الشاي الهندي... مرآة الثقافات

الشاي الهندي... مرآة الثقافات

دليلك إلى أنواعه وطرق تحضيره
الأحد - 12 محرم 1442 هـ - 30 أغسطس 2020 مـ رقم العدد [ 15251]

يعتبر الشاي من أكثر المشروبات المحببة في الهند وحتى حول العالم لسبب وجيه هو أن كوبا من الشاي كفيل بأن يخلصك من إحساس التعب. يعود أول ظهور للشاي في الهند إلى ما يقرب من 2000 عام مضت، بحسب رواية ملحمة «رامايانا» الشهيرة. لكن لم يرد ذكر للشاي حتى وصلت «شركة الهند الشرقية» التي خصصت مساحات كبيرة من الأراضي لإنتاج هذا المشروب الساحر في عموم البلاد.

للهند نصيبها من أنواع الشاي الأصلي الأكثر قبولاً لدى غالبية الناس وهو شاي «ماسالا» ذو النكهة القوية والذي يجري تحضيره مع السكر والحليب وأنوع عديدة من الأعشاب والتوابل ويغلى بعدها عدة مرارا ليصبح تأثيره قويا، ناهيك عن طبيعته العطرية، اللذيذة. وتتضمن أشهر أنواع الشاي المحلية في الهند الأنواع التالية:

- الشاي الكشميري

انضم الشاي الكشميري الأخضر إلى باقي أنواع الشاي الكلاسيكي ليضمن وجودا دائما على مائدة الإفطار الإنجليزي جنبا إلى جنب مع شاي «وإيرل غراي» الشهير. ويعتبر الشاي الكشميري الأخضر ذو النكهة الشراب المفضل لسكان ولايتي «جامو» و«كشمير» في أقصى شمال الهند.

يجري تحضير الشاي الكشميري مع بتلات الزعفران والقرفة والهيل في غلاية خاصة تسمى «سماور»، التي وصلت لأول مرة إلى كشمير من روسيا عبر آسيا الوسطى، ويقدم مع المكسرات والسكر أو العسل. وتعتبر هذه الخلطة مفيدة ليس للهضم فحسب، بل أيضا للطقس البارد.

يتميز الشاي الكشميري بلونه الأشبه بالذهب الأحمر القريب من لون الشمس ليجعلك تشعر أنه نابض بالحياة، ناهيك عن الرائحة العطرة. فعندما ترتشف منه تشعر كأنك تسافر بعيدا. ومن التقاليد الموروثة أن هذا النوع من الشاي يجري تقديمه في أكواب عميقة. ولإعداده، هناك بعض طقوس منها أنه يجب عليك الانتظار إلى أن تظهر الفقاقيع أثناء الغلي ثم تتصاعد رائحة القرفة والهيل اللذيذة. يراعى ألا يتم تخمير أوراق الشاي لأكثر من ثلاثين ثانية، إذ إن الإفراط في التخمير يجعلها مرة. ويقال إن أوراق الشاي الكشميري جاءت إلى كشمير عبر «طريق التوابل». ويعتقد الكثيرون أنها نشأت في وادي «ياركاند» بمنطقة «شينجيانغ» الأويغورية ذاتية الحكم في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد.

في المنازل الكشميرية، يقدم ذلك الشاي الأخضر بعد الوجبات ليس لأنه يساعد في عملية الهضم فحسب، لكن أيضا لأنه يساعد على غسل الدهون، مما يجعلها إضافة مثالية لنظام غذائي لمراقبة الوزن. كما أنه يساعد على منع ترسب الكولسترول في الأوعية الدموية وبالتالي يقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب.

يعد الزعفران الموجود في الشاي الكشميري مصدراً ممتازاً لفيتامين بـ12 مما يساعد على إعادة شحن نظام الدفاع عن الجسم. ويمكن أن تساعد العديد من مضادات الأكسدة الموجودة في الشاي على إبقاء جسمك خالياً من أي عدوى أو مرض، خاصة خلال فصل الشتاء. كما يحظى الشاي بشعبية كبيرة في أفغانستان وبعض مناطق آسيا الوسطى في «خيبر بختونخوا» و«جيلجيت بالتستان» اللتين كانتا في وقت سابق جزءاً من كشمير الموحدة ولكن تخضعان حاليا للإدارة الباكستانية.

- شاي نون

من ضمن أنواع الشاي المعروفة أيضا في الهند شاي «نون»، المعروف أيضا باسم شاي «شير» الذي يُعرف في الغالب بلونه الوردي وبأن موطنه «جامو» و«كشمير». يحتوي هذا الشاي ذو اللون الوردي الخاص على قوام كريمي وزبداني سميك قليلا، لكنه رقيق بما يكفي لاحتسائه بلطف. يُصنع هذا الشاي عن طريق تخمير أوراق الشاي حتى الوصول إلى اللون الوردي الفاتح، وعادة ما يقدم هذا الشاي مضافا إليه الحليب والملح.

يكتسب شاي «نون» لونه من إضافة قليل من صودا الخبز المعروفة بتفاعلها مع الشاي وتحولها إلى اللون القرمزي الأحمر. وتضاف صودا الخبز أثناء تخمير الشاي ليتحول إلى سائل أحمر ثم إلى شاي وردي جميل اللون عند إضافة الحليب.

تتميز أوراق هذا النوع من الشاي بطولها الذي يقارب الشاي الصيني الأسود. ويستخدم بعض الناس أوراق الشاي الأخضر العادية لصنع شاي «النون». ويضاف الملح دائماً إلى الشاي، خاصة ملح البحر بدلاً من السكر. وتعني كلمة «نون» الملح باللغة الكشميرية. ومع الملح، يمكن إضافة بعض المكسرات مثل اللوز والفستق.

الجدير بالذكر أن هذا النوع من الشاي يعد من التقاليد الكشميرية، ويتناوله غالبية الناس ما بين مرتين إلى ثلاث مرات يومياً مع الكولشا (الخبز الكشميري) والبقرخاني (خبز المعجنات).

وتعتبر أوراق الشاي الأخضر المستخدمة في تخمير الشاي الكشميري من مضادات الأكسدة القوية وتستخرج من نبات «الكاميليا سينينسيس»، وتساعد في منع تكون الجلطات الدموية وتحمي من السكتة الدماغية والنوبات القلبية.

بحسب الفولكلور الكشميري، يعمل شاي الظهيرة على الشعور بالإحساس بالانتعاش في الجو الحار، ويمنحك الدفء في الشتاء. وهو ليس مغذيا فحسب، لكن الأحماض الأمينية الموجودة بداخله تساعد أيضاً على تقليل التوتر والقلق.

- شاي «غورغور»

يحظى شاي «غورغور»، أو شاي الزبدة، بشعبية في العديد من مناطق جبال الهيمالايا، وهي أعلى سلسلة جبلية، والتي تضم مناطق «لاداك»، و«هيمكال برداش»، و«سيكيم» الهندية حيث يتغلب الناس على البرد بكوب من شاي «غورغور» الدافئ. وهذا المشروب لا يصنع من أوراق الشاي. فهذا المشروب التقليدي عبارة عن خليط من الحليب وزبدة «آلياك» والملح وبعض النباتات المتاحة في منطقة الهيمالايا. ويحضر المكون الرئيسي من أوراق «شاتانغ» أو لحاء «اليامدال». وتختلف طريقة الصنع من منطقة لأخرى حسب الارتفاع. على سبيل المثال، يقوم الناس في «لاداخ» بإعداد النوع المركز من أوراق «شاتانغ» الطازجة التي توجد عادة في الروافد العليا من جبال الهيمالايا.

وقال وانجشوك، مدير فندق «شامبا لا» بمدينة ليه: «تضفي الأوراق نكهة خفية على المشروبات. فهي تحمي أيضاً من البرد والحمى وتساعد على تقليل انتفاخ البطن». وتتم عملية الإعداد بغلي الأوراق وتركها على نار خفيفة لسبع إلى ثماني ساعات.

يجري بعد ذلك تصفية السائل المركز وتخزينه لتحضير شاي «غورغور». إن إعداد المشروب عملية تتطلب الكثير من الإتقان. لذلك، عادة ما يتم تحضير السائل المركز بكميات كبيرة لتبقى ثلاثة إلى أربعة أيام. ويُصنع الخليط باستخدام زبدة آلياك عادة ولكن يمكن أيضاً إعداده من زبدة البقر. ومن المعروف أن البدو في جبال الهيمالايا يتناولون ما يقرب من 40 كوباً في اليوم!

يعتبر الناس شاي غورغور أحد أفضل العلاجات للجفاف والبرد. ويحتوي كل مطبخ في مدينة لادخي على ركن لاحتساء الشاي، بعضها يحوي ديكورات بلاستيكية وأخرى تضم ركنا من الخشب المنحوت بشكل رائع والنحاس المسمى «دومبو».

عادة ما يجري تقديم الشاي في أكواب صينية أو نحاسية ضحلة تسمى «زومبات». لا يجري احتساء هذا الشاي ساخناً، ويجرى تناوله في الغالب مع خبز «تسامبا» (خبز مصنوع من الشعير المحمص). تقع لاداخ على مفترق طرق استراتيجي لطريق التجارة القديم، وهي موطن القبائل التي ترجع جذورها إلى التبت. لذلك تتأثر عاداتهم الغذائية بقوة بتقاليد الأسلاف التي نشأت في المطبخ التبتي.

ولأنه يحتوي على الكثير من الزبدة، فإن هذا الشاي يحتوي على كمية عالية من السعرات الحرارية، لذلك فهو مناسب للارتفاعات العالية. كما أنه يساعد على منع تشقق الشفاه، يمكن للمرء أن يشرب العديد من أكواب شاي غرغورفي يوم واحد نظرا لعدم وجود أي آثار سلبية له، بل ذهب البعض مثل تسونغ، أحد سكان دلهي، إلى القول بأنه هذا الشاي «يحمي من أمراض القلب».

استطرد تسوتغ قائلا: «في طقس مدينة لادخ البارد، يعتبر شاي غرغور أول ما يقدم للضيوف. وقد اعتاد الكثيرون على إضافة الجوز المطحون والزهور البرية لإعطائه نكهة غريبة، لكن دلهي ليست باردة لذا فإن تناول الشاي هنا أقل من غيرها من المدن».

- الشاي الإيراني

عندما استقر المهاجرون الإيرانيون الزرادشتية في الهند، جلبوا معهم المطبخ الإيراني، خاصة وصفة الشاي المميزة التي عرفت لاحقا باسم الشاي الإيراني. وتشتهر المقاهي ذات الطراز الإيراني في الشوارع الصاخبة في المدينة القديمة في حيدر آباد وأيضاً أجزاء من مومباي وبيون بتقديم ذلك النوع من الشاي. ويقال إنه لا يمكن تذوق شاي إيراني حقيقي إلا في أحد هذه المقاهي ولن يكشف أي صاحب مقهى إيراني عن جميع مكونات إعداده. ومع ذلك تتضمن الوصفة «ماوا»، وهو منتج ألبان يتم تصنيعه عن طريق تسخين الحليب كامل الدسم وتقليله إلى حوالي خمس الحجم، ويجري تحضير الشاي باستمرار من الصباح إلى المساء على نار هادئة. ويوضع الحليب المكثف والمحلى في وعاء منفصل.

- الشاي السليماني

أصول شاي السليماني غير مؤكدة وغامضة ولا توجد سوى قصة واحدة وهي أنه يتحدر من مشروب عربي يسمى «غافا»، ويصنع من التمر والفلفل الأسود. الشاي السليماني الذي يتم تخميره مع العنبر، هو شاي أمبروزي مصنوع من دون حليب ويقدم مع جرعة تنشيطية من الليمون. قد تجد غالباً أوراق النعناع أو أوراق الريحان تسبح بداخله لتضيف إليه نكهات الأعشاب الطازجة والرائحة المنعشة. وفي بعض الحالات، يمكن إضافة القليل من الهيل المطحون والقرفة. من ضمن المشاهد الرائعة هي مشاهدة لون الشاي يتحول من الأحمر الداكن إلى الذهبي القريب من لون الشمس عندما يختلط عصير الليمون مع الشاي.

واليوم، غالباً ما يتم تقديم الشاي السليماني بعد الوجبات الثقيلة مثل البرياني في جميع أنحاء منطقة مالابار. ويعتبر الشاي السليماني مشروب هضمي رائع، وهو أيضاً جزء من تقاليد حفلات الزواج في مجتمع «مابليه» المسلم في ولاية كيرالا وبصرف النظر عما يفضله الناس في مثل هذه الولائم، فإن الضيوف دائما يطلبونه. ويجري غلي الشاي في أحواض ضخمة، ويقدم في أكواب صغيرة، وأحياناً يضاف إليه بعض الزعفران.


الهند مذاقات

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة