المعارضة التركية أمام امتحان «جدارتها بتولي السلطة»

غزة والاقتصاد أسهما في الصفعة الانتخابية القاسية لإردوغان

الرئيس رجب طيب إردوغان يتقاسم المنصة مع مراد كوروم مرشح حزبه الخاسر لمنصب رئاسة بلدية اسطنبول (رويترز)
الرئيس رجب طيب إردوغان يتقاسم المنصة مع مراد كوروم مرشح حزبه الخاسر لمنصب رئاسة بلدية اسطنبول (رويترز)
TT

المعارضة التركية أمام امتحان «جدارتها بتولي السلطة»

الرئيس رجب طيب إردوغان يتقاسم المنصة مع مراد كوروم مرشح حزبه الخاسر لمنصب رئاسة بلدية اسطنبول (رويترز)
الرئيس رجب طيب إردوغان يتقاسم المنصة مع مراد كوروم مرشح حزبه الخاسر لمنصب رئاسة بلدية اسطنبول (رويترز)

أفرزت الانتخابات المحلية التركية الأخيرة، واقعاً جديداً في البلاد التي يحكمها رجل تركيا القوي رجب طيب إردوغان منذ أكثر من عقدين، جعلت حزبه «العدالة والتنمية» الإسلامي النزعة الثاني في البلاد من حيث الشعبية خلف حزب «الشعب الجمهوري» العلماني الذي تصدّر التمثيل الشعبي في البلاد لأول مرة منذ عام 1977. ثم إنها كانت المرة الأولى التي تستطيع فيها المعارضة اختراق منطقة الأناضول «القلب النابض» لحزب «العدالة» الذي كان دائماً يهيمن على الانتخابات فيها بأصوات الناخبين المحافظين، مقابل التقدم التقليدي لحزب المعارضة العلماني في السواحل. فالانتخابات التي فازت بها المعارضة، وأتت بعد أقل من سنة على فوز صعب لإردوغان في الانتخابات الرئاسية، ستجعل السنوات الفاصلة عن الانتخابات العامة بعد نحو 4 سنوات، سنوات حاسمة... إما تنتهي بخروج الرئيس وحزبه من السلطة إذا ما نجحت المعارضة في استغلال وجودها في السلطات المحلية، وإما بعودة مظفرة لإردوغان الذي عرفت عنه قدرته الفائقة على تحويل التحديات إلى فرص، كما حدث في غير مناسبة سابقة. من جهة ثانية، رغم «محلية» الانتخابات، كانت دلالاتها كبيرة سياسياً، خصوصاً أنها فاجأت الجميع، حتى المعارضين أنفسهم. ومع أن هذه النتائج لن تؤثر في وضع إردوغان في السلطة حالياً، فإنها قد تكون «جرس إنذار» أو «صفعة عقاب» لسياساته الداخلية والخارجية، وفي المقابل ستشكّل امتحاناً للمعارضة مدته السنوات الفاصلة عن الانتخابات العامة يختبر قدرتها على منع تعديل الدستور خلالها بما يسمح لإردوغان بالترشح مجدداً في ظل القيود التي يفرضها الدستور الحالي على هذا الترشيح.

سلّم الرئيس رجب طيب إردوغان بخسارته الانتخابات المحلية التركية الأخيرة، إذ قال إن نتائجها «تشكل منعطفاً» بالنسبة لحزبه. وتابع في خطاب ألقاه من شرفة المقر الرئيس للحزب الحاكم في أنقرة، إن حزب «العدالة والتنمية» لم يحصل على ما كان يأمله من الانتخابات المحلية. لكنه أعلن احترام حزبه ما أفرزته الصناديق والتزامه بالديمقراطية، وأن هذه الانتخابات «ليست نهاية الطريق بل نقطة تحوّل تستدعي تقييم المرحلة السابقة». ومن ثم، تعهد بتحليل نتائج الاقتراع، مؤكداً أن حزبه سيجري بكل شفافية وشجاعة النقد الذاتي، ويعمل على إصلاح الأخطاء.

فرصة للمعارضة

جيرين كينار، الباحثة والمحلّلة السياسية التركية المقيمة في العاصمة البريطانية لندن، رأت أن ما حدث شكَّل مفاجأة للجميع. وتابعت كينار التي غطّت الشأن التركي لوسائل إعلام عالمية مثل «الفورين بوليسي» و«النيويورك تايمز» و«الغارديان» أن «لدى المعارضة اليد العليا الآن، كما لأن لديها المزيد من الموارد المهمة، فالبلديات تشكل مصدر دخل كبيراً... وموازنة إسطنبول وحدها توازي أو تفوق موازنات 10 وزارات مجتمعة».

وأردفت كينار: «المعارضة ستستعمل هذه الموارد المهمة في المجال الاقتصادي؛ حيث يعاني الناس من المصاعب، وسيكون بإمكان المعارضة تقديم مساعدات لهؤلاء، ما من شأنه زيادة شعبيتها أكثر. وبالتالي، إذا استطاعت المعارضة الاستفادة من هذا الواقع، وأظهرت للأتراك نجاعة إدارتها وقدرتها على تحقيق الإنجازات، فهذا سيقنع مزيداً من الناخبين الأتراك التصويت لهم في الانتخابات المقبلة»

ومن ناحية ثانية، أوضحت الباحثة كينار أنه «في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة، حقق إردوغان فوزاً ضئيلاً، وبعد أقل من سنة تغيرت الموازين ليصبح «العدالة والتنمية» الحزب الثاني في البلاد بعد حزب الشعب الجمهوري. النتائج كانت صادمة لأنه لا الحكومة ولا المعارضة كانا يتوقعانها». وتابعت أن فوز المعارضة في المدن الثلاث الكبرى، أي أنقرة وإسطنبول وأزمير «كان متوقعاً... لكن أحداً لم يتوقع أن ينال (الشعب الجمهوري) أصواتاً أكثر من (العدالة والتنمية)، وأن يخسر العدالة في الأناضول، معقله الأساسي».

الأسباب كثيرة... والنتيجة واحدة

تردّ كينار هذه النتائج إلى جملة من العوامل، أولها: أن «الناخبين الأتراك بغالبيتهم يعتقدون أن إردوغان يجب أن يقود البلاد، ولهذا صوّتوا له في الانتخابات الرئاسية... إنهم يثقون به لقيادة البلاد وحفظ أمنهم القومي، لكن ظنهم خاب من بعض سياساته وسياسات حكومته، وأرادوا إبلاغه برسالة تعبر عن سخطهم على أوضاعهم». أما ثاني العوامل فهو المشكلات الاقتصادية «فهناك تضخم، وتراجع كبير في مستوى معيشة المواطنين العاديين والطبقة الوسطى».

مع هذا، لا ترى كينار «عندما ننظر إلى الحقائق التي أفرزتها الانتخابات... انتقالاً كبيراً للأصوات من (العدالة) إلى حزب (الشعب)». وتضيف: «ما حدث هو انخفاض نسبة مشاركة ناخبي العدالة والتنمية، وهذا ما أسميه بالمقاطعة الصامتة... أما ما حدث في جهة المعارضة، فإن كل الاحزاب الصغيرة، وكذلك الأكراد، صوّتوا لصالح حزب (الشعب الجمهوري)، ولم يصوّتوا لأحزابهم التي لم تكن لديها آمال كبيرة».

مناصرو المعارضة التركية يحتفلون (رويترز)

غزة... عامل أساسي

على صعيد آخر، تثير جيرين كينار «أهمية انعكاسات ما يحدث في غزة»، فتقول: «إردوغان أدلى بمواقف حادة حيال اسرائيل، لكن الحزب الجديد (الرفاه الجديد) الذي يقوده فاتح أربكان شن حملة مؤثرة ضد إردوغان، مؤكداً أن الحكومة لم تفعل ما يكفي لمواجهة إسرائيل ونصرة غزة. فالحكومة لم تقطع العلاقات مع إسرائيل، ولم توقف التجارة معها، بل ذهب حزب (الرفاه الجديد) إلى قول إن الحكومة التركية تدعم إسرائيل بطريقة ما. وهكذا استطاعت الأحزاب الإسلامية الصغيرة اقتطاع نسبة من أصوات إردوغان وحزبه، وهو ما أدى إلى انتصارات (الشعب الجمهوري) في الأناضول».

وفعلاً، تشير كينار إلى أن استطلاعات الرأي التي أجريت بين هؤلاء الناخبين، بيّنت أنهم يرون أن الرئيس لم يفعل ما يكفي لمساعدة غزة، كما أخذوا عليه انهزامه أمام (لوبي الفائدة) برفعه أسعار الفائدة بعد سنوات من إصرار على ألا يفعل».

المستقبل

المستقبل ليس قاتماً لإردوغان من وجهة نظر كينار، فإردوغان «موجود ليبقى، ولن يغادر قريباً». وتضيف: «هذه ليست انتخابات عامة. لم يتغير شيء... لكن الكثير قد تغير في الوقت نفسه. فإردوغان لا يزال في السلطة، لكن ثمة تحولاً كبيراً في تركيا أدى الى أن يصبح «الشعب الجمهوري» هو الحزب القائد في البلاد، وهذا ما يحصل للمرة الأولى منذ عام 1977. وعليه، ترى أن المستقبل، سيعتمد على ردة فعل إردوغان حيال النتائج، وهل سيتحول نحو محاولة إعادة اكتساب الاصوات والقلوب عبر تغيير في السياسات التي اعتمدها، أو الذهاب نحو سياسات متصلبة أكثر. وتختتم: «أعتقد أنه سيذهب في الاتجاه الأول، وأعتقد أنه سيحافظ على سياسته الاقتصادية، وسيواصل سياسته التصالحية مع الغرب، كما مع العراق وليبيا، وكما فعل مع دول الخليج... لن يكون هناك أي تحوّل كبير في السياسة الخارجية»

رأي جاهد توز

جاهد توز، المستشار السابق في رئاسة الوزراء التركية، وافق كينار في أن «حرب غزة كانت عاملاً أساسياً في النتائج». واعترف بأن «غالبية مناصري حزب (العدالة والتنمية) من المتدينين المحافظين، وهؤلاء ما كانوا مقتنعين بأن الحزب التزم بما عليه في موضوع غزة. والرأي الأساسي الموجود عند جمهور الحزب أن (العدالة والتنمية) برئاسة رجب طيب إردوغان كان يستطيع أن يقدم دعماً أكبر وملموساً أكثر لكنه لم يفعل... ثم إن تركيا لم تقطع علاقتها التجارية مع إسرائيل، ولم تأت بأي خطوات ملموسة بهذا الموضوع».

وأوضح توز أن «الشعب لاحظ أن كلام الرئيس كبير بعكس الفعل... إذ لم يأت أي شيء من الحكومة، ولذا، فمعظم الجمهور الذي يصوّت لحزب (العدالة والتنمية) لم يتوجه إلى صناديق الاقتراع». وأردف: «كانت مفاجأة للجميع لكن أيضاً في الوقت نفسه، كانت متوقعة بالنسبة لكثيرين من متابعي السياسة التركية... فعند الكلام عن الانتخابات في تركيا يجب الفصل بين الانتخابات الرئاسية والانتخابات المحلية، لأن العوامل التي تؤثّر في الأولى تختلف تماماً عن العوامل التي تؤثر في الثانية». وهنا، شرح المستشار السابق أن «من أهم أولويات الناس:

- رواتب المتقاعدين - يقدّرون بـ16 مليون متقاعد، وهذا رقم ضخم -. الحكومة تدعم رواتب الموظفين الرسميين على مستوى البلاد ورواتب كل موظفي الدولة، في وقت باتت فيه رواتب المتقاعدين منخفضة جداً.

- الخلافات داخل حزب (العدالة والتنمية)، إذ توجد فئة قوية تؤثّر في قرارات الرئيس، وهؤلاء متهمون بالتأثير في الرئيس كي يختار ناساً غير مناسبين لرئاسة البلديات.

- هذه الانتخابات الأخيرة بيّنت أن نصيب «العدالة والتنمية» من ناحية الأصوات لم يتراجع... فالذين ذهبوا إلى مراكز الاقتراع بحسب الإحصاءات 76 في المائة. هذا الرقم في انتخابات 2019 كان 88 في المائة ما يعني أن نحو 9 في المائة من الناخبين لم يقترعوا. وبشكل عام فنحو 13 مليوناً معظمهم - أي ما يقارب 10 ملايين شخص - هم من مناصري «العدالة والتنمية» الذين لم يقترعوا اعتراضاً لأسباب معينة.

توز أشار أيضاً إلى أن قراءة الانتخابات المحلية يجب أن تقسم إلى قسمين: الأول فوز الرئاسة، والثاني فوز أعضاء مجلس البلديات. وشرح: «لناحية أعضاء المجلس البلديات، هناك 32 في المائة من حزب (العدالة والتنمية) مقابل 23 في المائة للمعارضة، وهذا يعني أن (العدالة والتنمية) نال 32 في المائة على مستوى الإدارة في كل البلاد مقابل 22 في المائة للمعارضة أي حزب (الشعب الجمهوري). والحقيقة، أن رؤساء البلديات لا يستطيعون أخذ أي قرارات إلا بموافقة المجلس... وبالتالي، فالقوة داخل مجالس البلديات تبقى عند حزب (العدالة والتنمية)».

إردغان: هذه الانتخابات ليست نهاية الطريق، بل نقطة تحوّل تستدعي تقييم المرحلة السابقة

قراءة عربية للنتيجة

ومن جهته، رأى محمد سرميني، رئيس «مركز أبعاد للدراسات» أن حزب (الشعب الجمهوري) الذي حقق التفوق في الانتخابات «ربما لم يكن يتوقع هكذا نتيجة، لأنه استطاع الفوز برئاسة بلديات للمرة الأولى منذ تأسيس حزب (العدالة والتنمية) الذي استحوذ عليها، مثل ولايات زونغولداك وبورصة ومانيسا».

وأردف سرميني: «أن تفوّق (الشعب الجمهوري)، أكبر أحزاب المعارضة التركية، في ولايتي إسطنبول وأنقرة كان متوقّعاً، نظراً للشعبية التي يحظى بها رئيسا البلدية في الولايتين، لكن ما لم يكن متوقعاً هو وصول الحزب إلى نسبة تصويت تجاوزت 37 في المائة على مستوى تركيا، ليتقدّم على الحزب الحاكم في عموم البلاد وللمرة الأولى منذ تنافسه مع حزب (العدالة والتنمية) في الانتخابات». وتابع الباحث السوري أن النتيجة التي حققها «الشعب الجمهوري» أسهمت فيها عوامل كثيرة، أولها: إحجام قرابة 4 ملايين من ناخبي «العدالة والتنمية» عن التصويت، معظمهم من المتقاعدين المستائين من عدم تعديل أجورهم، ورفع مستوى الدخل التقاعدي لديهم. وثانيها الدعم غير المعلن الذي قدمه حزب «المساواة والديمقراطية» الكردي وحزب «الجيد» لمرشحي حزب «الشعب الجمهوري»، خصوصاً في المدن الكبرى، حيث اتضح أنه رغم الإعلان عن تفكك جبهة «الطاولة السداسية» التي دخلت عبرها المعارضة الانتخابات الرئاسية في مايو (أيار) 2023، احتفظت أبرز أحزاب «الطاولة بتفاهمات» ضمنية إزاء الانتخابات البلدية، نظراً لاتفاقها بهدف أساسي هو رغبتها بإزاحة «العدالة والتنمية» من الحكم.

سرميني توقع أن تعطي نتائج الانتخابات هذه دفعة معنوية للمعارضة التركية، وتضع بتصرف حزب «الشعب الجمهوري» موارد مالية مهمة من عوائد البلديات، كما سيحرص الحزب على إظهار أفضل ما عنده في إدارة البلديات التي فاز بها رغبة منه بتكبير الحاضنة الشعبية لاستثمارها في الانتخابات الرئاسية عام 2028. ثم قال إن سيناريو الانتخابات العامة المبكرة «غير وارد رغم تلويح بعض الأصوات به، خصوصاً أن الغالبية النيابية بيد تحالف الجمهور الحاكم الذي يضم «العدالة والتنمية» و«الحركة القومية». واستبعد لجوء المعارضة إلى خيار الشارع للضغط على الحكومة ودفعها إلى انتخابات نيابية ورئاسية مبكرة، «فمن مصلحة المعارضة، خصوصاً حزب «الشعب الجمهوري»، أن تكون لديه مساحة من الزمن ليثبت جدارته في إدارة البلديات».

 

 

فرز الأصوات في أحد المراكز الانتخابية (رويترز)

تغييرات في الحزب الحاكم

استطراداً، رأى سرميني أن حزب «العدالة والتنمية» «مقبل على تغييرات كبيرة على مستوى الصف الأول وقيادات الفروع، ومن المستبعد أن تحدث متغيرات في السياسة الاقتصادية التي اتضحت معالمها بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة... كما ستستمر السياسة الخارجية التركية على المسار نفسه الذي يركز على مكافحة الإرهاب وتعظيم فرص التبادل التجاري والاستثمارات، وكذلك الأمر على ملف اللاجئين الذي سيكون أكثر استقراراً، ولن يشهد مزيداً من التصعيد».

أخيراً، عودة إلى توز، فإنه قال إن هناك فصلاً بين شعبية الرئيس إردوغان وحزب «العدالة والتنمية» من 2002 إلى 2011، وأضاف: «أنا أتوقع أن الشعبية الموجودة ليست الحزب كمؤسسة بل شعبية إردوغان. وأتوقع إذا انسحب إردوغان، وجرت انتخابات من دونه، لن يصل تأييد «العدالة والتنمية» إلى أكثر من 10 في المائة. «الشعب» يرى أن إردوغان ملأ فراغ الزعامة في تركيا، وحالياً لا يوجد أي بديل كزعيم على مستوى البلاد، لأن الشعب يؤمن به».

 

أرقام انتخابية: «الشعب الجمهوري» أولاً

> لم يقتصر فوز المعارضة التركية على رئاسات البلديات الكبرى، بل استطاعت، هذه المرة، تعزيز حضورها، وانتزاعها أكثرية أعضاء مجالس البلديات الثلاث الكبرى؛ أي أنقرة وإسطنبول وأزمير، بعدما كانت قد حصلت في الانتخابات السابقة على رئاسات المجالس، وظل لحزب «العدالة والتنمية» أكثرية في عدد أعضاء المجلسين بأنقرة وإسطنبول.وفي محصلة الانتخابات المحلية، كان حزب «الشعب الجمهوري» أكبر الفائزين، بعدما رفع غلّته من بلديات المدن التركية من 21 بلدية في انتخابات عام 2019 إلى 35 بلدية في الانتخابات الأخيرة، بينها 14 مدينة كبرى، و21 محافظة. بينما كان حزب «العدالة والتنمية» أكبر الخاسرين، إذ فقَد 15 بلدية، من أصل 39 كان يستحوذ عليها في عام 2019؛ أي نحو 42 من البلديات التي كان يتولى إدارتها. أما ثاني الخاسرين فكان حليف إردوغان، حزب «الحركة القومية» الذي فقَد 3 بلديات، من أصل 11 بلدية. حزب «مساواة وديمقراطية الشعوب» الكردي فاز بـ10 بلديات، منها ثلاث مدن كبرى، وسبع محافظات، في حين دخل الحزب «الجيد» اللعبة ببلدية واحدة فاز بها، بعدما كان خارج المجالس البلدية منذ تأسيسه. وفي المقابل، دخل نجم جديد الساحة هو حزب «الرفاه الجديد» الذي فاز ببلديتين أيضاً.وبالنسبة للأرقام، حصل حزب «الشعب الجمهوري» على أكبر عدد من الأصوات بنيله نحو 17.4 مليون صوت، مقابل نحو 14 مليون صوت في عام 2019، في حين نال حزب «العدالة والتنمية» 16.3 مليون صوت، مقابل 20.5 مليون صوت حصل عليها في عام 2019. وخسر حزب «الحركة القومية» نحو مليون صوت بنيله 2.2 مليون صوت، كما خسر الحزب «الجيد» 1.7 مليون صوت بنيله 1.7 مليون؛ أي نحو نصف المقترعين له في الانتخابات السابقة، لكنه فاز رغم ذلك ببلديته الأولى.

 

 

نجل أربكان يهدّد «تلميذه» إردوغان

> دخل حزب «الرفاه الجديد» الساحة السياسية التركية من بوابة البلديات، محققاً الرقم الثالث في نسبة الأصوات الإجمالية، رغم حصوله على بلديتين فقط. و«الرفاه الجديد» نسخة محدثة من حزب «الرفاه» القديم الذي ترأسه نجم الدين أربكان، قائد الاتجاه الإسلامي، الذي أطلق إردوغان وحزب «العدالة والتنمية».جيرين كينار رأت أن «الرفاه الجديدبقيادة فاتح أربكان قدّم استراتيجية ذكية جيدة، فبعض الشخصيات التي غادرت حزب (العدالة والتنمية) كأحمد داود أوغلو، وعلي باباجان، وأسست أحزاباً مستقلة، ذهبت إلى التحالف مع حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات عام 2023، أما (الرفاه الجديد) فتحالف معه، لذا فضّل الساخطون على سياسات إردوغان من ذوي الخلفية الإسلامية التصويت لـ«الرفاه»، لا لحزبيْ داود أوغلو وباباجان». ومن جهته يرى توز أن «(الرفاه الجديد) حقق نجاحاً طيباً، ولكن ليس بطريقة تؤثر على حزب (العدالة والتنمية)؛ لأن الشعب التركي لا يرى أن رئيس هذا الحزب زعيم، بل سياسي يحاول الاستفادة من إرث والده، ولكن، إذ يصحح (العدالة والتنمية) أخطاءه... ممكن أن يكون بديلاً».

 

 

 

 

 

 

 


مقالات ذات صلة

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

حصاد الأسبوع استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا

فتحية الدخاخني (القاهرة)
حصاد الأسبوع ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بوتين... المستفيد الأكبر (أ.ف.ب)

جولات ويتكوف... و«سيناريوهات» الحوار

قد يكون المشهد الحالي للأزمة الأوكرانية، بالإضافة إلى المواقف الأوروبية المتشددة حيال مسألة الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بين أسباب مراجعة

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.