بسيرو ديوماي فاي «صديق عثمان سونكو»... الذي يسعى إلى تغيير وجه السنغال

تحوّلات دراماتيكية حملته من السجن إلى قصر الرئاسة

بسيرو ديوماي فاي «صديق عثمان سونكو»... الذي يسعى إلى تغيير وجه السنغال
TT

بسيرو ديوماي فاي «صديق عثمان سونكو»... الذي يسعى إلى تغيير وجه السنغال

بسيرو ديوماي فاي «صديق عثمان سونكو»... الذي يسعى إلى تغيير وجه السنغال

عندما وقف السياسي الشاب بسيرو (بشير) ديوماي فاي، ليؤدي اليمين الدستورية رئيساً جديداً للسنغال مطلع الشهر الحالي، لم يكن يتصور أنه قبل سنة واحدة فقط كان يقف في مكان وظروف مختلفة تماماً، ففي أبريل (نيسان) من العام الماضي لم يكن فاي سوى سجين متهم بالتشهير والقيام بأعمال من شأنها «تعريض السلام العام للخطر». ولكن ما بين أبريل 2023، وأبريل 2024 جرت في نهر الحياة السياسية السنغالية مياه كثيرة، قادت سفينة مفتش الضرائب السابق، الآتي من إحدى القرى النائية بريف السنغال، إلى قصر الرئاسة، لتدور حياة فاي في بضعة أيام دورة كاملة.

قبل 10 أيام فقط من انطلاق الاقتراع في الانتخابات الرئاسية السنغالية لم يكن ذلك، بسيرو (بشير) ديوماي فاي، السياسي ابن الـ44 سنة، سوى سجين يترقب مصيره خلف الأسوار، فإذا به يخرج من السجن ليتصدر قائمة المرشحين، ويحظى بفوز حاسم من الجولة الأولى في مواجهة مرشح الائتلاف الحاكم. ولقد جاء هذا الفوز بمثابة لحظة فارقة في تاريخ السنغال، ليس بوصول أصغر رئيس في تاريخ البلاد إلى القصر الرئاسي فقط، أو لأنه آتٍ من صفوف المعارضة، بل باعتبار ما حدث تحولاً جوهرياً للإرث السياسي للبلاد الذي استقر طيلة 6 عقود.

فاي عام 1980 في قرية ندياجانياو، وهي قرية زراعية صغيرة في غرب السنغال، تتبع إقليم تييس، ثاني أكبر أقاليم البلاد، وموطن رئيسها الأول ليوبولد سيدار سونغور، في هذه المنطقة الفقيرة، عاش جزءاً من طفولته ومراهقته، قبل أن يحصل على الثانوية العامة (البكالوريا) عام 2000، بعد صعوبات تعليمية ومجموع متوسط مكّنه من الالتحاق بـ«المدرسة الوطنية للإدارة» في جامعة الشيخ أنتا جوب بالعاصمة داكار، حيث تخرّج عام 2007، حاصلاً على «المتريز» (الإجازة) في القانون. بعدها انضم إلى الإدارة العامة للضرائب والممتلكات، وعمل مفتشاً للضرائب. غير أن تلك الوظيفة شكّلت نقطة تحول حقيقية في حياة ذلك الشاب الذي لم يكن حتى تلك اللحظة لديه طموحات سياسية كبيرة، بل ربما اقتصر الأمر على رغبته في الترقي المهني.

التعرّف إلى سونكو

تمثلت نقطة التحوّل في لقاء فاي بشاب يكبره بـ5 سنوات، لكنه كان شغوفاً بالسياسة، ومفعماً بأحلام التغيير، وسيصبح لاحقاً صديق عمره وقائده في دروب العمل السياسي. ذلك الشاب هو عثمان سونكو، الذي كان يتردد على النادي الرياضي نفسه الذي كان يتردد عليه فاي. وكذلك، عمل أيضاً مفتشاً للضرائب في تلك الفترة.

وهكذا، انطلقت رحلة صعود الصديقين، سونكو وفاي، من رحم المعاناة المهنية. إذ سعى الأول إلى تأسيس نقابة للوكلاء الضريبيين والماليين، لينضم إليه الأخير ويتشاركا العمل على كشف التجاوزات وسوء الإدارة في كثير من مجالات العمل الحكومي بالبلاد. لكن يبدو أن العمل في الضرائب ما كان كافياً لإشباع تطلّعات الشابين الطامحين للتغيير، فخلال عام 2014 شارك فاي رفيق رحلة الكفاح سونكو في تأسيس «حزب الوطنيين الأفارقة السنغاليين من أجل العمل والأخلاق والأخوة» - أو «الحزب الوطني السنغالي» - في قاعة صغيرة بجامعة داكار، وهو الحزب الذي ترأسه عثمان سونكو، وأصبح فاي أمينه العام في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2022.

برزت قدرات فاي في إطار التنظيم الحزبي الجديد، عندما تحوّل إلى «العقل المدبّر» لتوسع الحزب في الخارج، ولا سيما أوروبا. في حين صار سونكو، بخطابه الراديكالي، مصدر إزعاج للسلطات الحاكمة، التي لم تحاول فقط تقليص نشاط السياسي الشاب، عبر سجنه، بل سعت إلى حرمانه من المنصة السياسية التي ينطلق منها، أي الحزب الذي يتزعمه. وهكذا، جاء قرار حلّ الحزب في يوليو (تموز) 2023 تالياً لاعتقال عدد من قياداته، ومنهم فاي يوم 14 أبريل من العام ذاته بتهم الإساءة إلى قاضٍ، والتشهير، وارتكاب أعمال من شأنها تعريض السلام العام للخطر. كل هذا، لانتقاده عبر منشور على صفحته بموقع «فيسبوك» طريقة تعامل القضاء مع قضية عثمان سونكو الذي سبقه إلى السجن، ومُنع من الترشح لانتخابات الرئاسة، فاختار فاي بديلاً له ليخوض الانتخابات التي كادت تتحول إلى نهاية للديمقراطية السنغالية.

من السجن إلى القصر

لقد تضاعفت المخاوف من أن تنجرف السنغال إلى المسار «الانقلابي» عندما أعلن الرئيس المنتهية ولايته ماكي سال، يوم 3 فبراير (شباط) الماضي، تأجيل الانتخابات التي كانت مقرّرة في 25 من الشهر ذاته. إذ انفجر الشارع السنغالي غضباً، ووقعت صدامات في الشارع راح ضحيتها قتلى ومصابون، وقاطع معظم الأحزاب السياسية والمرشحون الـ19 لتلك الانتخابات دعوات الرئيس سال للحوار.

عندها، تراجع الرئيس رغم موافقة البرلمان الذي تسيطر عليه غالبية من الائتلاف الحاكم على قرار التأجيل، لكن «المجلس الدستوري» (أعلى سلطة قانونية في السنغال) أبطل تلك القرارات، ودعا إلى إجراء الانتخابات في أسرع وقت ممكن، وهنا أيضاً اضطر الرئيس سال إلى إعلان إجراء الانتخابات في 24 مارس (آذار) الماضي.

في هذه الأثناء، كان الصديقان سونكو وفاي لا يزالان خلف أسوار السجن، وإن بدا الأخير في وضع أفضل نسبياً. إذ غاب اسم رئيس الحزب السجين عثمان سونكو عن قائمة مرشحي الرئاسة التي أعلنها «المجلس الدستوري» يوم 13 يناير (كانون الثاني) الماضي، رغم كل التقديرات التي كانت تشير إلى أنه أبرز المرشحين المؤهلين لمنافسة أمادو با، المرشح المدعوم من الرئيس ماكي سال، بينما استطاع فاي دخول القائمة، كمرشح بديل. أما السبب فهو أن سونكو المحكوم قضائياً بالسجن لمدة سنتين لا يحق له خوض الانتخابات، في حين لم يخضع فاي للمحاكمة، وبالتالي، لم يصدر ضده أي حكم قضائي.

لعبت الأقدار إذاً لعبتها، وأصبح فاي مرشحاً للانتخابات الرئاسية رغم كونه موقوفاً في سجن كاب مانويل، بضواحي العاصمة داكار، من دون محاكمة. وللعلم، لم تكن أكثر التوقعات تفاؤلاً ترشّحه للفوز من الجولة الأولى، لكن قبل 10 أيام من الانتخابات الرئاسية تبدّلت الأمور، وأطلق سراح كل من فاي وسونكو بموجب قانون عفو.

لم يكن أمام الصديقين فسحة من الوقت لتنظيم حملة انتخابية بالمعايير المعتادة، لمنافسة مرشحين ينتمون إلى أحزاب معارضة أخرى، وفي مواجهة قوى الائتلاف الحاكم، التي كان يمثلها المرشح الذي اختاره الرئيس سال ليخلفه، أي أمادو با، الذي شغل كثيراً من المناصب الوزارية ويتمتع بخبرة طويلة في دهاليز السياسة والحكم.

استفاد فاي من حالة التعاطف الشعبي التي تسببت فيها فترة سجنه لمدة سنة من دون محاكمة، إضافة إلى تركيز خطاباته على مشكلات الطبقات الهشة والمهمشة

توظيف الغضب

استعان تحالف سونكو وفاي، بما برع فيه الصديقان منذ دخولهما عالم السياسة، وهو اللعب على مشاعر الغضب والإحباط المتراكمة لدى قطاعات واسعة من الشباب السنغالي، كما استطاعا توظيف غضب المجتمع السنغالي جراء ارتفاع الأسعار، وتدني فرص التشغيل، واختلال سياسات التوازن الاقتصادي.

أيضاً، استفاد فاي من حالة التعاطف الشعبي التي تسببت فيها فترة سجنه لمدة سنة من دون محاكمة، إضافة إلى تركيز خطاباته على مشكلات الطبقات الهشة والمهمشة. ومن ناحية أخرى، استفاد من دعم المرشح المُستبعد كريم واد، نجل الرئيس السنغالي الأسبق عبد الله واد، المدعوم من عدد من الأحزاب السياسية. وبالنهاية، استطاع الشاب الذي لم يتولّ أي منصب رسمي في البلاد، الفوز في الانتخابات حاصلاً على أكثر من 54 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، مقابل 35 في المائة لمرشح الائتلاف الحاكم أمادو با ، ليغدو الرئيس الخامس في سلسلة رؤساء السنغال منذ الاستقلال، والأصغر سناً على الإطلاق.

ما يعرف عن الرئيس الجديد أنه لا يفصح بشكل علني عن تبنيه آيديولوجيا سياسية محددة، بل يركز في معظم خطبه على قضايا اجتماعية ورغبة عميقة في تأكيد الاستقلال عن الهيمنة الفرنسية، بجانب التركيز على قضايا الإصلاح والحريات. إلا أن كثيراً من التقارير تشير إلى أنه كان مقرباً خلال دراسته الجامعية من الحركات الطلابية ذات النزعة الإسلاموية والمرتبطة بجماعة «عباد الرحمن»، وهي حركة سنغالية تتبنى فكر تنظيم «الإخوان المسلمين»، وأسست في أواخر سبعينات القرن الماضي. ولعل ذلك ما دفع صحيفة «لوموند» الفرنسية إلى نشر تقرير عن «فاي» ادعت فيه أنه «امتداد لـ(الإخوان المسلمين)، وسيشكل قطيعة مع ما درج عليه النظام السياسي في السنغال». ومع أن الرئيس الجديد لم يُبد انحيازاً واضحاً لتيار سياسي محدد، نجد أن كثيرين من المراقبين يرون أن عثمان سونكو «جزء من الظاهرة الإسلاموية» التي تتمدد في السنغال.

 

وعود بإدارة «أخلاقية»

في أي حال، يراهن فاي على أنه سيقدم وجها مختلفاً للحاكم القادم من مقاعد المعارضة، إذ تعهد عقب إعلان فوزه بأن «السنغال ستكون بلد الأمل والسلام، مع نظام قضائي مستقل وديمقراطية أقوى»، كما وعد بإدارة الأمور بـ«طريقة أخلاقية» وبناء الاقتصاد.

وخلال حملته الانتخابية قال فاي أنه «مرشح تغيير النظام» و«الوحدة الإفريقية»، ووعد بمكافحة الفساد وتوزيع الثروات بصورة أفضل ومعاودة التفاوض بشأن اتفاقات المناجم والغاز والنفط المبرمة مع الشركات الأجنبية. وأيضاً، تعهد بـ«تطهير الطبقة السياسية من خلال إبعاد المفسدين من السلطة واستعادة سيادة السنغال»، وفق تعبيره.

طموحات فاي تبدو عالية السقف، فهي تتراوح من مراجعة اتفاقيات الصيد مع الدول المجاورة، حيث تتضاءل الموارد السمكية التي تدعم نحو 600 ألف أسرة سنغالية، لتصل إلى مراجعة اتفاقيات الدفاع مع فرنسا بهدف «استعادة السيادة»، وهو التعبير الذي استخدمه ما لا يقل عن 18 مرة في خطاب الفوز بالانتخابات. لكن هذه الوعود الصاخبة التي قد تستهوي الناخبين وتجتذب الأصوات، غالباً ما تخبو عندما تصطدم بحقائق الواقع، فضلاً عما يمكن أن تثيره من مخاوف ما يسمى بمؤسسات «الدولة العميقة» التي غالباً ما تنظر بقلق إلى شعارات كـ«التطهير» و«إعادة بناء المؤسسات».

ثم إن التحديات التي سيواجهها الرئيس السنغالي الجديد لا تقتصر على الإصلاح السياسي فقط. إذ إن النمو السكاني السريع في السنغال يشكل تحدياً كبيراً للحكومة، فنحو 20 في المائة من الشباب عاطلون عن العمل، ويشكل الفقر نسبة 36.6 في المائة من إجمالي تعداد السكان البالغ 18 مليون نسمة. ومع أن السنغال تمتلك أراضي زراعية شاسعة، فإنها تستورد 70 في المائة من احتياجاتها الغذائية، ولا تزال الزراعة تعتمد على الطرق البدائية، وبحسب «الأمم المتحدة»، تصنف البلاد كواحدة من أقل الدول نمواً، رغم الخطوات التي قامت بها لتحقيق التنمية الاقتصادية. وبالتالي، سيكون على فاي أن يتعامل مع تحديات اقتصادية متراكمة مع تجاوز حجم الدين الخارجي للسنغال 13.5 مليار دولار، وذهاب 36 في المائة من صادرات البلاد لسداد الديون. وأيضاً، هناك واقع اعتماد الدولة السنغالية على القروض والمنح، ما يبقيها رهينة لضغوط قوية من الشركاء الخارجيين، وقد تجد صعوبات في تمويل الوعود الانتخابية الطموحة التي أطلقها فاي خلال حملته الرئاسية.

تحديات... بالجملة

الواقع أن التحديات لا تقتصر على الداخل السنغالي، بل تمتد إلى خارج الحدود. فعدد من مواقف فاي وتصريحاته لا تبدو ودية تجاه فرنسا، المستعمر القديم للبلاد، وصاحبة النفوذ التاريخي في منطقة الغرب الأفريقي، وتعهده بإصدار عملة وطنية للبلاد بديلاً عن «الفرنك الأفريقي» لن يكون موضع ترحيب من جانب باريس، التي يتهاوى نفوذها في المنطقة، نتيجة صعود نخب شابة إلى الحكم في كثير من مستعمرات فرنسا القديمة.

ورغم اختلاف مسارات وصول «الحكام الجدد» إلى السلطة، سواء عبر انقلابات عسكرية - كحال كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر وغينيا والغابون - أو من خلال صناديق الاقتراع كالسنغال، فإن النخب الجديدة تتشارك عداءً واضحاً تجاه الهيمنة الفرنسية.

ولن تكون فرنسا وحدها من يترقب سياسات الرئيس السنغالي الجديد، بل سيكون على الجيران في موريتانيا أيضاً متابعة نيات فاي، وبخاصة ما يتعلق بمراجعة اتفاقيات الغاز المشترك بين البلدين، وهو المطلب الذي طالما كرّره عثمان سونكو، الذي يرى أن رؤساء السنغال تنازلوا لموريتانيا عن أراضٍ ومصالح سنغالية متعددة. هذا الأمر يثير مخاوف عميقة في نواكشوط، خاصة أن الجارين اختبرا على مدى عقود تقلبات العلاقة من الحرب إلى السلام ومن التوتر إلى التقارب، كما توجد في موريتانيا جالية سنغالية كبيرة، معظم أبنائها من الصيادين والعمال اليدويين. ولقد تسجّل 27 ألف ناخب سنغالي في نواكشوط عام 2024... صوّت منهم قرابة 10 آلاف شخص، وحصد منها فاي نسبة 55 في المائة.


مقالات ذات صلة

«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

حصاد الأسبوع داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)

«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

حملت نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة مفاجآت غير سارة بالنسبة إلى الكرملين، وركّزت وسائل إعلام حكومية على أن «الهزيمة الساحقة» التي مُني

رائد جبر ( موسكو)
حصاد الأسبوع يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.

جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

قد لا يكون السؤال المحيط بجون أوسوف هو كيف استطاع شاب ديمقراطي الاحتفاظ بمقعد في ولاية صوتت لدونالد ترمب وتعد من بين الولايات الجنوبية المحافظة تقليدياً؟

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع شابيرو (أ.ب)

نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

رأى تقرير في صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، أن الانتخابات النصفية لم تمنح الديمقراطيين غالبية جديدة فحسب، بل وسّعت أيضاً دائرة الشخصيات القادرة على التأثير في وجهة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع من كاليفورنيا... كبرى الولايات الأميركية من حيث عدد السكان (آب)

«الصوت اللاتيني» يفرض نفسه في حسابات الانتخابات الأميركية

ثمّة لغز يدور منذ عقود حول «الصوت اللاتيني (الهسبانيكي)» في السياسة الأميركية. هذا اللغز يعجز الجميع عن تعريفه بدقة، لكن الكل يسلّم بعمق تأثيره وأهميته في

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع صورة من الحدود الأميركية - المكسيكية (أ.ب)

«الجار الجنوبي» المكسيكي عامل مؤثر... سواء بوجود «الجدار» أو غيابه

لا تكتمل صورة الصوت اللاتيني في الانتخابات الأميركية من دون «الجار الجنوبي»؛ أي المكسيك؛ إذ يُستدل من بعض الدراسات أن الأميركيين اللاتينيين الشبان


«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
TT

«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)

حملت نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة مفاجآت غير سارة بالنسبة إلى الكرملين، وركّزت وسائل إعلام حكومية على أن «الهزيمة الساحقة» التي مُني بها الرئيس دونالد ترمب ستكون لها تداعيات واسعة على ملف العلاقات الروسية مع واشنطن، التي كانت بالكاد شهدت انفراجة واسعة في الأشهر الأخيرة الماضية، وشهدت إطلاق عملية تطبيع للتعاون الاقتصادي والتجاري تُوجت بصفقة الديزل التي أثارت الكثير من الجدل في الولايات المتحدة وخارجها. ومع أن الكرملين أعرب في أول تعليق رسمي عن الأمل بألّا تؤثر النتائج على مواقف الإدارة الأميركية تجاه ملف التسوية والعلاقات مع موسكو، فإن تعليقات متشائمة برزت على مستوى محللين وصفوا سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي النواب والشيوخ بأنها «السيناريو الأسوأ» بالنسبة إلى روسيا.

قال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف معلقاً على الفوز الكبير للديمقراطيين في الانتخابات النصفية والذي وُصف بأنه بمثابة «موجة زرقاء» اكتسحت معاقل الجمهوريين، إن موسكو تأمل أن «يواصل ترمب جهوده في حفظ السلام بعد انتخابات الكونغرس الأميركي».

واعتبر الناطق أن الإدارة الأميركية حققت رزمة من الإنجازات على هذا الصعيد، كان أحدثها «نجاح جهود ميلانيا ترمب في حفظ السلام والعمل الإنساني»، في إشارة إلى الدور الذي لعبته السيدة الأولى في الولايات المتحدة لإنجاز «هدنة أوليشكي» الإنسانية.

وقال بيسكوف رداً على سؤال الصحافيين حول النتائج: «يواصل الرئيس ترمب ممارسة صلاحياته. ونأمل بصدق أن يواصل جهوده في حفظ السلام. هناك تطوراتٌ جارية، وستُعقد الجولة المقبلة من المباحثات الثلاثية قريباً». وعند سؤاله عما إذا كان الكونغرس الأميركي سيتدخل لعرقلة تحركات الرئيس ترمب، أجاب الناطق الروسي بأن «هذا شأنٌ أميركي داخلي، نحن نأمل أن الأمور ستسير على ما يرام».

في السياق ذاته، جاء تعليق السياسي غريغوري كاراسين، نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الاتحاد (الشيوخ)، الذي أكد أن الرئيس الأميركي «من غير المرجح أن يغيّر مساره السياسي بعد انتخابات الكونغرس». وأكد كاراسين قناعة بأن ترمب «سيواصل النهج نفسه الذي اتبعه حتى الآن في القضايا الخارجية والداخلية».

تخوّف روسي من تداعيات سلبية

في المقابل، رجّح خبراء روس تداعيات سلبية للغاية على العلاقة مع موسكو، وحيال الصراع الروسي - الأوكراني، بل توقع المحلّل البارز بافيل شوميلوف أن «تضعف قبضة ترمب على السلطة بعد انتخابات التجديد النصفي».

ومع إشارة شوميلوف إلى تداعيات فوز الديمقراطيين في مجلس النواب على ملف العقوبات المفروضة على روسيا في إطار عرقلة أي مساعٍ لتخفيف بعض القيود أو إلغائها، رأى المحلل الروسي أن «لدى ترمب فرصة واحدة لتخفيف حدة التأثيرات على سياساته تجاه روسيا وملف التسوية في أوكرانيا، من خلال تسريع خطواته في الأسابيع القليلة المقبلة قبل أن يؤدي الكونغرس الجديد اليمين الدستورية».

في غضون ذلك، أشارت يوليا دافيدوفا، الأستاذة المشاركة في قسم التحليل السياسي والعمليات الاجتماعية والنفسية بجامعة بليخانوف الروسية للاقتصاد، إلى أن خسارة حزب الرئيس مقاعد في انتخابات التجديد النصفي أمر شائع في الولايات المتحدة. وبحسب رأيها، يعود ذلك إلى «إرهاق» الناخبين بالضغوط الرئاسية وما يترتّب عليها من أصوات احتجاجية.

وفي منظور دافيدوفا، فإن فوز الديمقراطيين «يزيد من خطر الخلافات حول الميزانية وإغلاق الحكومة» الأميركية، وفي الوقت نفسه سيحول دون تطبيق مبادرات ضريبية جذرية ونمو غير منضبط في الإنفاق الحكومي. ووفقاً للخبيرة الروسية، فإن هذا الوضع السياسي سيزيد بلا شك من حدة النقاشات حول سقف الدين والضرائب والإنفاق الاجتماعي.

في الوقت نفسه، يعتقد المحلل ياروسلاف كاباكوف أن هذا يعني بالنسبة للولايات المتحدة مواجهة ترمب عقبات سياسية كثيرة، بينها التحقيقات، والصراع حول الميزانية، والتعريفات الجمركية، والسياسة الخارجية... في حين سيتقلّص هامش إطلاق مبادرات إدارية جديدة بشكل حاد.

والأهم بالنسبة إلى روسيا - وفق كاباكوف - وجود احتمال بأن يصيب «شلل» سلطة ترمب، بالإضافة إلى عدم القدرة على التنبؤ بمدى قدرة الإدارة على الحفاظ على نافذة لعقد اتفاقيات اقتصادية. ومع توقع الخبراء تراجعاً في سلطة ترمب، فإن السؤال الأبرز هو عن «مدى هذا التراجع».

يرجح في أوساط المحللين الروس

بعد فوز الديمقراطيين بانتخابات الكونغرس أن تكون اتصالات الولايات المتحدة

مع روسيا محدودة

«سيناريوهات» ثلاثة

كان خبراء روس قد وضعوا ثلاثة سيناريوهات محتملة عشية توجّه الناخبين الأميركيين إلى مراكز التصويت:

السيناريو الأول: «كونغرس منقسم» رأوا أنه السيناريو الأكثر ترجيحاً، ويستعيد الديمقراطيون بموجبه السيطرة على مجلس النواب، في حين يبقى مجلس الشيوخ تحت سيطرة الجمهوريين، أو ينتقل إلى الديمقراطيين بفارق ضئيل. بالنسبة لروسيا، كان هذا سوف يعني «انفراجة مؤقتة»، بسبب انشغال الكونغرس والبيت الأبيض بالصراعات الداخلية، ما قد يُعرقل مبادرات كل منهما، ويقلّل تركيز واشنطن على السياسة الخارجية. وفي الوقت نفسه، ستبقى العقوبات المفروضة على روسيا سارية - وهي مدعومة من الجمهوريين والديمقراطيين على حدٍّ سواء - ولكن حتى يناير (كانون الثاني) 2027، وهو موعد تولي الكونغرس الجديد مهامه.

ورأى هذا السيناريو أنه إذا بقي مجلس الشيوخ تحت سيطرة الجمهوريين فستكون أمام الرئيس فرصة قوية للتوصّل إلى اتفاقات واسعة مع روسيا بشأن قضايا مختلفة.

السيناريو الثاني - وهو الذي حصل بالفعل: سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي الشيوخ والنواب، وقد وصفه الخبراء بأنه سيكون «أسوأ سيناريو بالنسبة إلى روسيا»؛ إذ سيجري الديمقراطيون تحقيقات ضد ترمب، ويعرقلون تعييناته، ويُصعّدون من حدة الخطاب التشديدي للعقوبات. لكن هذا السيناريو استبعد نجاح الديمقراطيين في عزل ترمب، لكن بالنسبة لروسيا هذا يعني فرصاً أقل لعقد صفقات سريعة، ومخاطر أكبر لفرض ضغوط عقابية جديدة.

أما السيناريو الثالث، الذي كان يبدو مفضّلاً لدى الكرملين لكن نتائج الانتخابات بدّدته، فكان يتمثل في محافظة الجمهوريين على سيطرة مريحة في مجلس الشيوخ. ورأى خبراء روس أنه رغم كونه «السيناريو الأفضل بالنسبة لنا، فإنه لا يشكّل اختراقاً؛ إذ سيتمتّع ترمب بمزيد من الحرية، وستكون الصفقات مع روسيا ممكنة. لكن الأمر الأهم هو أن المشاعر المعادية لروسيا في الكونغرس لن تختفي، وسيتعيّن فرض أي اتفاق بالقوة».

الواقع أنه حتى قبل التصويت توقع العديد من الخبراء الروس أن خسارة السيطرة على الكونغرس ستُعقّد جهود ترمب في السياسة الخارجية، لا سيما من خلال التأثير على تطوير العلاقات مع روسيا والضغط على أوكرانيا. لكن في المقابل، رأى خبراء أن ترمب لن يُقدم على تراجع كبير في سياسته الخارجية، التي اعتمدت أصلاً على علاقاته الشخصية ورؤيته الخاصة، كما ذكر نائب مجلس «الدوما» وعالم السياسة ألكسندر أسافوف.

ترمب يواصل دوره المحوري خارجياً

أسافوف أعرب عن قناعة بأن ترمب «سيواصل اتخاذ قراراته بنفسه. ومع ذلك، لا أستبعد أن تتباطأ وتيرة إعادة بناء العلاقات بشكل ملحوظ؛ إذ سيتوجّب على الرئيس الأميركي حل المشاكل داخل الولايات المتحدة»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الرئيس الأميركي سيلجأ بنشاط إلى استخدام حق النقض (الفيتو) لمنع الكونغرس من عرقلة تحركاته، على الرغم من أن هذا الأداء سيضاعف المشكلات الداخلية في الولايات المتحدة.

عالمة السياسة أناستاسيا غافاروفا تشارك أسافوف هذا الرأي؛ فوفق تحليلها سيبقى أهم شيء في العلاقات مع روسيا دون تغيير، ألا وهو الاعتماد على العلاقات الشخصية والتقلّبات المعتادة. وأردفت: «أعتقد أن ترمب سيواصل في المستقبل القريب التمسك بنهجه السابق، وسيسعى لعقد صفقات، حتى في إطار ثلاثي مع الصين». وأوضحت عالمة السياسة الروسية أنه «بشكل عام، ونظراً لضعف صلاحياته السياسية الداخلية، من المرجح أن يحاول ترمب تحقيق نجاح تاريخي في مجال يُعتبر أكثر ارتباطاً بالسلطة التنفيذية، ألا وهو السياسة الخارجية».

وفي سياق متّصل، أضافت غافاروفا: «لن يتخلّى ترمب عن فكرة إحياء مشروع إمداد الغاز (نورد ستريم 2). وبشكل أعمّ عن جني الأرباح من تجارة المحروقات في أوروبا. وهناك أيضاً قضايا أمنية في القطب الشمالي والمحيط الهادئ... وكلها تتطلّب حواراً مع روسيا، وهو حوار لن يتخلى عنه، وإن لم يخلُ الأمر من ردود فعل عاطفية». وأردفت: «سيعرقل الكونغرس الاتفاقيات القائمة، وسيعرقل عملية التنفيذ. لكن في جوهر الأمر، فعل الكونغرس المؤيد لترمب الشيء نفسه فيما يتعلق بروسيا؛ لذا لن يتغير الكثير على أرض الواقع».

سياسة الرئيس ترمب الروسية أمام حسابات التأثير المحتمل لتغيّر ميزان القوى في الكونغرس (أ.ف.ب)

حول الحرب الإيرانية وحساباتها

في المقابل، رأى المحلل السياسي ألكسندر ليونوف أن الكونغرس سوف يشكل رادعاً إضافياً للرئيس ترمب إذا ما أشعل جولة جديدة من الحرب مع إيران. وبحسب المحلل، فإن استئناف الأعمال العدائية أمرٌ واردٌ كـ«عمل يائس من جانب الرئيس الأميركي»، لكن السؤال هو: هل سيُقدم على ذلك بعد التطوّرات المتعلقة بهذه النتائج؟

ومن ثم، أكّد ليونوف أنه «من حيث المبدأ، التصعيد مُمكن. لكن المشكلة تكمن في أن هذه الحرب نفسها، على سبيل المثال، تتطلّب تمويلاً إضافياً. وهل سيحصل ترمب على هذا التمويل في هذا الكونغرس؟ لنتذكّر ما قاله الجمهوريون: إذا استمر ترمب في التودّد إلى روسيا عبر ملف وقود الديزل وغيره، فلن يُصوّتوا لصالحه ببساطة».

عودة إلى المحلل ياروسلاف كاباكوف، الذي يرجّح أن يكون لفوز الديمقراطيين آثار سلبية على روسيا على المدى القصير وبشكل مباشر؛ فقد يتخذ الكونغرس موقفاً أكثر صرامة بشأن العقوبات وأوكرانيا؛ لذا لا يُعوّل على رفع سريع للقيود. ويضيف: «لكن لا توجد علاقة مباشرة بين فوز الديمقراطيين وتشديد العقوبات». وسيظل موقف ترمب واستعداده للتوصل إلى اتفاق بشأن أوكرانيا العاملَ الحاسم.

واستطراداً، بالنسبة للأصول الروسية - وفق كاباكوف - لا يكمن الخطر الرئيس، وفي الوقت نفسه «الفرصة الأهم»، في الانتخابات، بل في المفاوضات اللاحقة بين واشنطن وموسكو. فإذا سارع ترمب بالمفاوضات بعد الانتخابات، فقد يفوق أثر الانفراج الجيو-سياسي الإشارة السلبية الصادرة عن الكونغرس الجديد. وخلص المحلل الخبير إلى أنه في حال التوصل إلى موقف توافقي بين الحزبين لتشديد الضغط على روسيا، فستشهد السوق الروسية انخفاضاً جديداً.

ترجيح تراجع الاتصالات

في أي حال، فإن الرأي الغالب لدى أوساط المحللين الروس أنه بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس من المرجح أن تكون اتصالات الولايات المتحدة مع روسيا محدودة. ولكن في المقابل، ومع انتظار اتضاح الموقف الرسمي في أوكرانيا، بدا الارتياح واضحاً في تعليق بعض الخبراء. وبرغم التوقعات بأن هزيمة الجمهوريين في الكونغرس ستوفر «مهلةً مؤقتةً لأوكرانيا»، ترى بعض التعليقات أنها لن تُنقذها تماماً.

في هذه الأثناء، بدت الأوساط الروسية قلقة حيال أن «معظم الديمقراطيين البارزين يُدافعون باستمرار عن تقديم المساعدات لأوكرانيا، وبالتالي يُمكن للكونغرس البدء في تهيئة الظروف اللازمة لدعم أوكرانيا. مع ذلك، لا ينبغي اتخاذ خطوات سريعة على الفور؛ فحتى لو قرّر الديمقراطيون زيادة المساعدات لكييف، فإن تنفيذ هذه الإجراءات قد يستغرق شهوراً، إن لم يكن سنوات. وهذا في حين أن كييف بحاجة ماسّة إلى المساعدات الآن». وهذا ما لحظه الخبير مالك دوداكوف، الذي كتب: «بالطبع، سيحتفل الأوروبيون والأوكرانيون الآن بفوز الحزب الديمقراطي في الانتخابات، لكن من غير المؤكد على الإطلاق أن تُعاد جميع المساعدات بالكامل في أي وقت قريب».

وأخيراً، أيضاً في سياق التوقعات، رأى ألكسندر ليونوف، مدير مركز «بنتا للأبحاث السياسية»، أنه بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس سيكون كبح جماح رغبة ترمب في التقارب مع روسيا أسهل بكثير.

وتابع: «يمكننا الآن مناقشة ما إذا كانت المساعدات لأوكرانيا ستُستأنف، ومقدارها... إلا أن النتيجة الرئيسة التي يمكن تأكيدها بوضوح هي أن التقارب مع روسيا لن يكون ممكناً بعد الآن. من الواضح أن فرص بوتين، على سبيل المثال، في مناقشة مشاريع اقتصادية مشتركة مع ترمب عبر (كيريل) ديميترييف ستتضاءل، على ما أعتقد. لذلك، من المرجح أن يتم تقليص هذا النهج».وبحسب ليونوف، قد يبدأ الكونغرس بالضغط على روسيا بشأن المبادرات التشريعية في أعقاب الهجمات الروسية المطوّلة على قطاع الطاقة الأوكراني ومقتل المدنيين.


جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
TT

جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.

قد لا يكون السؤال المحيط بجون أوسوف هو كيف استطاع شاب ديمقراطي الاحتفاظ بمقعد في ولاية صوتت لدونالد ترمب وتعد من بين الولايات الجنوبية المحافظة تقليدياً؟ بل ماذا يستطيع أن يفعل بانتصاره بعدما تجاوز اختبار البقاء؟ فالسيناتور عن جورجيا، البالغ 39 سنة، خرج من الانتخابات النصفية وقد عزز موقعه بين الوجوه التي يراقبها حزب يبحث عن قيادة، وعن صيغة تجمع ناخبين توحدهم الاعتراضات على الرئيس، لكنهم لا يتفقون بالضرورة على البديل. وفي ملامحه الهادئة وخطابه الحازم، يجد مؤيدوه وعداً بتجديد سياسي لا يكتفي بتغيير الأعمار. غير أن الطريق من أتلانتا إلى الزعامة الوطنية ليس مفتوحاً تلقائياً. فقد نفى أوسوف رغبته في خوض انتخابات الرئاسة عام 2028، وتعهد خلال الحملة بإكمال ولايته في مجلس الشيوخ. ومع ذلك، فإن فوزه على الجمهوري مايك كولينز يعيد طرح السؤال الذي لا يستطيع نفي الطموح إلغاءه: هل يملك هذا السياسي القدرة على تحويل ائتلاف محلي ناجح إلى مشروع يجمع حزباً منقسماً، ويمنحه سبباً للحكم يتجاوز معارضة ترمب؟

ولد جوناثان (جون) أوسوف في مدينة أتلانتا، عاصمة ولاية جورجيا وكبرى مدنها، في فبراير (شباط) 1987، وتخرّج في كلية الخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون في العاصمة واشنطن، قبل حصوله على درجة الماجستير من كلية لندن للاقتصاد المرموقة في العاصمة البريطانية. وفي خلفيته العائلية، يتحدّر أوسوف من عائلة يهودية الأب، وهو متزوّج من الطبيبة أليشا كرامر، ولهما ابنتان.

في بدايات مسيرته، التحق أوسوف متدّرباً بمكتب جون لويس، أحد أبرز رموز حركة الحقوق المدنية، ثم عمل مساعداً للنائب هانك جونسون في ملفات الدفاع والسياسة الخارجية. وبحسب سيرته الشخصية، لم يصل إلى السياسة من خارج مؤسساتها، لكنه لم يمضِ حياته المهنية كلها داخلها.

صحافي استقصائي

أوسوف عمل في الصحافة الاستقصائية وإنتاج الأفلام الوثائقية، وأدار شركة «إنسايت تي دبليو آي». وتُقدمّ حملته هذه التجربة بعدِّها أساس اهتمامه بانتهاكات الحقوق وإساءة استخدام السلطة. وفي هذا المسار ما يفسّر، بالفعل، جانباً من شخصيته العامة، بوصفه سياسياً يهتم بكيفية رواية القضية، وباختيار التفاصيل التي تجعل فساداً مؤسسياً أو تقصيراً إدارياً ظاهرة مفهومة لجمهور لا يتابع جلسات اللجان.

اختباره الانتخابي الكبير الأول جاء عام 2017، حين ترشّح لمجلس النواب في إحدى دوائر ولايته جورجيا، وسرعان ما تحوّلت تلك الانتخابات الخاصة إلى مواجهة وطنية مبكّرة مع ترمب في ولايته الأولى. وبحسب صحيفة الـ«أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» المرموقة، كسب أوسوف اهتماماً وجمع أموالاً... غير أنه خسر أمام الجمهورية كارين هاندل. تلك الخسارة كانت تنبيهاً مهماً إلى أن الحماسة الوطنية والظهور الإعلامي لا يكفيان للفوز، بل لا بد للمرشح الذي يطمح لأن يغدو رمزاً لحزبه من أن ينجح في إقناع ناخبين لا يريدون التصويت لرمز حزبي.

تجربة ناجحة حملته إلى مجلس الشيوخ

وحقاً، عاد أوسوف ليجرّب حظه، هذه المرة، في انتخابات مجلس الشيوخ. وهذه المرة هزم منافسه الجمهورية ديفيد بيرديو في جولة الإعادة يوم 5 يناير (كانون الثاني) 2021، بالتزامن مع فوز زميله القس الديمقراطي رافائيل وارنوك.

بهذا الفوز أصبح أوسوف أول سيناتور يهودي يمثل جورجيا، كما أصبح وارنوك أول سيناتور أسود لها. وبحسب وكالة «أسوشييتد برس» جاء هذان الانتصاران التاريخيان قبل يوم واحد من اقتحام الكابيتول، فارتبط صعودهما بلحظة كشفت عمق الصراع على الديمقراطية الأميركية.

إما إعادة انتخابه، بالأمس، فتمنحه الآن حجة أقوى... مفادها بأن نجاحه الأول لم يكن واقعة يتيمة.

هدوء لا يستبعد الهجوم

المفارقة في السيناتور أوسوف أن صورته الشابة، وقوامه النحيل، وملامحه الهادئة قد توحي بأنه سياسي يتجنب الاشتباكات، في حين أن جاذبيته لدى جمهور ديمقراطي تقوم على قدرته على خوضها.

إنه لا يعرض الاعتدال بوصفه خفضاً دائماً للصوت أو الإحجام عن تسمية الخصم. بل يجمع أداءً منضبطاً وانتقادات حادة، ما يمنح أنصاره إحساساً بأن الدفاع عن المؤسّسات لا يقتضي الظهور بمظهر العاجز أمام من يهاجمها.

وخلال حملته، استهدف ما سماه «تبعية» السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز (التي خسرت سباقها لمجلس الشيوخ عن ولاية ماين) لترمب، وواجه الرئيس بانتقادات تتعلق بالفساد وسوء الإدارة.

ووفق «أسوشييتد برس»، كانت تجمّعات أوسوف تُعَدّ بعناية، بينما يحوّل مساعدوه مقاطع خطبه سريعاً إلى مواد تنتشر على المنصّات. وهنا كانت تلتقي خبرته بالصورة مع حاجة الحزب إلى ناطق بليغ يستطيع الوصول إلى جمهور ما عادت البيانات الرسمية والمؤتمرات الصحافية كافية لاستمالته.

لكن مهارة التواصل ليست برنامجاً، في حين أن قيمة أوسوف السياسية تتوقّف على استخدام هذا الانتشار لبناء ثقة تستمر بعد انتهاء المواجهة. إذ سبق للديمقراطيين أن عرفوا مرشحين جذّابين ومقاطع رائجة، لكنهم لم ينجحوا في معالجة الشك في قدرتهم على تحسين الحياة اليومية. وبالتالي، سيكون اختباره الأصعب أن يحافظ على وضوح خطابه حين يصبح مُطالَباً بتفسير تسويات تشريعية معقّدة، لا بمهاجمة خصم انتخابي فقط.

الاقتصاد عبر الفساد

يحاول جون أوسوف، في صلب عرضه السياسي، وصل سؤالين كثيراً ما يفصل بينهما الخطاب الحزبي: لماذا ترتفع كلفة الحياة، ولمن تعمل السلطة؟

إنه يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة. وفي نصِ نشره عن الفساد، ربط بين اختلال السياسة وقدرة المؤسسات المالية على شراء المنازل، منتقداً اعتماد النظام السياسي على أموال الشركات والأثرياء عبر الحزبين.

غير أن خطابه هذا امتد تشريعياً، حين شارك في جهود لحظر تداول أعضاء الكونغرس الأسهم. فقد طرح مع السيناتور مارك كيلي مشروعاً لحظر «لجان العمل السياسي» التابعة للشركات الربحية، لكن لم يجر إقراره بعد. أما على صعيد الرقابة، فقد أسهم في إقرار قانون لتعزيز الإشراف المستقل على السجون الفيدرالية، بما يتيح له الاستناد إلى حصيلة عملية إلى جانب الوعود.

وتشمل مواقفه الدفاع عن قانون «الرعاية الصحية الميسَّرة»، والسعي إلى استعادة الإعانات المعزّزة لأقساط التأمين، ومعارضة التغييرات الجمهورية في التأمين الصحي «ميديكيد». وبحسب الـ«أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» تناول أيضاً قضية شراء الشركات الكبرى المساكن، واستخدم أدوات التحقيق في مجلس الشيوخ لتوثيق أثر قيود الإجهاض في الرعاية الطبية. وهذه الملفات تمنح عباراته عن السلطة والمال ترجمة ملموسة: فاتورة تأمين، ومنزل يصعب شراؤه، وعلاج تتدخل فيه السياسة.

تنسجم هذه المقاربة مع تقرير في الـ«وول ستريت جورنال» عن توحّد الديمقراطيين حول القدرة على تحمل تكاليف المعيشة. وبحسب التقرير، اعتبر 89 في المائة من الناخبين كلفة الحياة عاملاً حاسماً أو مهماً في تصويتهم. ويضيف أن الاتفاق على المشكلة لا يحسُم العلاج، إذ يستطيع الوَسَطي والتقدمي الشكوى من الفاتورة نفسها، ثم الاختلاف جذرياً حول الضرائب والتأمين ودور الحكومة. وهنا يبدأ العمل الذي أخّره الانتصار ولم ينجزه.

ائتلاف بلا قطيعة

في الحقيقة، لا يختصر جون أوسوف نفسه في جناح آيديولوجي واحد، كونه يحتاج إلى تعبئة القاعدة الديمقراطية، وإلى طمأنة مستقلين وناخبين قابلين للانتقال بين الحزبين. وفي جورجيا، يمر بناء غالبية ديمقراطية عبر ربط قوة الناخبين السود بقطاعات من الضواحي والشباب والأقليات، مع تجنّب منح المتردّدين انطباعاً بأن التصويت للحزب يتطلب تبنّي جميع مواقف أكثر تياراته صخباً. وفعلاً، وفق مصادر إعلامية حصل أوسوف على تأييد حتى بعض المسؤولين الجمهوريين المحليين الذين أشادوا بعمله في الإغاثة والبنية التحتية والتمويل الفيدرالي. وتضيف المصادر أن هذه نقطة مهمة في فهم أسلوبه، إذ يمكنه مهاجمة ترمب وطنياً، والعمل مع جمهوريين محلياً، وإقناع بعضهم بأن العلاقة معه تُقاس أيضاً بما ينجزه لدوائرهم. فالاستقطاب الوطني لا يلغي تماماً مساحة المصالح المشتركة.

مع ذلك، يصعب اعتبار أوسوف نقيضاً جذرياً للتقدميين، فمقاومة نفوذ الشركات، والرقابة على السلطة، وحماية الحقوق، مواضيع يتقاطع فيها معهم. في حين يتعلّق الاختلاف بترتيب الأولويات وصياغة الرسالة وحدود الالتزام ببرامجهم. وهو لا يجعل الانتماء إلى اليسار عنوان مشروعه، ولا يثبت استقلاله عنه بتبنّي خطاب خصومه، بل يحاول إبقاء مساحة تسمح لمجموعات مختلفة بأن تجد سبباً لتأييده. أيضاً، لا يجوز افتراض أن نتيجة الانتخابات تكشف وحدها التركيب الدقيق لذلك الائتلاف. فمعرفة حجم اختراق أوسوف بين الجمهوريين، أو أثر مشاركة الشباب والناخبين السود، تحتاج إلى بيانات تفصيلية. ثم إن فوزه جاء في موجة وطنية مواتية وأمام منافس واجه مشاكل سياسية. وبالتالي، فالنجاح يثبت قدرته على استثمار الفرصة، لكنه لا يثبت بعد أن نموذجه قابل للنقل إلى كل ولاية.

إسرائيل وحدود التوازن

يشكل ملف إسرائيل اختباراً كاشفاً لموقعه داخل الحزب. فأوسوف يجمع تأييد أمن إسرائيل وانتقاد سياسات حكومتها، وصوّت لتقييد بعض مبيعات السلاح، من دون تبني وقف شامل للدعم العسكري. وفي بيان رسمي بشأن التصويت الذي جرى عام 2025، رفض أوسوف صمت مجلس الشيوخ على حرمان المدنيين في غزة وتجويع الأطفال، مع تأكيد أهمية ردع الهجمات على الإسرائيليين وانتقاد «حماس» واحتجازها الرهائن.

غير أن هذه الموازنة لم تكن مريحة انتخابياً له. إذ أثارت مواقفه من السلاح انتقادات في أوساط يهودية مؤيدة لإسرائيل، لكنها لم تجعله تلقائياً ممثلاً لمواقف الجناح الأكثر يسارية. والأدق أنها تعكس محاولة للفصل بين حماية الإسرائيليين ومنح حكومة بنيامين نتنياهو «موافقة مفتوحة» على طريقة إدارة الحرب. وهنا تصبح هويته اليهودية جزءاً من سياق مواقفه، لا تفسيراً كافياً لها.

هذه القضية تبيّن حجم المهمة أمام أي قائد ديمقراطي مقبل. فجمع الناخبين حول الأسعار أسهل من توحيدهم حول حرب وهوية وطنية وحدود استخدام القوة. كما يستطيع أوسوف أن يقدّم أسلوباً لإدارة التباين، لكن احتواءه داخل ائتلاف انتخابي لا يعني تسويته سياسياً. وبالتالي، إذا اتسع دوره، فسيواجه مطالب متعارضة للحصول على إجابات أكثر حسماً.

اختبار ما بعد الفوز

عموماً، تكمن جاذبية أوسوف في جمع عناصر يحتاج إليها الديمقراطيون: سن أصغر، وخبرة تشريعية متراكمة، وقدرة على التواصل، وسجل انتصارات في ولاية تنافسية. لكنه في المقابل، لم يتولَّ منصباً تنفيذياً، ولم يختبر بعد إدارة تنافس وطني داخل حزبه. لكن الأهم أن الفوز الكبير الأخير لا يمنح الحزب الديمقراطي تفويضاً مفتوحاً.


نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

شابيرو (أ.ب)
شابيرو (أ.ب)
TT

نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

شابيرو (أ.ب)
شابيرو (أ.ب)

رأى تقرير في صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، أن الانتخابات النصفية لم تمنح الديمقراطيين غالبية جديدة فحسب، بل وسّعت أيضاً دائرة الشخصيات القادرة على التأثير في وجهة الحزب. لكن التمييز يظل ضرورياً بين نجم انتخابي صاعد، وصاحب مشروع وطني، ومرشح رئاسي محتمل. فالانتصار قد يفتح الباب، لكنه لا يمنح الفائز تلقائياً تنظيماً وطنياً أو برنامجاً جاهزاً للرئاسة.

جيمس تالاريكو، الذي اخترق تكساس، مثّل فوزه بمقعد في مجلس الشيوخ إحدى أبرز المفاجآت. فالمشرّع والمعلم السابق، البالغ 37 سنة، يجمع خطاباً اقتصادياً شعبوياً ولغة دينية يستمدها من دراسته اللاهوتية. وتكمن أهميته في مخاطبة جمهور محافظ ثقافياً من داخل مفرداته الأخلاقية، مع تحدّي نفوذ الأثرياء. وهو يطرح سؤالاً يتجاوز مستقبله الشخصي: هل يستطيع الديمقراطيون استعادة لغة الإيمان من دون تبني سياسات اليمين؟

أما عبد الرحمن السيد، أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ، وذلك عن ميشيغان، فقد منح فوزه الجناح التقدمي حجّة ضد القول إن الفوز في الولايات المتأرجحة يتطلّب دائماً الابتعاد عن اليسار. لقد خاض السيد حملة تقدمية صريحة، بدعم من ألكساندريا أوكاسيو كورتيز. لكن قدرته على تحويل هذا الانتصار نفوذاً وطنياً ستتوقف على أدائه التشريعي وتوسيع تحالفاته، لا على رمزية الاختراق وحدها.

هينوهوسا (أ.ب)

روب ساند وآدم هاميلتون، لقد قدم فوز الأول بحاكمية آيوا والآخر بمقعد كانزاس في مجلس الشيوخ نموذجين مختلفين في الاستقلالية عن العلامة الحزبية. ركز ساند على المساءلة وتحسين الحكم، في حين قدّم هاميلتون، القس الذي كان جمهورياً في بداية العام، نفسه جسراً إلى المعتدلين. وهما يمنحان الوسطيين حجة موازية لحجة التقدميين: يمكن توسيع الخريطة أيضاً بمرشحين يتركون مسافة بينهم وبين الحزب الوطني.

جينا هينوهوسا في تكساس، وكيشا لانس بوتومز في جورجيا، وآمي أكتون في أوهايو، الحاكمات الجديدات، يفتح فوزهنّ مسارات جديدة للقيادة ورصيداً يحتاج إلى إنجاز. وتكتسب بوتومز مكانة تاريخية كأول امرأة سوداء تُنتخب حاكمة ولاية. لكن الانتقال إلى السلطة التنفيذية يعني أن اختبار الخدمات والموازنات سيبدأ سريعاً، وقد يعيد ترتيب الشعبية التي صنعتها الحملات.

ومع ذلك، حافظت بعض الأسماء الديمقراطية الراسخة على حضورها. فقد تعزّز موقع جوش شابيرو بانتصاره في بنسلفانيا، واحتفظ حاكم ماريلاند ويس مور وحاكم إلينوي جيه بي بريتزكر برصيد تنفيذي بعد إعادة انتخابهما. ويظل غافين نيوسوم وآندي بشير ومارك كيلي ضمن الأسماء المطروحة وطنياً، إلى جانب أوكاسيو كورتيز في النقاش حول قيادة التقدميين، بحسب «أسوشييتد برس».