «الجنرال» في محطات مهمة خلال رئاسته للحكومة العسكرية ما بين عامي 1988 و1989 ليؤكدوا أنه «عندما أصدر رئيس الجمهورية الأسبق أمين الجميل مرسوم تشكيل حكومة عسكرية برئاسة عون، كانت مهمة هذه الحكومة تهيئة الأجواء لانتخاب رئيس للبلاد، لكن عندما فشل عون في إقناع السوريين بانتخابه رئيساً، أعلن حرب التحرير ضدّ الجيش السوري إلى حين إخراجه من لبنان، وتوعّد بـ(تكسير رأس حافظ الأسد). لكن النتيجة كانت معاكسة تماماً، إذ جرى تدمير لبنان، وتمكّن السوريون من تدمير القصر الجمهوري الذي فرّ منه عون هارباً إلى السفارة الفرنسية».
ويدحض السياسيون المتابعون لسلوك رئيس الجمهورية منذ نهاية التسعينات، مقولة أن «اتفاق الطائف فُرض فرضاً على النواب المسيحيين الذين شاركوا في المفاوضات». ويشدد هؤلاء على أن عون «كان يواكب ساعة بساعة مسار نقاشات النواب المسيحيين في الطائف، ويوافق على كلّ بند من بنوده قبل إقراره، غير أنه سرعان ما انقلب على الاتفاق لمجرّد أنه تمّ التوافق على انتخاب النائب رينه معوّض رئيساً للجمهورية بعد الطائف، وذهب إلى حلّ المجلس النيابي. وعندما فوجئ بقبول (القوات اللبنانية) هذا الاتفاق من أجل إنهاء الحرب الأهلية وإخراج لبنان منها بعدما أنهكت شعبه ودمرّت مؤسساته، ووضعه على سكّة التعافي، لم يتردد عون في إعلان ما يعرف بـ(حرب الإلغاء) على القوات، بذريعة توحيد البندقية في المنطقة الشرقية، ورفض أي سلاح غير سلاح الجيش اللبناني». ويرى هؤلاء أن تلك الحرب «دمّرت المجتمع المسيحي، وأسهمت في تعميق الجراح بين عائلاته، وهجّرت الآلاف من شبابه إلى الخارج».
وكما في حقبة الحرب كذلك في زمن السلم. إذ عاد «الجنرال» من منفاه الباريسي إلى لبنان في 7 مايو (أيار) 2005، بعد اغتيال رفيق الحريري محتفياً بـ«إقناعه» الأميركيين بإقرار «قانون محاسبة سوريا» رداً على ارتكابات نظامها في لبنان، ومطالباً بحلّ كل الميليشيات المسلّحة وحصر السلاح بيد الدولة فقط. إلا أنه لم يتأخر في التحالف مع أبرز هذه الميليشيات وأكثرها تقويضاً للدولة، عندما سارع إلى إبرام تفاهم كنيسة «مار مخايل» مع أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله، ثم غطى اجتياح «حزب الله» لبيروت وجبل لبنان في 7 مايو 2008، وارتضى أن يكون السبب المباشر في الفراغ الرئاسي عام 2007 إثر انتهاء ولاية إميل لحود الممدّدة، ثم عام 2014 مع انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان. ويؤكد السياسيون أن الرئيس عون «يضع أمام ناظريه هدفاً واحداً هو الانقلاب على الطائف، والعودة إلى الحكم الرئاسي، وإذا لم ينجح بتعديل الطائف بالنصوص، يسعى إلى تكريس أعراف انقلابية في الممارسة».

الضريبة الباهظة لهيمنة السلاح والوصايات
> لم يكن لبنان في يوم من الأيام جزيرة معزولة عن محيطه العربي، بل كان البلد الأكثر تأثراً بما يجري من أحداث في المنطقة. إلا أنه دائماً ما يبقى الحلقة الأضعف والضحية الأولى لسياسات تُفرض عليه رغم إرادة أبنائه، بدءاً من «اتفاق القاهرة» الذي شرّع السلاح الفلسطيني، ومنحه حقّ تنفيذ عمليات عسكرية ضدّ إسرائيل انطلاقاً من الأراضي اللبنانية، وانتهاءً بالسلاح الإيراني الذي جعل منه ساحة مفتوحة تصفّي عبرها طهران حساباتها مع العالم. وكما عانى البلد الصغير تداعيات الوجود الفلسطيني المسلّح، الذي انتهى باجتياح عسكري إسرائيلي للبنان عام 1982 وصولاً إلى العاصمة بيروت، ثم عانى طويلاً من آثار الهيمنة السورية، والمؤسف أن القبضة الأمنية والعسكرية السورية المباشرة لم تنتهِ إلا باغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري عام 2005.
واليوم يرى المراقبون أن «الفراغ الحكومي الناجم عن خلاف رئيس الجمهورية مع الرئيس سعد الحريري على شكل الحكومة العتيدة والحقائب والأسماء، يبقى أبعد من صراع الرجلين على آلية الحكم». ويُعرب هؤلاء عن أسفهم لأن يكون «العهد القوي مجرّد واجهة تغطي أدوار (حزب الله) في الداخل والخارج، ويرهن البلد لصالح الأجندة الإيرانية». ويتخوّف هؤلاء من «الكلفة الباهظة التي قد يدفعها لبنان ثمن التخلّص من النفوذ الإيراني الموجود في السلطة»، ويؤكدون أنه «لم يسبق للبنانيين أن عايشوا مثل هذه السياسات التي أوصلت البلد إلى الانهيار على كلّ الصعد، وحولّت لبنان من بلد ديمقراطي ليبرالي، إلى دولة فاشلة بكل المقاييس».



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.