حروب الألوان

حروب الألوان

الثلاثاء - 24 شوال 1441 هـ - 16 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15176]

الروائي الأميركي وليم فوكنر، في رواية مشهورة بعنوان «قداس راهبة»، صدرت عام 1951 يقول «الماضي لا يموت». الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، خلال حملته الانتخابية عام 2008، في واحد من أهم خطاباته في تحليل الإشكالية العنصرية في أميركا، اقتطف تلك الجملة مستشهداً، وأضاف إليها «ولا يُدفن».
لكن العنصرية ليست حكراً على أميركا، بل إن جذورها تتمدد لتطال بلدان العالم. وأكاد أجزم أن لا بلد يخلو من تداعياتها. ففي ليبيا، بلد بتاريخ طويل في تجارة العبيد، يَعجُّ المعجم الحياتي اليومي بمفردات لغة عنصرية، إلى درجة تجعل القلوب الحيّة تنكمش خجلاً. والممارسات العنصرية فيه ضد المهاجرين الأفارقة، خاصة في السنوات الأخيرة، يندّى لها جبين الحرّ، وموثقة دولياً.
وأعتقد أن ما حدث في مدينة مينيابوليس بأميركا، وانسكبت ناره سائلة فوق أمواج الأطلسي حتى وصلت إلى بريطانيا وفرنسا وبلجيكا، لن يضع نهاية للمأساة. العنصرية ليست صناعة أميركية، وهذة حقيقة ليست قابلة للنقاش. لكن العنصرية، في تلك القارة، اكتسبت تاريخياً أبعاداً عديدة، وأدخلتها في غياهب حرب أهلية، دامت قرابة خمس سنوات. ما يميّز أميركا أنها، على عكس كثير من بلدان العالم، تعترف بوجود المشكلة، وإن لم تجد حلولاً لها، أو لم تحاول جدّياً بعد البحث عن منافذ تقودها إلى خارج النفق العنصري، لأسباب يطول شرحها.
الأصل في العنصرية، كما يوضح الكاتب النيجيري الأصل – البريطاني بن أوكري: «الأعتقاد بأن جنساً متفوق على آخر، وأن لون بشرتهم يقرر مكانتهم في التراتبية البشرية». ذلك التصور، في رأيه، مدعوم بالسلطة والتاريخ. ولأن العنصرية، كما يؤكد، لكي تكون حقيقة لا بد من وجود سلطة قوية وغير قابلة للمنافسة. وفي رأي الكاتب الأميركي آدم شاتز فإن «العنصرية نظام، وليس كراهية شخصية، أو جهلاً، أو تحيّزاً».
ساحات لندن، وغيرها من المدن تحولت، خلال الأسبوع الماضي، إلى ميادين معارك بين المناهضين للعنصرية، وهم بألوان عديدة، وأعضاء التنظيمات اليمينية الفاشية بلون واحد. وفي الما بين تورطت قوات شرطة مكافحة الشغب للفصل بين المتحاربين. والسبب: التماثيل المنصوبة في مختلف المدن البريطانية، لشخصيات معروفة بتاريخها في تجارة العبيد. فريق ينوي الإطاحة بها لتاريخها المشين، ولمحو ذلك التاريخ. وآخر يدافع عنها بحجة حماية ذلك التاريخ من المحو، رغم حقيقة، أن التماثيل، كما يقول المؤرخ الأميركي سيمون شاما، «ليست التاريخ، وبالأحرى العكس». وتُذكّر الكاتبة البريطانية شارلوت هيغنز بحقيقة أن التماثيل منذ عهد الرومان كانت تنصب وتسقط. وأن نصبها في الميادين العامة والساحات هو عملية للسيطرة على الفضاء والذاكرة، وأن السيطرة تتعلق بالسلطة، والسلطة تتغيّر.
ضراوة عنف المعارك بين الفريقين سببها انعدام وجود رغبة في حوار مفتوح يتصدى بالنقاش والتحليل، ويتسم بالشجاعة، للغوص في تفاصيل أزمة مجتمعية تاريخية. وغياب الحوار ناجم عن تشبث كل فريق بموقف آيديولوجي متزمّت، وضع خطوطاً حمراء على الأرض يمنع تخطيها. وغياب الحوار، كما يقول الكاتب اليميني الليبرالي بيتر هيتشنز يعني غياب الحرّية، وفي غيابها، يكون البديل الالتجاء للعنف. وتاريخياً، ليس معروفاً عن العنف أنه أداة فعالة في المساهمة لإيجاد حلول لأزمات اجتماعية عميقة الجذور في مسيرة الإنسانية كالعنصرية.
في مدينة بريستول فقست بيضة أزمة التماثيل البريطانية. تحلق مئات من متظاهرين حول تمثال لتاجر عبيد اسمه إدوارد كولدستون، ولفوا حبالاً حول رقبته، وأسقطوه أرضاً، من علو منصّته الرخامية. ودحرجوه على أسفلت الطرقات حتى النهر، حيث أغرقوه. ونقلت محطات التلفزة ووسائل التواصل الاجتماعي المشاهد على الهواء مباشرة. وانتقلت المعارك بسرعة إلى لندن، حيث تعرض تمثال لتاجر عبيد، في منطقة دوكلاند، يدعى روبرت ميليغن إلى السقوط. وفي ويستمنستر تعرض تمثال الزعيم ونستون تشرشل للتشويه. لكن تشرشل قائد تاريخي له مكانته في القلوب. وتشويه تمثاله مثّل اعتداءً على زعيم أنقذ بريطانيا والعالم من شرور النازية. هذا الفعل غير المحسوب من جانب المناوئين للعنصرية، المعادين لتاريخ الامبراطورية البريطانية، فتح الأبواب مشرعة أمام تنظيمات اليمين لتتنادى وتعبئ كوادرها، وتخرج إلى الميادين. والخروج إلى الميادين يعني، بلا لبس أو غموض، إعلان حرب.
وفي ضجيج المعارك، لم يعد أحد يفكر في الخوف من الإصابة بالوباء الفيروسي، عدو الجميع القاتل، والجاثم في تلك الميادين والشوارع منذ ثلاثة أشهر أو يزيد، رغم تحذيرات الحكومة ونداءات المؤسسات الصحية والمختصين من العلماء. وبسرعة ملحوظة وضع الفريقان موضوع التماثيل جانباً، وتحولوا إلى تصفية ما بينهم من حسابات عالقة منذ زمن. وتحملت قوات الشرطة مشقة الفصل بين متحاربين موتورين آيديولوجياً. واتسعت رقعة المعارك بانتقالها إلى صفحات الجرائد، ومواقع التواصل الاجتماعي، وتحليلات المعلقين في محطات الإذاعة والتلفزيون. وقادت صحيفتا «الديلي ميل»، و«الميل أون صنداي»، راية اليمين المدافع عن الامبراطورية وتاريخها، وتماثيلها، الأمر الذي أعاد إلى الأذهان الانقسـام الذي ســببه «بريكست» طيلة السنوات الثلاث الماضية، وما نجم عنه من ضجيج مرهق.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة