مقاربة حول التيار المحافظ واليسار

مقاربة حول التيار المحافظ واليسار

الاثنين - 2 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 19 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [15301]
جون ميكليثويت وأدريان وولدريدج
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»

في اعتقاد صامويل لوبيل، المتخصص في العلوم السياسية، أنه في أي حقبة هناك دوماً حزبان: «حزب الشمس» الذي يخلق النور والحرارة، و«حزب القمر» الذي «يتلألأ في ظل الحرارة المتولدة المنعكسة».
منذ عهد رونالد ريغان ومارغريت ثاتشر، شكل اليمين «حزب الشمس» داخل أميركا وبريطانيا. اليوم، يواجه هذا التيار خطر التحول إلى «حزب القمر»، إلا إذا أجرى إصلاحات راديكالية على صعيدي الأفراد والأفكار.
منذ عام 1979، نجح اليسار في دفع أربعة فقط داخل البيت الأبيض أو «داوننغ ستريت» ـ بيل كلينتون وباراك أوباما على أحد جانبي الأطلسي، وتوني بلير وغوردن براون على الجانب المقابل. أما اليمين، فقد تمتع بالتفوق الواضح على صعيدي الكفاءة العملية والديناميكية الفكرية.
ويمثل الصعيد الأول ميزة تقليدية يتسم بها التيار المحافظ، ذلك أن كلاً من الجمهوريين والمحافظين بنوا جاذبيتهم السياسية حول فكرة أنهم قادرون على الاضطلاع على نحو أفضل برعاية أموال الناخبين وحماية البلاد عن الآخرين. وروجوا لفكرة أنه إذا رغبت في بناء قلاع في الهواء، فليس عليك سوى انتخاب اليسار.
بجانب ذلك، تميز اليمين بقدر أكبر من الديناميكية، إذ منذ عام 1979، أنتج التيار المحافظ المعاصر جميع الأفكار المهمة التي بدلت عالمنا السياسي، من الخصخصة إلى إصلاح الرفاه.
وبمرور الوقت، أصبحت هذه الأفكار جزءاً جوهرياً من التيار الرئيسي لدرجة أنها غيرت وجه اليسار هو الآخر. ففي الوقت الذي حرص كلينتون على تحقيق توازن بين الموازنة وإصلاح منظومة الرفاه، أطلق بلير على حزبه اسماً جديداً، «حزب العمال الجديد».
بطبيعة الحال، شهدت هذه الحقبة من هيمنة تيار المحافظين نجاحات وعثرات. ومع هذا، نجح اليمين بوجه عام في البقاء داخل صورة «الحكومة الرشيدة»، مع إحداثه تغييرات في تعريف ما تعنيه «الحكومة الرشيدة».
وعليه، فإنك قد تتخيَّل أنه في 2020، ضاعف المحافظون من جهودهم من أجل الحفاظ على تفوقهم، خصوصاً أن هذا عام يتوق فيه الناخبون نحو الأمن والكفاءة. ومع هذا، نجد على أرض الواقع أن شمس المحافظين آخذة في الأفول.
داخل الولايات المتحدة، تشير استطلاعات الرأي إلى أن ترمب من المحتمل أن يخسر الانتخابات الرئاسية لصالح منافسه بايدن.
في بريطانيا، حيث أنجز المحافظون للتو مؤتمرهم السنوي (الافتراضي)، يجد رئيس الوزراء جونسون نفسه في مواجهة تفوق مستمر من جانب زعيم حزب العمال الجديد.
خلف كل ذلك يقف فيروس «كوفيد19»، وعجز اليمين على التعامل معه، في كل من بريطانيا وأميركا، وأخفق الجانب الذي تفترض فيه الكفاءة في مهمته الأساسية المتمثلة في حماية المواطنين من الفيروس.
داخل الولايات المتحدة، يقترب معدل الوفيات لكل مليون شخص من 600، بينما في بريطانيا يقترب المعدل من 650. في المقابل، نجد أنه في كندا يبلغ حوالي 250، وفي ألمانيا يزيد قليلاً عن 100.
ورغم أنه بطبيعة الحال تتبع كل دولة سبلاً مختلفة عن الأخرى في إحصاء المصابين والوفيات، تبقى هوامش الاختلاف بين هذه الأرقام ضخمة للغاية.
وفي الوقت الذي اتسم سلوك ترمب بالغرابة، خصوصاً منذ إصابته بفيروس «كورونا»، جاء سلوك جونسون غارقاً في الكسل، لدرجة أنه أخفق في حضور الاجتماعات المبكرة التي عقدتها الحكومة لمناقشة سبل التصدي للفيروس.
ولا شك أن الزعماء المحافظين الأكثر تقليدية كانوا ليشعروا بصدمة بالغة إزاء حقيقة أنه في مواجهة مثل هذا الخطر، أحاط ترمب وجونسون نفسيهما بأشخاص متوسطي القدرات، وقع عليهم الاختيار تبعاً لمعايير الولاء وليس الكفاءة.
في هذه المرة، سار الثنائي الأنغلو ـ ساكسوني في اتجاهين معاكسين، مع انسحاب ترمب من منظمة الصحة العالمية وتورط بريطانيا في عراك مع الاتحاد الأوروبي. ولو أن هناك زعيماً للعالم الحر اليوم، فهو أنجيلا ميركل التي تتحرك اليوم نحو التقاعد بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.
الأسوأ مما سبق أن اليمين وقف في مواجهة تفوق كبير من جانب الدولة التي يعتبرها منافسه الجيوسياسي الرئيسي. وحتى إذا ما أقررت الدور المبهم للصين في نشأة الوباء، تظل الحقيقة أن النظام الصيني أبلى بلاءً أفضل بكثير من بريطانيا والولايات المتحدة في إبقاء شعبه آمناً بالداخل، واستعراض قوته الناعمة في الخارج.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة