قيس سعيد يطرح من باريس موقف تونس من أزمة ليبيا

اصطفاف إلى جانب فرنسا ضد الدور التركي

قيس سعيد يطرح من باريس موقف تونس من أزمة ليبيا
TT

قيس سعيد يطرح من باريس موقف تونس من أزمة ليبيا

قيس سعيد يطرح من باريس موقف تونس من أزمة ليبيا

بعد 8 أشهر من دخول قيس سعيد قصر قرطاج الرئاسي، زار الرئيس التونسي العاصمة الفرنسية باريس على رأس وفد رسمي، فكرس تقليدا اتبعه أسلافه الذين جعلوا باريس وجهتهم الأولى في تحركاتهم الدولية، بعد زيارة رمزية إلى «الجارة» الجزائر وتبادل المبعوثين والرسائل مع القادة العرب وبقية زعماء العالم. وطرحت الزيارة عدة تساؤلات، أبرزها:
هل هي مؤشر لمصالحة سعيد مع فرنسا والعواصم الغربية التي انتقدته منذ انتخابات الخريف الماضي واتهمته حينا بـ«التعاطف مع التطرف الديني» وحينا آخر بـ«التشدد السياسي» بسبب بعض تصريحاته التي اتهم فيها كل من يتعامل مع إسرائيل بـ«الخيانة الوطنية»؟ وهل حصل سعيد على دعم اقتصادي وسياسي قوي لحكمه ولتونس ومصالحها في ليبيا بعد قمته الأولى مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون أم ستتسبب له هذه القمة وتصريحاته في باريس في متاعب داخلية وخارجية جديدة، بعدما اتهمه معارضوه بـ«إلحاق أذى بمصالح ملايين التونسيين في غرب ليبيا»، والانخراط في «لعبة محاور دولية» بالوقوف مع فرنسا وروسيا ضد الولايات المتحدة وإيطاليا وتركيا و«حكومة الوفاق» الليبية برئاسة فايز السراج؟ وهل ستساهم هذه القمة الأولى بين ماكرون وسعيد في دفع السياسة الخارجية التونسية نحو انخراط أكبر في جهود التسوية في ليبيا ضمن حلف استراتيجي إقليمي جديد ترعاه فرنسا، ويشمل كذلك الجزائر ومصر والمغرب؟
تباينت ردود الفعل على نتائج القمة الأولى بين الرئيسين التونسي قيس سعيد ومستضيفه الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس وتصريحاتهما عن ليبيا وعن الحقبة الاستعمارية بين مرحب ومعارض. إذ نوه وزيرا المالية نزار يعيش والخارجية نور الدين الري، اللذان رافقا سعيد في زيارته، بالنتائج الاقتصادية، وبينها تقديم قرض فرنسي جديد لتونس قيمته 350 مليون يورو، أي حوالي 400 مليون دولار أميركي.
كذلك نوه الخبير التونسي في السياسة الدولية فرج معتوق باتفاق الوفدين التونسي والفرنسي على «ترفيع نسق الشراكة الاقتصادية والمالية والتكنولوجية بين البلدين، بما في ذلك عبر إحداث خط حديدي سريع من نوع تي جي في الفرنسي من المقرر أن يربط أقصى شمال تونس بجنوبها، على غرار الخط الذي أنجزته مؤسسات فرنسية في المغرب للربط بين مدينتي طنجة شمالاً والدار البيضاء في وسط البلاد.

اتفاقيات قديمة
إلا أن بعض السياسيين والخبراء الاقتصاديين والماليين في تونس، مثل الأكاديمية جنات بن عبد الله، قللوا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» من أهمية هذه الاتفاقات، واستدلوا بكون «الرئيس الفرنسي ماكرون أكد بوضوح في مؤتمره الصحافي المشترك مع سعيد في قصر الإليزيه أن القرض الفرنسي الجديد يمثل قسطا جديدا من قرض مدته 5 سنوات اتفقت عليه سلطات البلدين منذ 2017. قيمته حوالي مليار و700 مليون يورو، أي حوالي ملياري دولار أميركي.
أيضا، انتقد رضا الشكندالي، المدير العام السابق لمركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في الجامعة التونسية «سيريس»- في تصرح لـ«الشرق الأوسط» عدم «تقديم فرنسا أي دعم مالي جديد لتونس التي تمر بصعوبات هيكلية، وأخرى ظرفية، ومن المقرر أن تسجل لأول مرة نسبة نمو سلبية هذا العام بحوالي 7 نقاط»، وانتقد «الترويج لاتفاقيات قديمة مُبرمة في 2017 وكأنها مبادرة جديدة».
كذلك قلل عز الدين السعيدان، المدير العام السابق لعدد من البنوك التونسية والعربية في تونس، من أهمية هذا المبلغ وغيره من «القروض الميسرة» التي تحصل عليها تونس من فرنسا والبلدان الأوروبية «مقارنة بحاجياتها المالية المتزايدة وعجزها عن تسديد ديونها التي أصبحت لأول مرة في تاريخها تتراوح بين 60 و90 في المائة من الناتج الخام». لكن الخبير الاقتصادي والناطق الرسمي باسم حزب «قلب تونس» سجل أن فرنسا وأغلب دول الاتحاد الأوروبي ذاتها تمر بأزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة يرجح أن تتسبب في انخفاض ناتجها الخام بحوالي 12 نقطة مئوية.
من جهته، اتهم الخبير الاقتصادي جمال العويديدي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» فرنسا والمشرفين على الإحصائيات الاقتصادية والتجارية في تونس بـ«المغالطة» و«التلاعب» عندما تحتسب صادرات الشركات الفرنسية والأوروبية المتمركزة في تونس ضمن «الصادرات التونسية» بينما يتعلق الأمر بمؤسسات لا تتجاوز مساهمة رأس المال التونسي فيها الـ30 في المائة وتتمتع بإعفاءات كبيرة من الضرائب والرسوم الجمركية. إلا أن الإعلامي والخبير الاقتصادي توفيق الحبيب سجل أن حصول تونس على القسط الجديد من القرض المبرم في 2017 «مهم في حدا ذاته»، وما كان ليتحقق لولا زيارة الرئيس سعيد والوفد المرافق له إلى باريس.

إفساد زيارة الرئيس
لكن الأهم في القمة التونسية - الفرنسية الأولى لم يكن اقتصاديا بل كان سياسيا ودبلوماسيا، على حد تعبير ساسة بارزين من خصوم حزب «حركة النهضة»، مثل رئيس «كتلة الإصلاح» في البرلمان التونسي حسونة الناصفي، الذي نوه بتصريحات سعيد التي عارضت التدخل التركي في ليبيا، واعتبر فيها أن «شرعية حكومة طرابلس مؤقتة وتحتاج إلى تحسين عبر تنظيم انتخابات جديدة».
وفي الاتجاه نفسه، اتهم المحامي والبرلماني المثير للجدل هيكل المكي، القيادي في حزب الشعب القومي العروبي، قيادات «حركة النهضة» بـ«محاولة إفساد زيارة الرئيس إلى فرنسا»، وبالوقوف وراء مجموعة الشباب الذين تجمعوا بالقرب من مبنى تابع للسفارة التونسية في باريس، ورفعوا شعارات سياسية ضد الرئيس سعيد حملته مسؤولية قمع الشباب العاطل عن العمل المتظاهر في مدينة تطاوين بأقصى الجنوب التونسي. ولقد نفى الناطق الرسمي باسم «النهضة» خليل البرعومي هذه التهمة، وأورد أن قيادة حركته «تحترم مقام رئيس الدولة»، واستدل على ذلك بـ«مشاركة رئيسي البرلمان راشد الغنوشي والحكومة إلياس الفخفاخ في الاحتفال الرسمي الذي نظمه الرئيس سعيد في ثكنة عسكرية بعد يوم واحد من عودته من باريس بمناسبة إحياء ذكرى تونسة الجيش الوطني».
لكن الناطق باسم «النهضة» ورفاقه انتقدوا التصريحات التي أدلى بها الرئيس التونسي في فرنسا والتي «ناقشت الخلافات التونسية - التونسية خارج أرض الوطن»، وتلك التي ووجهت انتقادات لرئيس البرلمان راشد الغنوشي بسبب المكالمة التي أجراها مع رئيس «حكومة الوفاق» الليبية فايز السراج بعد تقدمها على قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر.

تصدع الجبهة المساندة للرئيس
على صعيد متصل، كان من أبرز النتائج المباشرة لزيارة قيس سعيد إلى فرنسا وتصريحاته فيها تصدع الجبهة التي ساندته منذ حملته الانتخابية ضد منافسه رجل الأعمال الليبيرالي نبيل القروي. وكذلك تصدعت «جبهة الحداثيين واليساريين» التي دعمت القروي في انتخابات 13 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وانحاز كثير منهم إلى الرئيس سعيد بهدف مزيد من تشجيعه على الابتعاد عن «حركة النهضة» وحلفائها و«الإخوان».
وحقاً، توشك مواقف سعيد في باريس وردود الفعل عليها في تونس وليبيا أن تخلط الأوراق بقوة في المشهد السياسي التونسي، وفي علاقات الساسة بالملف الليبي والأطراف الدولية المتدخلة فيه. وهذا يشمل قيادة القوات الأميركية في أفريقيا «أفريكوم»، التي عقدت أخيراً مباحثات سياسية عسكرية رفيعة المستوى في تونس وفي مدينة زوارة الليبية، التي تبعد حوالي 50 كلم فقط عن الحدود التونسية - الليبية في رأس الجدير. كذلك، تزامنت هذه التحركات السياسية بترفيع نسق التحركات العسكرية العلني بحراً وجواً من قبل قطع بحرية ومقاتلات فرنسية وتركية في خليج قابس التونسي على مسافة 100 كلم شمالي الحدود البحرية الليبية التونسية، وبالقرب من الموانئ الليبية. وفي الوقت نفسه، ساهم كشفت مصادر فرنسية وأخرى تركية عن جوانب من «المواجهة الباردة» بين القطع البجرية الفرنسية والتركية... بوادر تصعيد وخلط للأوراق في تونس وليبيا.

التنافس الفرنسي ـ الأميركي
من جهة أخرى، انطلقت «حرب باردة» عبر وسائل الإعلام الرسمية والاجتماعية بين أنصار التقارب مع فرنسا الذين يعارضون الدور التركي وتقارب أنقرة مع روما في ليبيا. ولقد أثارت تصريحات قيس سعيد في باريس حملات دعائية عنيفة ضده وأخرى مناصرة له في وسائل الإعلام الرسمية والاجتماعية. وكانت المفاجأة سرعة تخلي معظم رموز التيارات العروبية الإسلامية الذين وقفوا إلى جانب سعيد خلال الأشهر الماضية عن «الرئيس النظيف والوطني»، واتهامهم إياه بـ«خيانة الوطنيين الذين حاربوا الاحتلال الفرنسي»، وذلك لوصفه السنوات الـ75 سنة من الاستعمار بـ«الحماية» بدلاً من «الاحتلال»، ورفضه الضغوط التي بدأ يطلقها برلمانيون وسياسيون تونسيون على باريس لمطالبتها بالاعتذار والتعويض عن الخسائر التي ألحقتها بالمستعمرات الأفريقية والعربية السابقة، وبينها تونس.
وفي هذا النطاق توجه سيف الدين مخلوف، المرشح للدور الأول للانتخابات الرئاسية ورئيس كتلة «ائتلاف الكرامة» في البرلمان التونسي بانتقادات حادة إلى سعيد ورماه بـ«خذلان من دعموه» بقوة ضد منافسه في الدور الثاني للانتخابات نبيل القروي. أيضاً، اتهمه بخذلان الوطنيين الذين حاربوا الاستعمار من خلال «الخلط بين المفاهيم» وتبني مصطلحات «المستعمر» التي تعتبر أن الاحتلال الفرنسي لتونس ما بين 1881 و1956 كان لـ«حماية» البلاد، وأن «الجرائم الاستعمارية» كانت مجرد «معارك مع الإرهابيين» ما يجعل من الشهداء الوطنيين مجرد «ضحايا». كذلك انتقد البرلماني عن «الكرامة» الكاتب عبد اللطيف العلوي رفض الرئيس التونسي مطالبة فرنسا بالاعتذار عن جرائمها في مرحلة احتلالها المباشر للبلاد. ثم إنه، على الرغم البلاغات الرسمية الصادرة عن «النهضة» التي تؤكد على «احترام مقام رئيس الجمهورية» انطلقت المواقع القريبة منها في حملة دعائية ضد الرئيس التونسي بسبب موقفه من ليبيا.
وفي المقابل، اصطف قطاع كبير من خصومهم ضد «النهضة» وحلفائه ودعموا مواقف سعيد المعارضة لما وصفوه «الاحتلال التركي العثماني الجديد لليبيا»، وانخرط قياديون من نقابات العمال والأحزاب العلمانية في التشهير بانتقادات زعماء بعض المحسوبين على «الإسلام السياسي» للرئيس سعيد، وكان بين من شملتهم الانتقادات سيف الدين مخلوف.

الحرب في ليبيا... والمعارك في تونس
ختاماً، حذرت مواقع كثيرة مقربة من الرئيس سعيد ومن توظيف نتائج زيارة الرئيس إلى فرنسا وتصريحاته للتهجم على «رموز الدولة» ومن تورط بعض الساسة مباشرة أو غير مباشرة في لعبة المحاور الدولية في ليبيا. وخرج بعض كبار المسؤولين العسكريين السابقين، منهم المدير العام السابق للأمن العسكري أمير اللواء محمد المؤدب، عن صمتهم... ودعوا كل الأطراف في تونس إلى الحياد، محذرين من «سيناريو» عودة التصعيد العسكري والأمني في ليبيا لسنوات. وكذلك شدد عدد من كبار السياسيين، بينهم عدد من وزراء الخارجية السابقين مثل الحبيب بن يحيى وأحمد ونيس والمنجي الحامدي وخميس الجهيناوي، على ضرورة تمسك الدبلوماسية التونسية بثوابتها وفي صميمها «الحياد الإيجابي وتحاشي التدخل في الشؤون الداخلية للدول» كي لا تجد تونس الصغيرة نفسها يوما في وضع أكثر تعقيدا... فتغدو الحرب في ليبيا والمعارك في تونس.

ورقة التاريخ والجغرافيا سلاح سياسي في تونس
> فجر الجدل بمناسبة زيارة الرئيس التونسي قيس سعيد إلى فرنسا وامتناع البرلمان التونسي عن المصادقة على مشروع لائحة تطالب فرنسا بالاعتذار عن جرائم الحقبة الاستعمارية جدلا بين المثقفين والمؤرخين والسياسيين التونسيين.
إذ شكك بعض كبار المؤرخين والأكاديميين، مثل محمد ضيف الله، في العمق المعرفي لرئيس الدولة وفي ثقافته التاريخية وفي استيعابه للعلوم الخارجة عن سياق تخصصه في القانون الدستوري. وانتقد هؤلاء التعامل من موقعه كخبير قانوني مع ظاهرة الاحتلال، عندما وصف احتلال تونس بكونه كان «حماية». وهذه هي التسمية التي أطلقتها سلطات فرنسا الاستعمارية على احتلال تونس خلال الفترة بين عامي 1881 و1956. والمغرب الأقصى ما بين 1912 و1956، وميزت بين وضعيتها القانونية وشكل احتلالها للجزائر ما بين 1830 و1963. والتي كانت تصفها بـ«الجزائر الفرنسية»... ولذا، رفضت المصادقة على الاعتراف باستقلالها في الخمسينات من القرن الماضي رغم سقوط عشرات آلاف الشهداء والضحايا.
محمد ضيف الله قال شارحاً رداً على تصريحات الرئيس سعيد «حتى لو تمسكنا بالتسمية القانونية لاتفاقية الحماية المفروضة في 12 مايو (أيار) 1881. فإنها لم تكن إلا خطوة أولى، عقبتها اتفاقية المرسى المفروضة أيضا في 8 يونيو (حزيران) 1883 التي أصبحت فرنسا بموجبها تتحكم في كل شيء في تونس، بشرا وثروات». وتابع «يبدو أن قيس سعيد لم يقرأ تاريخ تونس. وواضح أيضاً أن التخصص في القانون والاشتغال بالسياسة كلاهما يتطلب حدا أدنى من معرفة العلوم الإنسانية والاجتماعية ومن بينها التاريخ».

في المقابل دعا المؤرخ الحبيب القزدغلي، العميد السابق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة منوبة (غربي العاصمة تونس)، في مقال مشترك مع المؤرخة والأستاذة في جامعة تولوز الفرنسية كوليت زيت نيكي إلى «أبعاد السياسة عن دراسة التاريخ والعلوم الإنسانية» ورفض «توظيفهما في المعارك السياسية والبرلمانية». وتوجها بنداءات إلى المؤرخين التونسيين والفرنسيين وزملائهم في المنطقة ناشدوهم فيها إجراء أبحاث علمية تاريخية مشتركة عن الحقبة الاستعمارية بعيداً عن كل أشكال الانتقاء والإقصاء والتوظيف.
من جهة أخرى، أورد المؤرخ خليفة شاطر، المدير العام السابق للمكتبة الوطنية التونسية والعميد السابق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة تونس، أنه شارك منذ 1982 مع مجموعة من الجامعيين والساسة التونسيين والفرنسيين في نقل نسخ من الأرشيف السري العائد لعهد الاستعمار الفرنسي لتونس، وقال بأنه «موضوع على ذمة الباحثين والجامعيين منذ حوالي 40 سنة ولا داعي في نظره لمزايدات السياسيين». وتوقف سعيد بحيرة، المؤرخ الأكاديمي والكاتب العام السابق لوزارة الخارجية التونسية، عند الخلافات حول قراءة التاريخ المعاصر للمستعمرات الفرنسية والبريطانية في المنطقتين العربية والأفريقية ودعا إلى تناولها بحكمة ومنهجية علمية بعيدا عن الاعتبارات السياسية الظرفية. وسجل في مقال نشره بمناسبة زيارة سعيد الأولى إلى فرنسا أن الرئيس التونسي الجديد «يختلف عن الرؤساء السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي والمنصف المرزوقي والباجي قائد السبسي الذين تخرجوا من مدارس فرنسا وجامعاتها». وأردف «قيس سعيد أصيل منطقة الوطن القبلي (70 كلم شمالي شرقي العاصمة تونس) التي شهدت أعنف الحملات القمعية استعمارية في بداية 1952… ومنها موطنه منطقة بني خيار التي احتلها الجنود الفرنسيون ثلاثة أيام من 29 يناير (كانون الثاني) إلى فاتح فبراير (شباط) 1952 وجرى نسف المنازل وتعذيب السكان وترويعهم وقتل أحد المقاومين وتغريم الأهالي بمائة ألف فرنك...».
وعقب بحيرة قائلاً «... وقيس سعيد متدين على الطريقة التونسية التي تربط بين الدين والسياسة... ويرى فيه عدد كبير من الشباب مثالا للقائد الوطني النزيه الذي يحمل جينات الوطنية التونسية... فهو يحترم رموزها وذكرياتها، وهو قريب من نقاباتها والمنظمات التي لعبت دوراً في تاريخ تونس في مرحلتي الكفاح ضد الاستعمار وبناء الدولة الحديثة، مثل الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة وعمادة المحامين واتحاد المرأة...».



أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.