سد النهضة... المعادلة المطلوبة لدرء المخاطر

سد النهضة... المعادلة المطلوبة لدرء المخاطر

الخميس - 18 ذو القعدة 1441 هـ - 09 يوليو 2020 مـ رقم العدد [15199]

قضية سد النهضة ليست بالتبسيط الذي يتناولها به البعض، وليست قضية عواطف بل مصالح حيوية استراتيجية تمس حياة ملايين البشر في الدول الثلاث المعنية. العواطف خربت كثيرا من العلاقات، والعلاقات العربية - العربية خير مثال، في حين أن أوروبا مثلاً تقيم منذ عقود علاقاتها على المصالح والمنافع المتبادلة، فمنعت الحروب الكبرى بعد أن كانت مسرحاً للصراعات ولحربين عالميتين، وأرضاً لأشرس حرب باردة.
قبل الخوض في التفاصيل لا بد من القول إن الصراع والحرب لا يمكن أن يكونا أبداً طريقاً لحل الأزمة القائمة حول سد النهضة. لغة المصالح وتلمس الفوائد المشتركة وتنميتها هي المدخل للحل، من دون إهمال المخاطر وبحثها، لا لإثارة العراقيل بل لإيجاد الحلول والتطمينات.
لقد ضاع زمن طويل، بالنظر إلى أن مشروع بناء سد النهضة انطلق في 2011. لو كان استغل في البحث عن الفوائد وربط المصالح، لربما وجدت أرضية مشتركة ساعدت في إزالة الشكوك، وبناء الثقة، وحل أي خلافات قد تنشأ في مشروع ضخم كهذا يمس بشكل مباشر مصالح حيوية للدول الثلاث المعنية ونحو 240 مليون نسمة هم مجموع سكانها تقريباً. لكن الذي حدث أن أجواء عدائية خلقت، لا سيما بين مصر وإثيوبيا، أسهمت في تعقيد الأمور. السودان أيضاً في فترة حكم «الإخوان» نظر إلى السد كورقة مناكفة مع مصر عندما كان التوتر هو الطابع للعلاقات على المستوى الرسمي، وهو توتر ظهر على السطح بوضوح بعد محاولة اغتيال حسني مبارك، ثم بروز قضية حلايب وشلاتين. اليوم تتعامل الخرطوم مع السد بنظرة واقعية، ولا تتردد في القول إنها تتعامل مع الملف بلغة المصالح. صحيح أنها بحكم العلاقات المميزة التي تربطها بكل من مصر وإثيوبيا تستطيع أن تقوم بدور كبير في تهدئة الأجواء ومحاولة تقريب وجهات النظر، لكنها بأي حال لا تستطيع أن تكون وسيطاً فحسب، لأنها طرف لديه مصالحه أيضاً.
مصر من جانبها لديها مصالح حيوية ومخاوف مشروعة بشأن حصتها من المياه، لأن النيل يمثل شريان الحياة الرئيسي لها، لكن التركيز في الحديث عن السد الإثيوبي من زاوية التهديد فقط لأمنها المائي، حفز كثيرين في القاهرة، لا سيما في وسائل الإعلام، للخوض في كلام عن ضرب السد والترويج للغة التصعيد العسكري. وأحسب أن مصر لو وازنت الحديث عن المطالب المشروعة، بلغة المنافع والمصالح المتبادلة، لربما كانت ستسهل الاتفاق مع إثيوبيا ومع السودان.
أما إثيوبيا فإنها لم تخاطب بشكل جلي ومتفهم، المخاوف المشروعة للطرفين الآخرين وخاصة مصر التي تعتبر السد «خطراً وجودياً يهدد مصدر الحياة الوحيد لها» وهو نهر النيل. وبسبب مشاعر عدم الثقة التي نمت بين القاهرة وأديس أبابا فإن هذه الأخيرة بدأت ترى أن مصر تريد حرمانها من حقها في التنمية. ولعل ما يدور في وسائل التواصل الاجتماعي اليوم يعكس روح العداء التي تنامت بشكل غير مريح. بل إن الأمور وصلت إلى حد تحذير رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد قبل أيام من أنهم مستعدون للحرب.
من مصلحة كل الأطراف المعنية الابتعاد عن لغة التأجيج والتصعيد لأنها لن تفيد بل ستعقد المفاوضات أكثر، كما أنه لا أحد يريد بلوغ مرحلة المواجهات المباشرة أو غير المباشرة التي لن تعني سوى الخراب وتهديد مصالح الجميع. فهناك أطراف خارجية ربما تجد في توترات سد النهضة فرصة لتأجيج الأمور في المنطقة. ولأن الملف حيوي ويعني كثيرا لأطرافه الثلاثة، اقتصادياً وأمنياً واستراتيجياً وبيئياً واجتماعياً، فإنه حتى في هذه المرحلة يمكن الرجوع إلى لغة البحث عن الفوائد والمصالح المشتركة.
ما المخاطر؟
لقد قيل كلام كثير عن خطر انهيار السد وإن ذلك لو حدث «سيزيل السودان من الخريطة»، لأن السد شيد قريباً جداً من حدوده، وستصل الأضرار إلى مصر. الواقع أن هذا الكلام يقال بطريقة مضخمة توحي بأنه يستخدم في إطار الحرب الكلامية حول السد. فالسودان فيه سدود ومصر فيها السد العالي، والعالم مليء بالسدود وحوادث الانهيارات، وإن وجدت، فإنها تبقى محدودة لأن الأصل في بناء هذه الحواجز المائية أن تراعي إجراءات السلامة. وإثيوبيا التي أنفقت أكثر من خمسة مليارات دولار في المشروع، جمعت قسماً منها من حملة استكتاب وتبرع شعبي، ومن استقطاع جزء من رواتب الموظفين، ومن قروض داخلية واستثمارات خارجية، لا يعقل أن تجازف بكل ذلك في مشروع معرض للانهيار. ويدعم هذا الرأي خبراء يؤكدون أن التصميم مدروس بعناية وأن الشركة الإيطالية المشرفة على التنفيذ عرضت كل الخرائط وقدمت شرحاً للتصميم وإجراءات السلامة في اجتماعات للدول الثلاث.
كذلك فإن هناك خبراء دوليين يؤكدون أن السد يراعي إجراءات السلامة وأن تصميماته جيدة، بما يبعث على الاطمئنان. وقد سمعت رأياً قريباً من هذا في مقابلات تلفزيونية شاهدتها مع العالم المصري البارز الدكتور فاروق الباز الذي اعتبر أن السد مقام في منطقة آمنة وليس هناك مخاوف من انهياره بسبب زلازل، وأن تصميمات السد لا بد أنها راعت إجراءات السلامة وأن جهات دولية اطلعت عليها وتتابع العمل ولا يمكن أن تخاطر في المشروع إذا لم تر أنه راعى الإجراءات المطلوبة. كما أن وزير الري السوداني ياسر عباس أكد في تصريحات مؤخراً أن درجة أمان سد النهضة عالية جداً، بل واعتبره أكثر أماناً من سدود السودان.
بالتأكيد أنه في أي مشروع كهذا تكون هناك نسبة ولو ضئيلة لاحتمالات مخاطر الانهيار لأي سبب. لذلك من حق السودان، بالدرجة الأولى، ومصر، المطالبة بتطمينات حول التصميم وإجراءات السلامة، ومن واجب إثيوبيا تقديم هذه التطمينات.
إذا تجاوزنا الكلام عن انهيار السد، فإن الخطر الأكثر واقعية هو إمكانية تأثر كميات المياه خلال فترة ملء وتشغيل السد الذي سيحجز بعد اكتماله نحو 74 مليار متر مكعب من المياه، لهذا السبب يصر السودان ومصر على ضرورة عدم القيام بأي إجراءات أحادية قبل التوصل إلى اتفاق بين الأطراف الثلاثة، ويريدان الاتفاق على جدول وبرنامج ملء بحيرة السد.
ما الفوائد؟
لقد أعلنت إثيوبيا منذ البداية أن الغرض الأساسي من سد النهضة هو توليد الكهرباء. فالبلد عبارة عن هضبة ضخمة وليس لديه أراض زراعية تستوعب كل المياه التي سيوفرها السد، أو حتى الحجم الكبير لمياه الأمطار التي تهطل فيها. ولأن السد الذي يعد أكبر مشروع للطاقة الكهرومائية في أفريقيا، سيولد كهرباء أكثر بكثير مما تحتاج إليه إثيوبيا، فإنها ستوظف الفائض اقتصاديا ببيعه إلى دول الجوار وربما أبعد عن طريق شبكات الربط الكهربائي. ولقد وعدت أديس أبابا السودان ببيعه الكهرباء بسعر تفضيلي، وكان ذلك أحد العوامل التي جعلت السودان يتحمس، وهناك عوامل أخرى أتطرق إليها في مقال آخر.
مصر لو استخدمت لغة المصالح فإنها يمكن أن تتفاوض مع إثيوبيا أيضاً لشراء الكهرباء وتوظيف شبكتها الممتدة حتى تركيا عبر دول أخرى لبيع فائض كهرباء سد النهضة. هذه هي اللغة التي يمكن أن تربط مصالح الأطراف، وتجعلهم أقرب إلى التفاهم من التناحر. لكن لماذا تتشكك مصر ويتحمس السودان للمشروع وتتباطأ إثيوبيا في التوقيع على اتفاق؟ فهو موضوع مقال لاحق.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة