تترنح الهند في الآونة الراهنة من وقع صدمات رباعية قوية وفريدة من نوعها من الناحية العملية حتى خلال أزمة وباء «كورونا» الراهنة. أولاً، تعرض النمو الاقتصادي في البلاد لصدمة شديدة يبدو أنها الأقوى بين أي من أقرانها، وذلك مع تقلص الناتج المحلي الإجمالي في البلاد بنسبة 23.9 نقطة مئوية خلال الربع الفصلي الأول من العام الجاري، وذلك بعد تفشي وباء «كورونا المستجد». ومع محاولات إعادة تسيير النشاط الاقتصادي ومباشرة الأعمال التجارية إلى حد ما منذ ذلك الحين، فإن الأوضاع لا تزال تعاني من القيود الكبيرة المفروضة على العرض، الأمر الذي يعني - وهي الصدمة القوية الثانية - أن التضخم ربما يقترب من مستوى 7 نقاط مئوية كاملة، وذلك وفقاً لأبيشيك غوبتا، خبير الاقتصاد المعني بالشؤون الهندية لدى شبكة «بلومبرغ» الاقتصادية.
تعد الأوضاع الراهنة أبعد ما تكون عن منطقة الراحة المحددة من قبل بنك الاحتياطي الهندي. وثالثاً، تعرض الاقتصاد الهندي لكل تلك الصدمات، وهو الذي يعاني بالفعل من تراجع النمو المحتمل وأزمة الإيرادات الضريبية الهائلة في أعقاب ضعف أداء ضريبة السلع والخدمات الوطنية.
وكان بإمكان الحكومة الهندية التحكم في هذه العاصفة الاقتصادية الشديدة ما لم تقع أزمة وباء «كورونا» وارتفاع حالات الإصابة بين المواطنين على النحو الذي تشهده البلاد حالياً. فلقد بلغ إجمالي حالات الإصابة حتى اليوم 83 ألف حالة جديدة بصفة يومية. ولقد نجح العديد من البلدان بمختلف أنحاء العالم في تجاوز ذروة منحنى الإصابة. أما في الهند، من جهة أخرى، فلا تزال أرقام حالات الإصابة اليومية الجديدة قيد التسجيل المستمر.
ومن المحتمل حتى الآن أن يكون وباء «كورونا المستجد» قد انتقل - كما كانت تخشى السلطات المعنية الهندية - من المناطق الحضرية إلى المناطق الريفية النائية والمزدحمة بأعداد هائلة من السكان. ومن هذه النقطة، سوف تكون الخدمات الصحية الهندية في موقف عسير من حيث قلة التجهيزات والإمدادات الطبية اللازمة للتعامل مع وتغطية الارتفاع الكبير والمفاجئ في أعداد حالات الإصابة - وقد لا تدرك أجهزة الولايات المحلية البعيدة بحالات التفشي الجديدة للوباء حتى فوات الأوان.
وليس أمام الحكومة الهندية - التي باتت تواجه الاقتصاد الداخلي المنهار مع اقتراب خواء خزائن الدولة من الأموال الكافية - من وسيلة حقيقية لتحسين حالات الأشخاص الأكثر تضرراً بصورة مباشرة جراء كارثة الوباء. كما تعتبر برامج الإجازات مدفوعة الأجر المعمول بها في المملكة المتحدة أو نظام إعانات البطالة المعتمد لدى الولايات المتحدة - الذي يكلف الحكومة الأميركية ما يقرب من 600 مليون دولار في الأسبوع - من الأحلام البعيدة المنال والعصية تماماً على التحقق لدى الحكومة الهندية. وحتى إن امتلكت الهند مثل تلك الأموال - وهو لن يحدث بسبب التقلبات المريعة في نظام إيرادات الضرائب - فلن تتمكن الحكومة الهندية بأي حال من إيصال الأموال إلى مستحقيها الحقيقيين من سكان البلاد.
ولذلك، وبقدر اهتمام وعناية المسؤولين الهنود بالأمر، فإن السبيل الوحيد لعودة الناس إلى حياتهم الطبيعية لن تكون إلا بالتخفيف التدريجي من القيود الصارمة ذات الصلة بأزمة الوباء الراهنة. وهذا بالضبط ما تحاول الحكومة الهندية فعله الآن؛ إذ يجري رفع القيود عن مزاولة الأنشطة والأعمال من دون إيلاء اعتبار كبير لارتفاع حالات الإصابة، لا سيما مع الحد الأدنى من المعلومات حول التجمعات المحتملة للإصابة بالعدوى الفيروسية في غير موضع من مواضع البلاد.
وما يثير الدهشة والاستغراب أن حالة الخوف والذعر من الوباء هي في أدنى مستوياتها في البلاد، سواء بين الساسة من صناع القرارات أو لدى الجمهور الهندي بصورة عامة. وربما يرجع ذلك في المقام الأول إلى أن معدلات الوفيات - بقدر ما يصدر من بيانات عن الأجهزة الحكومية المعنية في الهند - هي أدنى بكثير من نسبة نقطتين مئويتين، وبالتالي فهو من بين أدنى معدلات الوفيات المسجلة لذلك الوباء على مستوى العالم. ولا نعرف السبب الحقيقي وراء ذلك، هل هناك افتقاد لتسجيل العدد الواقعي لحالات الوفيات، كما تشير مجلة «لانسيت» الطبية؟ ومن المحتمل أن يرجع السبب إلى تطبيق الهند لاختبارات الأمصال المضادة غير المعترف بدقتها، أو ربما من الممكن أن حالات الوفيات الحقيقية ذات الصلة بوباء «كورونا المستجد» لا يجري تسجيلها على النحو الواجب.
وعلى الرغم من عدم وجود مؤشرات حتى الآن في الهند تفيد بأن النظام الصحي الداخلي مثقل عن آخره بالأعباء، فإننا لا ننكر أنه يتحرك صوب على هذا المسار. ولقد حاول أرقى مستشفى تديره الحكومة الهندية في العاصمة نيودلهي مؤخراً إغلاق كل العيادات الخارجية من أجل التركيز على جهود الاستشفاء داخل المستشفى. وعلى أي حال، من شأن الارتفاع الكبير والمطرد في حالات الإصابة بالعدوى الفيروسية أن يزيد من الضغوط التي تتعرض لها النظم الصحية غير الملائمة في الهند. ولذلك، من المحتمل تماماً أن ترتفع معدلات الوفيات بصورة مأساوية في الفترة المقبلة.
وعلى نحو يدعو لمزيد من القلق، شرعت بعض الجهات المعنية - والمتضررة للغاية - داخل الهند في قرع طبول «التحفيز المالي» الكبير في الآونة الأخيرة. وتزداد الضغوط الهائلة على عاتق وزارة المالية الهندية، التي التزمت بحرص بالغ من حيث الإنفاق وبصورة مثيرة للإعجاب خلال الفترة السابقة، من أجل البدء في ضخ مزيد من الأموال لصالح الأعمال التجارية. ولقد انطلقت بعض الجمعيات النقابية والقطاعية إلى أعتاب المحكمة العليا الهندية من أجل مطالبة القضاء الهندي بضمان عدم إلزامهم بسداد الفوائد الباهظة على القروض المستحقة السداد عندهم.
وبرغم ذلك، فإن الحقيقة الواقعية أن «التحفيز المالي الثاني» - لا سيما التحفيز الموجه إلى الأعمال التجارية - سوف يحمل مخاطر جمة من الناحية المالية. ولسوف يكون من قبيل إهدار الأموال العامة كذلك، نظراً لأن معنويات المستهلكين ومعنويات الأعمال التجارية من غير المتوقع أن تنتعش في المستقبل المنظور، بينما تواصل حالات الإصابة بالفيروس الارتفاع المطرد وبوتيرة سريعة. ويمكن للجميع ملاحظة منحنى الارتفاع ولا يعرف من أحد المدى الحقيقي لسوء الأوضاع.
وفي الأثناء ذاتها، وكما تشير محاولة مستشفى دلهي وقف توفير الخدمات الصحية الروتينية للمواطنين، فإن التكاليف الصامتة للوباء الراهن تواصل التراكم المستمر. ولقد توقف - على سبيل المثال - برنامج التحصين المناعي الوطني بصورة أساسية، الأمر الذي يعني أن جيلاً كاملاً من الأطفال سوف يكونون معرضين بصفة خاصة للإصابة بالأمراض المعدية من شاكلة الحصبة وغيرها.
وهناك الملايين من أطفال المدارس في الهند - ممن لا يتلقون تعليماً يرقى إلى المعايير الدولية للتعليم - لا يذهبون إلى المدارس. وعلى العكس من البلدان الغربية، لا يمكن إلا لربع الطلاب الهنود الوصول إلى الفصول الدراسية على شبكة الإنترنت. وبالنظر إلى أن الجيل الحالي هو المُكلف تحقيق وثبة الهند صوب الازدهار، فإن الأوضاع الراهنة توحي بمزيد من الأنباء السيئة فيما يتعلق بالمستقبل المنظور للبلاد.
لن يكون لدى الهند شعور مناسب عن الحجم الحقيقي لتلك التكاليف الباهظة والصامتة لفترة من الزمن، وبالتأكيد ليس قبل حلول العام المقبل على أي حال. ومن شأن وزارة المالية - والحكومة الهندية على نطاق أوسع - أن تتحمل مسؤولية المقاومة والصمود في وجه الدعوات المتواترة لزيادة الإنفاق العام من الأموال التي لا تملكها في الآونة الراهنة. إذ إن الحكومة الهندية سوف تكون في حاجة ماسة وشديدة إلى مثل تلك الأموال في وقت ليس بالبعيد.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»
TT
ارتفاع كبير لتكاليف أزمة «كورونا» في الهند
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
