تجارة الكوكايين... خطر مُحدق بدول غرب أفريقيا

الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر... والبحث يتركز على آلية محلية لمحاربته

عملية إحراق مخدرات في النيجر (آ ب)
عملية إحراق مخدرات في النيجر (آ ب)
TT

تجارة الكوكايين... خطر مُحدق بدول غرب أفريقيا

عملية إحراق مخدرات في النيجر (آ ب)
عملية إحراق مخدرات في النيجر (آ ب)

تضاعف خلال العقد الأخير، وبشكل لافت، حجم المخدرات التي تعبر من دول غرب أفريقيا، مرسلة من أميركا اللاتينية نحو الأسواق الأوروبية، إذ تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن سلطات دول غرب أفريقيا صادرت 13 كيلوغراماً من الكوكايين سنوياً في الفترة من 2015 إلى 2020، وهو الرقم الذي تضاعف إلى أكثر من مائة مرّة عام 2022. إلا أن ما يثير القلق أكثر هو العلاقة ما بين شبكات تهريب المخدرات والجماعات الإرهابية الموجودة في منطقة الساحل الأفريقي، وكيف تحوّلت هذه التجارة إلى أكبر مصدر لتمويل الإرهاب، حتى إنها غدت البديل المفضل لـ«تجارة» خطف الرهائن الغربيين وطلب فديات لإطلاقهم.

لوسيا بيرد من «المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية»

أصدر «مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة»، أخيراً، تقريره لعام 2023، ودقّ فيه ناقوس خطر تجارة المخدرات على دول غرب أفريقيا. ولقد أفاد التقرير بأن منطقة الساحل وجنوب الصحراء الكبرى أصبحت بؤرة لتهريب المخدرات نحو الدول الأوروبية، وذلك في حين تواجه منطقة الساحل مخاطر الإرهاب والتغير المناخي والهجرة غير الشرعية، كما أنها تعيش موجة انقلابات عسكرية بسبب انعدام الاستقرار السياسي.

شبكة طرق

جدير بالذكر أن دول غرب أفريقيا لطالما شكلت معبراً مهماً لتجار المخدرات الآتية من دول أفريقيا اللاتينية، بسبب موقعها الجغرافي كمحطة مهمة على الطريق نحو أوروبا وإسرائيل. وهكذا لعقود طويلة ظلت هذه الدول محطة عبور للسفن والطائرات المحملة بالمخدّرات، من دون أن تلفت انتباه أي أحد، وهي عمليات كان يتورطُ فيها كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، ويتجاهلها السكان المحليون لأنهم لا يرون فيها أي خطر عليهم ما دامت بلدانهم محطة عبور فقط.

بل، بالعكس، فإنَّ بعض المجتمعات المحلية أضحت تتّخذ من حماية المهرّبين وتقديم الخدمات لهم مصدر دخل معتبر، في ظل غياب الدولة وضعفها وانتشار الفساد في أجهزتها الإدارية، بالإضافة إلى أن المهرّبين يغدقون أموالاً طائلة على مجتمعات فقيرة تعد بمختلف المقاييس محرومة وتعاني التهميش والظلم.

طرق نقل الكوكايين عبر الدول الأفريقية متعددة ومتشعبة، ولكن بعض التقارير تشير إلى أن أبرزها تلك التي تمرّ عبر مراكز على شواطئ غينيا وموريتانيا والسنغال، ثم تنقلُ الكميات المهرّبة براً عبر الصحراء الكبرى (من مالي والنيجر) نحو دول شمال أفريقيا (كالمغرب والجزائر وليبيا)، ومنه تعبر البحر الأبيض المتوسط نحو أوروبا.

بيد أنه مع تطوّر شبكات تهريب المخدرات ونموها، أصبحت الشبكات تستخدم طائرات شحن لنقل الكوكايين من دول في أميركا الجنوبية نحو الصحراء الكبرى، ولعل من أشهر عمليات التهريب العملاقة تلك التي استخدمت فيها طائرة من نوع بوينغ 727 حلقت من فنزويلا عام 2009، حاملة ما بين 7 أطنان إلى 11 طناً من الكوكايين، وحطّت وسط الصحراء في شمال مالي، بين مدينتي غاو وتمبكتو.

الطائرة، التي عرفت آنذاك لدى الإعلام باسم «الخطوط الجوية للكوكايين»، لا تزال بقايا هيكلها ماثلة في المنطقة الصحراوية، بعدما تخلى عنها المهرّبون حين أفرغوا حمولتها وشحنوها على متن سيارات عابرة للصحراء توجّهت على الفور نحو شواطئ البحر الأبيض المتوسط. ومع أن الإعلام اهتم بالطائرة المذكورة كثيراً في أعقاب اكتشاف هيكلها عام 2009، فإن السلطات المالية لم تحرّك في حينه أي ساكنٍ، في ظل تمتع شبكات التهريب بنفوذ واسع.

ومنذ ذلك الوقت جرت مياه كثيرة تحت الجسر، فقد تغيّرت المنطقة وتحوّلت إلى مركز الحرب العالمية ضد الإرهاب، بعدما تمركزت فيها مجموعات مسلحة موالية لتنظيمي «القاعدة» و«داعش»، كما انهارت الأنظمة السياسية والسلطات المركزية على وقع انقلابات عسكرية متلاحقة في كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد... وغرقت المنطقة، عموماً، في أزمة متعددة الأبعاد، وغدا مشروع «الدولة الوطنية» فيها أكثر هشاشة من أي وقت مضى، على وقع احتدام الصراع الدولي ما بين الغرب وروسيا على أراضيها.

التهريب مستمر!

وسط الفوضى العارمة التي اجتاحت منطقة الساحل ودول غرب أفريقيا، لم تتوقف شبكات تهريب المخدرات عن النمو والتوسع، إذ لا يكاد يمضي شهر واحد من دون توقيف شحنة جديدة من المخدرات على الحدود بين هذه الدول. وكانت أحدث عملية كبيرة من هذا النوع، قد وقعت منتصف أبريل (نيسان) 2024 في قرية سنغالية صغيرة على الحدود مع مالي. وهناك تمكنت وحدة من الجمارك السنغالي من توقيف شاحنة آتية من مالي أخفي على متنها 1.1 طن من الكوكايين، ما عُد بالتالي أكبر وأخطر كمية مخدرات تصادرها السنغال على أراضيها.

كانت شحنة الكوكايين هذه مخفية في طابق سرّي من شاحنة تبريد، وموزّعة على 984 لوحاً وضعت في أكياس محفوظة بعناية كبيرة، وحسب السلطات السنغالية فإن قيمة الشحنة تصل إلى أكثر من 146 مليون دولار.

هذا الخبرُ حظي بتغطية كبيرة من وسائل الإعلام المحلية في السنغال، وذكرت صحف محلية أن تحقيقاً فتح في القضية، إلا أنه يواجه صعوبات بسبب ضعف التنسيق الأمني مع سلطات مالي، كما أن سائق الشاحنة نجح بالفرار قبل أن تعتقله السلطات السنغالية، ما زادَ من تعقيد الملف، وطرح كثيراً من علامات الاستفهام.

من جهة ثانية، يُذكر أنه في عام 2022 أوقفت السنغال شاحنة مماثلة آتية من مالي أيضاً، كانت على متنها هذه المرة كمية زنتها 300 كيلوغرام من الكوكايين، وعلى الرغم من التحقيق الذي فتحته السلطات، فإنه لم يفض إلى أي نتيجة. ولكن تظل أكبر شحنة كوكايين ضبطتها السلطات السنغالية شحنة زنتها 3 أطنان كانت منقولة على متن سفينة شحن جرى توقيفها قبالة الشواطئ السنغالية خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2023.

أما في موريتانيا، فقد أوقفت سلطاتها الأمنية خلال يوليو (تموز) من العام الماضي (2023) سفينة تحمل 1.2 طن من الكوكايين، في عملية وصفتها السلطات بأنها الكبرى في تاريخ البلد. وهي بالفعل ضخمة جداً بالمقارنة مع عملية تهريب وقعت عام 2007، حين أوقف الأمن الموريتاني طائرة تحملُ 600 كيلوغرام من الكوكايين في مطار نواذيبو، العاصمة الاقتصادية للبلاد وثاني أهم مدن موريتانيا. وكان قد أوقف في طائرة 2007 الشهيرة عدة مهربين أجانب وموريتانيين، من بينهم عسكريون مرموقون، ولكن أفرج عن معظمهم في وقت لاحق، وبعضهم استفاد من عفو رئاسي بعد سنوات قليلة من السجن.

أما سفينة عام 2023 فقد احتفت بها السلطات الموريتانية، وعرضت حمولتها أمام وسائل الإعلام، معلنة أنها تعمل على تفكيك شبكة للتهريب. وبالفعل، أوقفت عدة أشخاص أجانب وموريتانيين، لكن مع ذلك لم تتوقف عمليات التهريب، بل يكفي أن نعرف أنه في عام 2023 وحده أتلفت موريتانيا 2.3 طن من الكوكايين صادرتها من المهربين.

وفي سياق متصل، أشار تقرير «مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة» إلى أنه في عام 2022 صودرت كمية تزن 1.4 طن من الكوكايين في مالي وتشاد وبوركينا فاسو والنيجر (دول الساحل)، وهذا رقم مرعب بالمقارنة مع 13 كيلوغراماً فقط كانت متوسط الكوكايين المُصادر خلال الفترة من 2013 حتى 2020. وعدّ المكتب الأممي في تقريره أن حوادث ضبط المخدرات صارت شائعة جداً في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، وأن الكوكايين هو أكثر أنواع المخدرات التي تُصادرها. وهو ما يعني أن المنطقة تحوّلت حقاً إلى «بؤرة» لا تستغني عنها شبكات التهريب لنقل بضاعتها نحو الأسواق الأوروبية والآسيوية، وإن كان التقرير الأممي يشير أيضاً إلى مخاطر أخرى تواجه منطقة الساحل، فهي لم تعد مجرد منطقة عبور، بل أصبحت سوقاً للاستهلاك أيضاً.

سوق محلية!

«المكتب» كشف أيضاً في تقريره الأخير، أن منطقة الساحل تعيش ما يشبه حالة «الانفجار» في إنتاج واستهلاك الكوكايين والقنب والمواد الأفيونية، الأمر الذي يعني أن سوقاً جديدة بدأت يتشكل، وأن مستهلكين محليين صاروا مستهدفين من طرف تجار المخدرات.

ولفت التقرير إلى «زيادة حادة» في الاتجار بالمواد المخدرة، مع الإنتاج وتوزيع المواد المخدرة للاستهلاك الداخلي. وفي هذا السياق قال فرنسوا باتويل، مدير أبحاث «المكتب» في منطقتي غرب ووسط أفريقيا، إن الإنتاج «أصبحَ محلياً أكثر فأكثر». وأردف المسؤول الأممي أنّ «النيجر، على سبيل المثال، فكّكت مختبرين لمعالجة الكوكايين وتحويله إلى (كراك)... إذ يقوم التجار بزيادة الاستهلاك المحلي؛ لكون (الكراك) أرخص بكثير من الكوكايين. وهذا يسمح للمتاجرين بقطع الكوكايين وبيعه بسعر أرخص بكثير، ولكن لعدد أكبر من الناس بسعر أقل».

في هذا الإطار، بدأت تنمو شبكات تستهدف الأسواق المحلية، تتولى تسويق المخدرات وبيعها، وفق ما أعلنته لوسيا بيرد، مديرة «مرصد غرب أفريقيا للاقتصادات غير المشروعة» في «المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية». إذ قالت بيرد في تصريحات بهذا الشأن «لقد تلقينا تقارير عن ارتفاع استهلاك الكوكايين في أغاديز (شمال النيجر) مدفوعاً بالدفع العيني؛ حيث يتقاضى المهربون الصغار رواتبهم من المخدرات، ويفرغونها في الأسواق المحلية لأنهم لا يملكون اتصالات في وجهات استهلاك أكثر ربحاً».

وأضافت بيرد أن هذا الاقتصاد المحلي القائم على بيع الكوكايين ظهر منذ عام 2020، وصار أكثر شيوعاً «لأنه يتجاوز الحاجة إلى المدفوعات النقدية ويستغل الاختلافات في أسعار المخدرات عبر القارات». وأوضحت أن من شأن هذا النوع من الاقتصاد «أن يزيد كميات المخدرات المهرّبة عبر الطريق البرية، والتي تمر من موانئ غرب أفريقيا عبر بعض المناطق الأكثر تضرراً من النزاع في منطقة الساحل».

انتشار الإدمان!

هذا، ومع ازدهار تسويق الكوكايين ومختلف أنواع المخدرات في دول الساحل وغرب أفريقيا، ارتفعت معدلات الإدمان وخاصة في أوساط الشباب، حسب ما تؤكده مختلف الدراسات التي أجريت في المنطقة، والتي كان من أشهرها دراسة «شبكة غرب أفريقيا للوبائيات المعنية بتعاطي المخدرات» (ويندو). ولقد حاولت هذه الدراسة، التي أجريت بتنسيق مع «المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا» (إيكواس)، أن تتطرق إلى دراسة تطور تعاطي المخدرات في المنطقة خلال الفترة ما بين 2020 و2022، ومن ثم توصلت إلى وجود أرقام مقلقة لأعداد من يعانون من اضطرابات تعاطي المؤثرات العقلية.

في هذا السياق، قالت فاتو سو سار، مفوضة التنمية البشرية والشؤون الاجتماعية في الـ«إيكواس»، إن «الناشئة الذين تتراوح أعمارهم من 10 سنوات إلى 29 سنة هم أكثر من يتعاطون المخدرات»، لكن سبب الإدمان الأول هو تعاطي الحشيش. كذلك أفادت الدراسة بأن الحشيش يُعد أكثر أنواع المخدرات انتشاراً في السوق المحلية الأفريقية، وازداد انتشاره بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، حين صادرت سلطات المنطقة 139 طناً من الحشيش عام 2020، ولكن هذه الكمية تضاعفت عام 2022 لتتجاوز 631 طناً.

وهنا يرجع المتخصصون انتشار الحشيش في غرب أفريقيا إلى كونه ينمو بسهولة في الظروف المناخية للمنطقة، ولكونه سهل التعاطي (التدخين)، ويتوافر بسهولة، ثم إنه أرخص ثمناً من المخدرات الأخرى، على حد تعبير خبير من كوت ديفوار. لكن يبقى القول، إن تقارير جديدة أشارت إلى أن الكوكايين كان أكثر المخدرات التي تعاطاها المدمنون في السنغال خلال عام 2021، إذ شكل المدمنون عليه نسبة 60 في المائة من المحتجزين في مراكز العلاج من الإدمان، أما في كوت ديفوار فقد ارتفعت هذه النسبة لتصل إلى 80 في المائة، مقابل انخفاضها في نيجيريا إلى 46 في المائة. وسط الفوضى العارمة في منطقة الساحل لم تتوقف شبكات تهريب المخدرات عن النمو والتوسع

وسط الفوضى العارمة في منطقة الساحل لم تتوقف شبكات تهريب المخدرات عن النمو والتوسع

توقيف مهربين مشتبه بهم (أ ف ب)

المخدرات مصدر مهم لتمويل الإرهاب عبر منطقة الساحل

> قبل 10 سنوات كانت الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل الأفريقي تعتمد في تمويلها، بالدرجة الأولى، على اختطاف الرعايا الغربيين، والحصول على فديات من أجل الإفراج عنهم. ولكن بعد التدخل العسكري الفرنسي في الساحل عام 2013، بدأت تجارة الرهائن الغربيين تتراجع أكثر فأكثر. في المقابل كانت المجموعات الإرهابية ترتبط مع شبكات التهريب بعلاقات معقّدة، خصوصاً في شمال مالي، حيث تشير التقارير إلى أن المعادلة التقليدية كانت تقوم على أن شبكات التهريب تستغل ثغرات الحدود البرية والبحرية والجوية لنقل المخدرات، في حين تتولى المجموعات الإرهابية مهمة التأمين عبر الصحراء. بيد أن التقرير الأخير لـ«مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة»، تطرّق إلى تغلغل المجموعات الإرهابية في هذه التجارة، حيث أضحت أكثر حضوراً إلى جانب شبكات تهريب المخدرات التقليدية. وهكذا صار تهريب المخدرات المصدر الأول لتمويل أنشطة المجموعات الإرهابية التي تموّل نفسها بشكل خاص من خلال جباية الضرائب والرسوم الأخرى مقابل الحماية أو المرور الآمن عبر المناطق التي يسيطر عليها الإرهابيون. وأضاف التقرير أن المجموعات الإرهابية، سواء تلك التي تبايع تنظيم «القاعدة» أو تلك التي ترتبط بتنظيم «داعش»، متورّطة في نقل شحنات المخدّرات، بما في ذلك الكوكايين وصمغ القنب. وفي هذا السياق، صرّح فرنسوا باتويل، مدير أبحاث غرب ووسط أفريقيا في «مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة»، بأن الجماعات الإرهابية أصبحت أكبر مستفيد من نشاط تهريب المخدرات. وتابع من ثم «إن هذه التجارة تمكّنهم من شراء الأسلحة، وتوسيع دائرة النفوذ، عن طريق رشوة وكلاء إنفاذ القانون في مناطق معينة أو بعض المسؤولين المنتخبين». وأوضح المسؤول الأممي أنه «في النيجر، بعد ضبط 214 كيلوغراماً من الكوكايين في عام 2022، اعتُقل رئيس بلدية، كان قد جرى تخزين الكوكايين في سيارته». وللعلم، على ضفاف سوق تهريب المخدرات، تنمو راهناً أنشطة مجرّمة أخرى، مثل أنشطة غسل الأموال التي تدرّ عوائد مجزية على شبكات التهريب وعلى المتعاونين معها، والتي يتورط فيها عدد من كبار المسؤولين وقادة المجتمعات المحلية في منطقة الساحل. وهذا ما أشار إليه تقرير الأمم المتحدة الأخير، متناولاً «العلاقة الوطيدة بين نمو شبكات تهريب المخدرات في منطقة الساحل، وانتشار الفساد الإداري والمالي، وتحوّل هذه الدول إلى منصات ضخمة لغسل الأموال وتبييضها». وفي هذا الإطار يقول ليوناردو سانتوس سيماو، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لغرب أفريقيا: «يجب على دول منطقة الساحل، إلى جانب المجتمع الدولي، اتخاذ إجراءات عاجلة ومنسقة وشاملة لتفكيك شبكات الاتجار بالمخدرات».


مقالات ذات صلة

مقتل 15 شخصاً في هجوم بسيارة مفخَّخة وإطلاق نار شمال غربي باكستان

آسيا ضباط شرطة يتفقدون موقع تفجير انتحاري وقع في نقطة أمنية في فتح خيل ببلدة بانو وهي منطقة بإقليم خيبر بختونخوا الباكستاني المتاخم لأفغانستان (أ.ب)

مقتل 15 شخصاً في هجوم بسيارة مفخَّخة وإطلاق نار شمال غربي باكستان

فجَّر مسلحون سيارة مفخَّخة عند نقطة تفتيش في شمال غربي باكستان وفتحوا النار على الشرطة، مما أدَّى إلى مقتل 12 شخصاً على الأقل وإصابة خمسة.

«الشرق الأوسط» (بيشاور (باكستان))
أفريقيا جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

نيجيريا تناقشُ مع الولايات المتحدة خطر الإرهاب في الساحل وغرب أفريقيا

نيجيريا تناقشُ مع الولايات المتحدة خطر الإرهاب في الساحل وغرب أفريقيا ومستشار الأمن القومي النيجيري يزور واشنطن ويلتقى نائب الرئيس الأمريكي

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا جنديان تشاديان خلال دورية نهرية في إقليم البحيرة (أ.ف.ب)

نيجيريا: مقتل جنديَّين و50 إرهابياً في مواجهة بين الجيش و«داعش»

نيجيريا: مقتل جنديِّين و50 إرهابياً في مواجهة بين الجيش و«داعش»... أعداد كبيرة من مقاتلي التنظيم هاجموا قاعدة عسكرية للجيش.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا جنود ينتظرون بدء مراسم جنازة وزير الدفاع المالي السابق ساديو كامارا في باماكو يوم 30 أبريل 2026 (أ.ب)

حكومة مالي ترفض التحاور مع «مجموعات مسلّحة إرهابية»

كشفت السلطات في مالي عن مخطط لاغتيال الرئيس آسيمي غويتا خلال الهجمات التي تعرّضت لها البلاد قبل أسبوعين، والتي قُتل فيها وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

نيجيريا: استسلام نحو 1000 من عناصر «داعش» و«بوكو حرام»

استسلام نحو 1000 من عناصر «داعش» و«بوكو حرام»... وبهذا يكون 20 ألف إرهابي قد وضعوا السلاح منذ 2021

الشيخ محمد (نواكشوط)

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».