طرق طهي الطعام... تأثيرات صحية وغذائية متفاوتة

عنصر رئيسي في التغذية السليمة ولا تقل أهمية عن المكونات

طرق طهي الطعام... تأثيرات صحية وغذائية متفاوتة
TT

طرق طهي الطعام... تأثيرات صحية وغذائية متفاوتة

طرق طهي الطعام... تأثيرات صحية وغذائية متفاوتة

تفيد مصادر علم التغذية الإكلينيكية بأن أحد العناصر الرئيسية في التغذية الصحية هو طريقة طهي الطعام بالحرارة. وإذا كان بإمكان المرء أن ينتقي منتجات غذائية صحية للتناول، فإنها قد تصبح غير صحية نتيجة الطريقة التي استخدمها للطهي. ويقول الأطباء من «مايو كلينيك»: «تعمل طرق الطهي الصحية على إكساب الطعام ألذ النكهات والاحتفاظ بالعناصر الغذائية في الأطعمة دون إضافة أي مقادير مفرطة من الدهون أو الملح. ولا يعني الطبخ الصحي أنه يتعين عليك أن تصبح طباخاً ماهراً أو تقوم بالطبخ في أواني طبخ باهظة الثمن. يمكنك استخدام أساليب الطهي الأساسية لإعداد الطعام بطرق صحية».
- أسباب الطهي
وأساس ذلك التحول من غذاء صحي إلى غير صحي بالطهي، هو نوعية التفاعلات الكيميائية التي حصلت خلال تلك العملية. ذلك أن خلال عملية الطهي تحصل أنواع كثيرة من التفاعلات الكيميائية، التي تختلف وفق نوعية ومكونات المنتج الغذائي ووفق طريقة الطهي. وأحدها تفاعل ميلارد (Maillard Reaction) الذي يقول عنه الدكتور جان ماري لين، الحائز على جائزة نوبل للكيمياء عام 1987: «يعد تفاعل ميلارد (تفاعل بروتينات وسكريات الطعام بفعل الحرارة) التفاعل الكيميائي الأكثر انتشاراً في العالم، لأنه تفاعل يحدث يومياً في المنازل والمطاعم والمخابز حول العالم كلما تم طهي الطعام».
ويقول المجمع الملكي البريطاني للكيمياء: «هناك العديد من الأسباب للطهي، بما في ذلك قتل الميكروبات في الطعام لجعله آمناً للأكل، وعدد من الأسباب الأخرى المتعلقة بزيادة مقبولية الطعام. وهو ما يشمل: تحسين الملمس (كتليين اللحوم الصلبة)، وتحسين اللون (للحم أو الخبز المحمص) وتحسين النكهة والرائحة (كتطوير نكهة ورائحة اللحوم المطبوخة). ومن المهم استخدام ظروف الطهي المناسبة، مثل درجة الحرارة ومدة الطهي». كما أنه نتيجة لعملية الطهي يصبح الطعام ملائماً أكثر للجهاز الهضمي كي يُجري عمليات الهضم وامتصاص العناصر الغذائية، خصوصاً المكونات الرئيسية كالبروتينات والكربوهيدرات والدهون والمعادن والفيتامينات والمركبات الكيميائية الأخرى كالمواد المضادة للأكسدة والمواد ذات الروائح والنكهات العطرية والمميزة.
- تفاعلان رئيسيان
ونظراً لوجود كربوهيدرات السكريات والبروتينات في غالبية المنتجات الغذائية، هناك نوعان رئيسيان من التفاعلات الكيميائية خلال عملية الطهي الحراري. وهما: تفاعلات الكرميل (Caramelization Reaction) فيما بين أنواع السكريات، وتفاعلات ميلارد (Maillard Reaction) فيما بين البروتينات والسكريات. وكلاهما يعتمد على الحرارة (وليس الأنزيمات) وتنتج عنهما مركبات كيميائية عديدة ومواد كيميائية متطايرة تعطي الشكل واللون والرائحة المميزة.
وتفاعلات الكرميل، هي العملية الأساسية في طهي العديد من المواد الغذائية النباتية، كالخضار المطبوخة على نار عالية والمخبوزات بأنواعها وتحميص القهوة أو المكسرات، أو القلي أو غيرها كثير. وعند تسخين السكريات، يتغير اللون إلى اللون البني بفعل عمليات البلمرة في اتحاد عدة مركبات بعضها مع بعض، ثم تتحول إلى سائل، ثم تظهر الفقاعات. وتحدث الفقاعة بسبب انكسار الهيدروجين والأكسجين في السكريات، وتشكيل جزيئات الماء وتبخرها. وخلال هذا تظهر رائحة الكراميل الفريدة من خلال المواد المتطايرة التي يتم إطلاقها أثناء الانحلال الحراري، مثل ثنائي أسيتيل.
وإضافة إلى تسبب تفاعل الكراميل في ظهور اللون الذهبي البني عند الخبز في الفرن، تكتسب المخبوزات ذلك اللون أيضاً ونكهة أخرى مميزة، نتيجة حصول تفاعلات ميلارد بين بروتينات ونشويات عجين الدقيق. وتفاعلات ميلارد تبدأ في الحصول عند درجات منخفضة، أي ما بين 140 و160 درجة مئوية، بينما تتطلب تفاعلات الكراميل درجات حرارة عالية لبدء حصولها. وحصول هذه التفاعلات في الخبز مثلاً، يحرر مزيداً من المواد المضادة للأكسدة، ويسهّل على الأمعاء امتصاصها ويرفع استفادة الجسم منها.
- ألوان الأغذية
> تحول لون الخضار. وفي الخضار الخام، هناك كمية من الغازات المحصورة في المساحات الصغيرة بين الخلايا، ما يُمكننا من رؤية مركبات الكلوروفيل (Chlorophyll) الخضراء في الخلية النباتية. وفي بداية عملية الطهي، تتسبب الحرارة في تحطيم أغشية الخلايا، ما يؤدي إلى تسرب الغاز، وإلى تدفق السوائل من الخلية النباتية إلى هذه المساحات، ما يتيح لنا رؤية أكثر وضوحاً للكلوروفيل اللامع في الخضروات.
ولكن مع استمرار عملية الطهي، تؤدي الحرارة الزائدة إلى حصول فصل ذرة المغنيسيوم من مركز جزيء الكلوروفيل، واستبدال ذرات الهيدروجين بها. ما يغير لون الخضار من الأخضر الفاتح إلى أخضر رمادي باهت.
كما تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى تكسير معظم الفيتامينات ومضادات الأكسدة في الخضار، وإخراجها منها إلى سائل الغلي، ما يُضعف قيمتها الغذائية.
ولكن بالمقابل، يُمكن للحرارة أن تجعل بعض المكونات الغذائية الأخرى قابلة للامتصاص بسهولة أكبر، خصوصاً النشويات والبروتينات النباتية ذات الجزيئات الصعبة التي لا يستطيع جهازنا الهضمي تحطيمها نيئة لكي يمكن امتصاصها.
> اللون الوردي للروبيان واللوبيستر. عند طهي الروبيان والقشريات البحرية الأخرى، تحصل ثلاث عمليات كيميائية، وهي: ظهور اللون الوردي، وتغير لون اللحم من نصف شفاف إلى الأبيض، وتجعيد شكل الروبيان.
والروبيان والقشريات الأخرى تحتوي على صبغة وردية اللون تسمى أستازانتين (Astaxanthin)، وهي من فئة صبغات الكاروتينويد (Carotenoid) المضادة للأكسدة. وفي الجمبري النيئ، ترتبط صبغة أستازانتين ببروتين المواد القشرية ذات اللون الرمادي الأزرق. ولا يظهر اللون الوردي. وعند الطهي بالحرارة، يتحرر مركب أستازانتين عن البروتينات القشرية، ويظهر بلونه الطبيعي، ما يجعل الروبيان المطبوخ وردياً.
ويعلق الباحث السويسري في جامعة بازل، الدكتور توماس شولوميك بالقول: «كان هذا التغير في اللون لغزاً لفترة طويلة». ولحم الروبيان النيئ شبه شفاف. وبالطهي، يتغير لونه إلى الأبيض، كما الحال بالنسبة لكثير من الأسماك (البيضاء) الأخرى وبياض البيض. وهذا يحصل بتفاعلات «التمسخ البروتيني» (Protein Denaturation)، لأن البروتينات حساسة للحرارة، وهي بالأصل تأخذ أشكالاً معقدة ثلاثية الأبعاد، كالانثناء واللولبة والتجعيد. ولكن عندما يتم تسخينها إلى درجات حرارة عالية بما فيه الكفاية، تحصل التفاعلات التي بها تمتد وتتحلل تلك التعقيدات، ويتغير اللون إلى اللون الأبيض. وتغير شكل الروبيان نحو الالتفاف ككرات صغيرة، ناجم عن تقلص العضلات داخل الروبيان بفعل الحرارة وزوال محتواها من الماء.
- أنواع القلي
وخلال عملية القلي تحصل ثلاثة أنواع رئيسية من التفاعلات، وهي: تفاعلات ميلارد، وتفاعلات «التمسخ البروتيني» للنضج، وتكسر جدران الخلايا. إضافة إلي تفاعلات كيميائية أخرى، كالأكسدة (Oxidation) والبلمرة (Polymerization)، التي تحصل في كل من: القطع المقلية والزيت المُستخدم للقلي. ويعتمد القلي على استخدام الدهون إما من مصادر حيوانية (السمن) أو نباتية (الزيت)، لطبخ الأطعمة بأنواعها، لأن الزيت يصل إلى درجات حرارة أعلى بكثير من الماء المغلي، ما يسمح بسرعة حصول عدد من التفاعلات التي تتسبب في نضج الأطعمة. ونتيجة تفاعلات الكراميل وتفاعلات ميلارد تتكون الطبقة المقرمشة، كما يؤدي تغلغل الحرارة إلى نضح طهي البروتينات.
وفي القلي العميق (Deep Frying) باستخدام كمية كبيرة من الزيت الحار وغمر الأطعمة فيها، يحصل تغلغل سريع وكبير للدهون إلى داخل قطع الطعام المقلية قبل تكوّن التفاعلات الكيميائية التي تصنع طبقة واقية مقرمشة كغلاف لها. وهذا يؤدي إلى أمرين؛ تدني العناصر الغذائية كالفيتامينات والمعادن نتيجة تسربها إلى الزيت، وارتفاع كمية الدهون في القطع المقلية بنحو خمسة أضعاف عما هو فيها بالأصل من دهون. وفي القلي السطحي (Shallow Frying) تُستخدم كمية قليلة من الزيت، ما يُقلل من احتمال تغلغلها. ومع التقليب السريع، يُحافظ الطعام على كثير من مكوناته الغذائية، خصوصاً مع استخدام زيت الزيتون.
- التصاق الأطعمة
إضافة إلى أصوات أزيز (Sizzling Sounds) القلي، نتيجة تبخر الماء بسرعة على سطح الزيت، يفيد المجمع البريطاني الملكي للكيمياء بأن الأطعمة التي تحتوي على البروتين عرضة بشكل خاص للالتصاق بالمقالي المعدنية، نتيجة تكوّن روابط كيميائية بين بروتينات الطعام والمواد في المقلاة، خصوصاً روابط قوى فان دير والز (van der Waals Forces) أو الروابط التساهمية (Covalent Bonds). وقوى فان دير والز والروابط التساهمية كلاهما أساسي في تكوين البروتينات وترابط أجزائها الأحماض الأمينية (Amino Acids) والروابط الببتدية (Peptide Bonds) فيما بينها مع بعضها كي تتمكن من الحفاظ على شكلها ووظيفتها، وتنشأ عن التأثيرات المتبادلة فيما بين تلك الأجزاء نتيجة تفاعلات القوى الكهربائية فيها.
وبوجود الحرارة والمعدن المختلف، كالحديد، تزداد فرصة الاستقطاب الكهربائي اللحظي، ما يتسبب في الالتصاق. ويتبع هذا الالتصاق تخلخل التركيب البروتيني والكولاجيني وسرعة حصول تفاعلات ميللارد بزيادة تأثير الحرارة على البروتينات، ما يُؤدي إلى تكوين طبقة من البروتينات المقرمشة وبنية اللون والصلبة نسبياً. ومع استمرار الالتصاق وزيادة تفاعلات ميللارد، تتكون الطبقة المحترقة في المقلاة. وتختلف هذه الطبقة البروتينية المقرمشة عن طبقة زنجار المقلاة (Patina)؛ (الطبقة التي تلتصق وتلون المقلاة في داخلها أو خارجها باللون الأسود) التي تحصل نتيجة تفاعلات الدهون مع معدن المقلاة الحار جداً، وتكسير سلاسل الهيدروكربونات في الأحماض الدهنية الطويلة السلسة (Long Chain Fatty Acids)، وحصول عملية البلمرة (Polymerisation) لتكوين مادة جديدة صلبة وملتصقة ومقاومة للحرارة، نتيجة تكوين سلسلة أطول من المركبات مقارنة بما في الزيت الأصلي.
- تفاعلات كيميائية في طهي مكونات اللحوم
> يتم طهي اللحوم بطرق متعددة؛ منها الشواء في الفرن أو على الجمر، والغلي إما بالماء الحار مباشرة أو على بخار الماء، والقلي. والأساس في إدراك تفاعلات طهي اللحوم وحصول التغيرات الفيزيائية والكيميائية، هو معرفة التركيبات الأساسية للحم.
إذ إن اللحوم عضلات، والعضلات مكونة من خلايا عضلية وأنسجة ضامة ودهون وماء.
وتحتوي الخلايا العضلية على البروتينات، التي منها بروتين الميوغلوبين (Myoglobin) وردي اللون الذي يُعطي اللحوم الحمراء لونها. وكلما زادت حركة العضلة، زاد غُمق لونها نتيجة تراكم مزيد من الميوغلوبين فيها.
والنسيج الضام (Connective Tissue)، منه نوع قوي كما في الأوتار والغلاف اللامع الرقيق الذي بين ثنايا اللحوم. ويتكون من بروتين الإيلايستين (Elastin) الذي ينكمش بسرعة عند التسخين السريع، وتصبح غير قابلة للمضغ. وهناك نوع ناعم من النسيج الضام المتغلغل في تراكيب اللحوم، يُسمى كولاجين (Collagen). وعند الطهي يتحول إلى جيلاتين ويتخلخل تركيب قطع اللحم. وكلما تم الطهي ببطء ولفترة طويلة لأجزاء اللحوم الغنية بالألياف والكولاجين، أصبحت تلك الألياف واللحوم أكثر ليونة وأكثر استرخاءً، وبالتالي أكثر سهولةً للمضغ والبلع.
وتوفر الدهون كثيراً من النكهة في اللحوم الحمراء، لأنها تمتص وتختزن كثيراً من المركبات العطرية الموجودة في طعام الحيوان، خصوصاً عند تغذية براري المرعى. ومع تقدم الحيوانات في العمر، تصبح ألياف العضلات والأنسجة الضامة أكثر صلابة، وتتراكم في الدهون نكهة قوية غير لذيذة الطعم.
ومعظم السائل في اللحوم هو الماء، واللون الأحمر في اللحم وعصائره ليس بسبب الدم، بل هو بروتين ميوغلوبين الذائب في الماء، لأن غالب الدم يتم تصريفه إلى حد كبير في المسلخ. وإذا كان ثمة دم باق فسيكون بلون غامق وهيئة متجلطة.
وأثناء طهي اللحوم تحصل عدة تفاعلات كيميائية، لبروتينات العضلات نفسها وللأنسجة الضامة. ومع بلوغ درجة حرارة 140 درجة مئوية عند الشواء، تنتج تفاعلات ميلارد بين البروتينات والسكريات، وتنتج المئات من المركبات الكيميائية الجديدة التي تُكسب اللحم اللون البني وتعطيه النكهة والطعم المميزين. والمهم عدم الوصول إلى حالة الاحتراق الكربوني. كما تحصل تفاعلات «التمسخ البروتيني» لإنضاج البروتينات.
وفي اللحوم المُدخنة، يظهر اللون الوردي تحت السطح مباشرة، وينجم عن تأثيرات الغازات في الدخان التي تحافظ على لون الميوغلوبين. وهذا اللون الوردي يختلف عن اللون الوردي في داخل ومنتصف قطع اللحم المشوي نتيجة لعدم اكتمال نضج طهيها.
وتجدر ملاحظة أن اللحم موصّل ضعيف للحرارة، ولذا يُمكن أن ينضج غلاف قطعة اللحم، بينما داخلها أو الأجزاء الملتصقة بالعظم تظل نيئة. ولذا فإن أفضل طريقة لطهي اللحوم هو بالحرارة المنخفضة وببطء لمدة طويلة. وهذا يُقلل كثيراً من تكوين المواد الكيميائية الضارة، ومنها المواد المسببة للسرطان.
وتختلف لحوم عضلات الأسماك لأنها تعيش في بيئة لا وزن لها عملياً. وتحديداً، تحتوي عضلات الأسماك على أنسجة ضامة قليلة جداً، كما لا يوجد فيها كثير من الكولاجين لترطيب ألياف العضلات، وكمية الميوغلوبين منخفضة. ولذا لون لحوم الأسماك في الغالب هو الأبيض، بينما لون لحوم الأسماك التي تسبح لمسافات طويلة أغمق وأحياناً أحمر.


مقالات ذات صلة

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق من التسوّق مروراً بالطهو وصولاً إلى التذوّق يغطّي البرنامج مراحل إعداد الطبق (شركة الإنتاج)

«طعم السعودية»... مطبخ وسياحة وثقافة في برنامج واحد

من الكبيبة، والرقش، والصياديّة، مروراً بالمليحية والمرقوق، وليس انتهاءً بالجريش والكليجة... برنامج يعرّف العالم على مطبخ السعودية وأبرز مناطقها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشري عبارة عن طبق شعبي واسع الانتشار في مصر من المعكرونة والأرز والعدس والبصل المقلي (بيكسلز)

البشت الخليجي والكشري المصري ضمن 68 ترشيحاً لقائمة اليونيسكو للتراث الثقافي

سينافس البشت الخليجي وطبق الكشري المصري والشعر الموسيقي اليمني ضمن 68 ترشيحاً تنتظر موافقة منظمة اليونيسكو لإضافتها لقائمة التراث الثقافي غير المادي.

«الشرق الأوسط» (باريس - نيودلهي)
يوميات الشرق حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل بمناسبة الأعياد (نتفليكس)

ميغان تعود إلى المطبخ ببيجاما العيد والأمير هاري يفضّل طهو أمّها

حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل للطهو على «نتفليكس» بمناسبة أعياد آخر السنة، وضيف الشرف الأمير هاري.

كريستين حبيب (بيروت)

دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»

دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»
TT

دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»

دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»

مع إشراقة صباح اليوم الأول من شهر شوال، معلنةً بداية عيد الفطر المبارك، تشهد حياة ملايين المسلمين تحولاً سريعاً في أنماطها، منتقلة من إيقاع الصيام المنتظم إلى نمط الاحتفال الاجتماعي والغذائي الذي يميز أيام العيد.

وبعد شهر كامل من الصيام الذي فرض إيقاعاً غذائياً محدداً يقوم على وجبتين رئيسيتين وتنظيم دقيق لمواعيد الطعام، تنتقل الموائد فجأة إلى تنوع واسع من الأطباق التقليدية ومختلف أنواع الحلويات في خضم أجواء الفرح واللقاءات العائلية والزيارات الاجتماعية التي تميز أيام العيد، ويجد الجسم نفسه أمام تحول مفاجئ في نمط التغذية بعد 30 يوماً من التكيف الفسيولوجي مع الصيام.

لقد شكّل شهر رمضان، من الناحية الصحية، تجربة فسيولوجية فريدة أعادت ضبط عدد من وظائف الجسم الحيوية. فالصيام لا يقتصر على الامتناع عن الطعام لساعات محددة، بل يرافقه تغير في أنماط إفراز الهرمونات المنظمة للشهية، وتحسن نسبي في كفاءة عمليات الأيض، إضافة إلى إعادة تنظيم العلاقة بين النوم وتوقيت تناول الغذاء. وتشير دراسات فسيولوجية عديدة إلى أن الصيام المتقطع، الذي يشبه إلى حد كبير نمط الصيام في رمضان، قد يسهم في تحسين حساسية الإنسولين وتنظيم التوازن الطاقي في الجسم.

ومع حلول صباح العيد، يبرز تساؤل صحي مهم: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكاسب الصحية التي تحققت خلال شهر الصيام، دون أن تتلاشى سريعاً تحت تأثير الإفراط الغذائي الذي قد يرافق الاحتفال بالعيد؟

إن العيد، رغم ما يحمله من معانٍ روحية واجتماعية عميقة، يمثل في الوقت ذاته لحظة انتقالية دقيقة في نمط الحياة، ومرحلة اختبار لقدرة الإنسان على تحقيق توازن واعٍ بين متعة الاحتفال ومتطلبات الصحة. وهو توازن يسمح بتمديد الفوائد الصحية التي وفرها شهر رمضان، لتتحول من تجربة مؤقتة إلى نمط سلوكي أكثر استدامة في الحياة اليومية.

متلازمة العيد المعوية

• «صدمة أيضية». خلال شهر رمضان، تتكيف المعدة والأمعاء مع فترات راحة طويلة، ما يؤدي إلى خفض إفراز الإنزيمات الهاضمة وتباطؤ حركة الأمعاء بشكل طبيعي. ومع صبيحة يوم العيد، نجد أنفسنا أمام «صدمة أيضية»، حيث يواجه الجهاز الهضمي طوفاناً من السكريات بسبب النمط الغذائي المكثف الذي يعتمد بشكل كبير على السكريات والدهون المشبعة مثل الحلويات الشرقية.

وتشير دراسة سابقة نُشرت عام 2020 في «مجلة التغذية والأيض» (Journal of Nutrition and Metabolism)، إلى أن العودة المفاجئة لتناول كميات كبيرة من الكربوهيدرات المكررة والدهون بعد فترة الصيام المتقطع، قد تسبب اضطراباً حاداً في مستويات السكر بالدم واستجابة الإنسولين، ما يؤدي إلى الشعور بالخمول والتخمة، وفي بعض الحالات متلازمة العيد المعوية.

إن الحرية في الأكل التي نشعر بها في العيد هي في الواقع ضغط كيميائي حيوي على الكبد والبنكرياس. لذلك، فإن النصيحة الطبية الأهم ليست الحرمان؛ بل العودة التدريجية المتوازنة إلى نمط الطعام المعتاد. ويجب أن تبدأ العودة إلى نظام الوجبات الثلاث بوجبات صغيرة موزعة، لإعطاء فرصة للجهاز الهضمي لاستعادة نشاطه الإنزيمي.

ويؤكد تقرير صادر عن المكتب الإقليمي لشرق المتوسط لمنظمة الصحة العالمية (2022) حول التغذية في المناسبات، أن استهلاك الألياف في أول أيام العيد يعد صمام أمان لتنظيم امتصاص السكر، ومنع حالات الإمساك أو التلبك المعوي الناتجة عن التغيير المفاجئ في مواعيد الوجبات.

• صحة الأطفال في العيد. بالنسبة للأطفال، فإن العيد مرادف للحلويات والسكريات المفرطة، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات معوية ونوبات من فرط الحركة يعقبها خمول مفاجئ. تشير توصيات الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال (2023)، إلى أن الاستهلاك المفرط للسكر المضاف في فترات قصيرة - كما يحدث في العيد - لا يؤثر فقط على صحة الأسنان والجهاز الهضمي؛ بل يمتد أثره ليشمل اضطرابات النوم والمزاج لدى الطفل.

إن دورنا بوصفنا إعلاماً صحياً هو توجيه الوالدين نحو الضيافة الذكية المعتمدة على موازنة الفرح مع فوضى السكريات؛ مثل تقديم الفواكه المجففة أو المكسرات بوصفها بدائل جزئية للحلويات المصنعة، مع الحفاظ على ترطيب الجسم بالماء بدلاً من العصائر المحلاة.

• كبار السن في العيد. يمثل العيد لكبار السن مناسبة اجتماعية غامرة، لكنها قد تحمل مخاطر صحية خفية. فالتغيير المفاجئ في مواعيد الأدوية ونوعية الطعام الغني بالأملاح والدهون، قد يؤديان لارتفاع حاد في ضغط الدم أو مستويات «اليوريك أسيد».

وحسب بحث منشور في «Journal of Geriatric Medicine» (2021)، فإن كبار السن أكثر عرضة للجفاف واضطراب الأملاح عند الانتقال من نظام الصيام إلى نمط العيد المزدحم. لذا، من الضروري مراقبة مستويات السكر والضغط لديهم بانتظام خلال أيام العيد، وضمان حصولهم على فترات راحة كافية بين الزيارات العائلية لتجنب الإجهاد الاحتفالي.

الذكاء الاصطناعي والتكيف مع التغيير

• الذكاء الاصطناعي في خدمة الصحة بالأعياد. في عصر التحول الرقمي، لم يعد التعامل مع الصحة العامة في الأعياد تقليدياً؛ فالذكاء الاصطناعي (AI) يمثل عيناً تكنولوجية قادرة على رصد أنماط العيد والتنبؤ بالمخاطر الصحية الجماعية.

ووفقاً لدراسة منشورة في «NPJ Digital Medicine» (2024)، يتم استخدام خوارزميات التعلم الآلي لتحليل البيانات الضخمة الناتجة عن محركات البحث ووسائل التواصل الاجتماعي لرصد بوادر تفشي النزلات المعوية أو الأزمات القلبية المرتبطة بالإجهاد الغذائي خلال العطلات الكبرى.

علاوة على ذلك، توفر التطبيقات المدعومة بالذكاء الاصطناعي الآن، مدربين صحيين افتراضيين يمكنهم مساعدة الأفراد في العيد على إعادة جدولة مواعيد أدويتهم ونومهم بناءً على تغير نمط حياتهم المفاجئ. ويعكس هذا التكامل بين التكنولوجيا والوعي الصحي، اتجاهاً متزايداً نحو تعزيز الوقاية الصحية خلال المواسم والعطلات.

• العودة إلى إيقاع النوم الطبيعي. لا يقتصر التغيير خلال شهر رمضان على الطعام فقط؛ بل يشمل أيضاً نمط النوم واليقظة. فكثير من المسلمين يغيرون جدول نومهم خلال رمضان، حيث يمتد السهر إلى ساعات متأخرة من الليل، ويستيقظون لتناول وجبة السحور قبل الفجر.

وقد يؤدي هذا التغير إلى اضطراب مؤقت في الساعة البيولوجية (Circadian Rhythm) للجسم، وهي النظام الداخلي الذي ينظم دورات النوم والاستيقاظ، فيؤثر بشكل مباشر في هرمونات الجوع (الغريلين) والشبع (اللبتين)، وهو ما يفسر سبب الشعور بجوع متكرر في أيام العيد الأولى.

وتشير أبحاث في مجال طب النوم نشرت في «Nature and Science of Sleep» (2021)، إلى أن العودة المفاجئة إلى جدول نوم مختلف قد تسبب شعوراً بالتعب أو صعوبة في التركيز خلال الأيام الأولى بعد رمضان، لذلك ينصح الخبراء بإعادة تنظيم النوم تدريجياً خلال أيام العيد.

ومن الوسائل المفيدة لتحقيق ذلك:

- النوم في ساعات الليل المبكرة قدر الإمكان.

- تقليل السهر الطويل بعد انتهاء رمضان.

- التعرض للضوء الطبيعي في ساعات الصباح.

- تجنب المنبهات مثل القهوة في وقت متأخر من الليل.

وقد أظهرت دراسات نشرت في مجلة «Sleep Medicine Reviews» أن انتظام النوم يلعب دوراً مهماً في تنظيم الهرمونات المرتبطة بالشهية والتمثيل الغذائي، كما ينعكس إيجابياً على الصحة النفسية والقدرة الذهنية.

تحقيق الانتقال الصحي الآمن من انضباط الصيام إلى حرية العيد

العيد فرحة اجتماعية وصحة نفسية

اجتماعياً، يمثل العيد ذروة «التفاعل الإنساني»، وهو أمر له انعكاسات صحية نفسية عميقة. فبعد شهر غلب عليه الطابع الروحاني والتأمل الفردي، يأتي العيد ليعيد دمج الفرد في نسيجه الاجتماعي.

وتؤكد دراسات في «Positive Psychology Program» (2023) أن صلة الرحم والتواصل المباشر في الأعياد يسهمان في إفراز هرمون «الأوكسيتوسين» المعروف بهرمون الحب والارتباط، والذي يعمل مضاداً طبيعياً للقلق والاكتئاب.

وإلى جانب الفوائد الجسدية، يحمل عيد الفطر أهمية كبيرة للصحة النفسية والاجتماعية أيضاً. فالزيارات العائلية والتواصل مع الأقارب والأصدقاء يعززان الشعور بالانتماء والدعم الاجتماعي، وهما عاملان مهمان للصحة النفسية. وتشير دراسات في علم الصحة العامة إلى أن العلاقات الاجتماعية القوية ترتبط بانخفاض معدلات التوتر وتحسن جودة الحياة بشكل عام.

ومن جانب آخر، لا بد أن ندرك أن لغة «المنع» في العيد لغة غير فعالة، والتوجيه الناجح هو الذي يمنحنا «أدوات التمكين»، فتعزيز مفهوم الأكل الواعي (Mindful Eating) خلال زيارات العيد يتيح للشخص الاستمتاع بالضيافة دون الإضرار بلياقته.

وحسب دراسة في «Harvard Health Publishing» (2019)، فإن التباطؤ في مضغ الطعام والاستمتاع بمذاقه يرسل إشارات شبع أسرع إلى الدماغ، مما يقلل الاستهلاك الحراري بنسبة تصل إلى 20 في المائة.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى عيد الفطر ليس فقط بوصفه مناسبة للاحتفال؛ بل أيضاً بوصفه فرصة لتعزيز التوازن بين الصحة الجسدية والنفسية والاجتماعية.

وأخيراً، ها هو عيد الفطر المبارك يطل علينا بوصفه جسر عبور من ضفة «الانضباط الصارم» التي ميزت شهر رمضان المبارك بجدول التغذية المحدد وساعات النوم المبرمجة، إلى ضفة «الحرية الغذائية والاجتماعية المطلقة» التي تميز طقس العيد.

وهذا الانتقال الفجائي، رغم ما يحمله من بهجة، فإنه يضع الجسد والعقل أمام «صدمة تكيفية» كبرى تتطلب قدراً من الوعي الصحي. لذلك ينبغي ألا ننظر إلى العيد باعتباره مجرد مناسبة دينية واجتماعية؛ بل أيضاً مرحلة انتقالية تتطلب إدارة ذكية متوازنة للتحولات البيولوجية والنفسية، حتى لا تضيع المكاسب الصحية التي تحققت خلال شهر الصيام.

إن العيدَ هو مكافأة للصائم، وحرية الإنسان في الطعام والشراب والنوم هي جزء من رمزية الفرح. غير أن المنظور الطبي والاجتماعي الشامل يذكرنا بأن الحرية المنضبطة هي الأرقى، وأن الانتقال السلس من رمضان إلى ما بعده يتطلب وعياً بأن الجسد أمانة، وأن الفرح الحقيقي لا يكتمل باعتلال الصحة.

• استشاري طب المجتمع


المراهقون المصابون بنقص الانتباه وفرط النشاط أكثر عُرضة للقلق والاكتئاب

المراهقون المصابون بنقص الانتباه وفرط النشاط أكثر عُرضة للقلق والاكتئاب
TT

المراهقون المصابون بنقص الانتباه وفرط النشاط أكثر عُرضة للقلق والاكتئاب

المراهقون المصابون بنقص الانتباه وفرط النشاط أكثر عُرضة للقلق والاكتئاب

ربطت دراسة حديثة لباحثين من جامعة إدنبرة في أسكوتلندا، ونُشرت في النسخة الإلكترونية من مجلة اضطرابات الانتباه (the Journal of Attention Disorders) في مطلع شهر مارس (آذار) من العام الحالي، بين أعراض اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD) وزيادة احتمالية ظهور أعراض لكثير من الاضطرابات النفسية مع مرور الوقت.

نقص الانتباه وفرط الحركة

أوضحت الدراسة التي تُعد الأولى من نوعها، أن المراهقين الذين يعانون من أعراض هذا الاضطراب أكثر عُرضة للمعاناة من المشكلات العاطفية والاجتماعية، لعدة أسباب، منها: تقلب المزاج، وعدم القدرة على التركيز فترات طويلة، والبقاء في مكان معين لمدة طويلة بسبب نشاطهم الزائد، ما يجعلهم يشعرون بالعزلة الاجتماعية، بالإضافة إلى أن الاضطراب نفسه يزيد من خطر تدني احترام الذات، ما يسبب مشكلات نفسية تؤثر بالسلب على الصحة النفسية للمراهق.

وتشير التقديرات إلى أن اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، يصيب نحو 5 في المائة من الأطفال والمراهقين في المملكة المتحدة. وعلى وجه التقريب يعاني ربع المصابين بهذا الاضطراب من القلق، بينما يعاني 40 في المائة منهم من نوبات اكتئاب قبل بلوغهم سن الثلاثين، لذلك يُعد فهم العوامل التي تؤدي إلى هذا الارتباط أمراً بالغ الأهمية، للحد من حدوث هذه المشكلات.

وتعتبر فترة المراهقة مرحلة حاسمة في تفاقم المشكلات النفسية، وبشكل خاص للمراهقين المصابين بنقص الانتباه وفرط النشاط؛ لأنها ترتبط بمجموعة من التحديات، مثل ازدياد التوقعات بالاستقلالية عن الآباء، والضغوط الأكاديمية والاجتماعية، والرغبة في عمل علاقات عاطفية، ومثل هذه التحديات تؤثر على نقاط الضعف الموجودة مسبقاً لديهم.

وحلل الباحثون بيانات استقصائية شملت أكثر من 5 آلاف مراهق، تتراوح أعمارهم بين 11 و17 عاماً، وكانت نسبة الإناث أكبر بشكل طفيف من الذكور. وجُمعت هذه البيانات من دراسة الألفية البريطانية التي تتابع المراهقين الذين وُلدوا في الفترة بين عامَي 2000 و2002، في جميع أنحاء المملكة المتحدة.

مؤشرات رئيسية

تم تقييم حدة الأعراض للمشاركين، من خلال الإجابة على مدى صحة 5 مؤشرات رئيسية، وهي: «التململ، وعدم القدرة على البقاء في وضع معين»، و«سهولة التشتت، وعدم القدرة على التركيز»، و«التفكير بروية قبل التصرف»، و«إنجاز المهام حتى النهاية»، و«عدم التنظيم وسوء إدارة الوقت».

بعد ذلك، قام الباحثون بتخصيص درجة لكل عَرَض بحيث تحصل الإجابة بـ«غير صحيح» على صفر، و«صحيح إلى حد ما» على درجة واحدة، و«صحيح تماماً» على درجتين. وجُمعت إجابات المؤشرات للحصول على درجة إجمالية لفرط النشاط/ قلة الانتباه؛ حيث تشير الدرجات الأعلى (متوسط الدرجات من 5 إلى 10) إلى فرط نشاط/ قلة انتباه أكبر بكثير من الأقران، وتشير الدرجات الأقل إلى أعراض أخف حدة.

وتم قياس حدة الأعراض الداخلية، لاستبيان نقاط القوة والصعوبات المختلفة، من خلال رصد شكاوى المراهقين؛ سواء العضوية مثل الشكوى المتكررة من الصداع وآلام المعدة والغثيان، أو النفسية، مثل كثرة المخاوف والشعور بالحزن والضيق والبكاء في كثير من الأحيان، والتوتر والتعلق الزائد في المواقف الجديدة.

عوامل محتملة

واختبر الباحثون كثيراً من العوامل المحتملة التي تربط بين اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه والاضطرابات النفسية، بما في ذلك نقص المهارات الاجتماعية، وصعوبة التعامل مع الأقران، كالرفض أو التنمر أو النفور، ومشكلات الدراسة، واضطراب العلاقات مع الوالدين، والمشكلات السلوكية، وتدني تقدير الذات. وشملت العوامل الأخرى التي تم تقييمها معرفة إذا كان أحد الوالدين يعاني من مشكلات نفسية من عدمه.

وأظهرت النتائج أن العوامل الأكثر تأثيراً في زيادة فرص الإصابة بالأمراض النفسية في المراهقين الذكور، المصابين باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة، كانت انخفاض تقدير الذات، وتراجع الصحة النفسية للوالدين.

وفي المقابل، كانت العوامل الأكثر تأثيراً في الفتيات هي: الافتقار للمهارات الاجتماعية، ووجود صعوبات في التعامل مع الأقران، وقد ثبتت هذه النتائج حتى بعد الأخذ في الاعتبار عوامل أخرى، مثل أي مشكلات سابقة في النمو العصبي أو الصحة النفسية.

ونصحت الدراسة بضرورة التركيز على حل المشكلات الداخلية للمراهقين من مرضى نقص الانتباه وفرط النشاط؛ لأن معظم الجهود التي يتم بذلها في العلاج تكون لمحاولة السيطرة على السلوكيات الخارجية لهؤلاء المراهقين، ولكن حل المشكلات النفسية قد يكون أكثر فاعلية؛ لأنه يُفسر الدافع وراء هذه السلوكيات.

وعلى سبيل المثال، فإن الميل إلى المخاطرة وارتكاب أفعال متهورة، في الأغلب يكون للحصول على التقدير من الآخرين (بسبب تدني تقدير الذات) ما يزيد من الرغبة في الشعور بالمكافأة. كما تكون مشكلات المدرسة والأقران -في الأغلب- نوعاً من ردود الأفعال للرفض المجتمعي والتنمر، أما العنف تجاه الجنس الآخر ففي الأغلب يعكس رغبة في تكوين علاقة عاطفية سليمة.

وأوضح الباحثون أن نتائج هذه الدراسة يمكن أن تسهم، في تصميم أنظمة دعم نفسي مُخصص للمراهقين المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، من خلال تدخلات فعالة لتعزيز تقدير الذات.

وتبعاً لنتائج الدراسة، يجب توفير العلاج والدعم النفسي لأسرة المراهق المصاب بالكامل، لكسر الحلقة المفرغة من المشكلات النفسية لأسر المصابين بنقص الانتباه وفرط النشاط؛ لأن الأعراض في المراهقين ترتبط بتدهور الصحة النفسية للوالدين، والذي بدوره يؤثر بالسلب على الصحة النفسية للمراهقين، وهكذا. لذلك يجب عمل مسح لعائلات هؤلاء المراهقين لمعرفة وجود مشكلات نفسية لديهم، وعلاجها بالتزامن مع علاج المراهق.

* استشاري طب الأطفال.


قياس ضغط الدم المتنقل على مدار 24 ساعة... وسيلة تشخيصية لا غنى عنها

قياس ضغط الدم المتنقل على مدار 24 ساعة... وسيلة تشخيصية لا غنى عنها
TT

قياس ضغط الدم المتنقل على مدار 24 ساعة... وسيلة تشخيصية لا غنى عنها

قياس ضغط الدم المتنقل على مدار 24 ساعة... وسيلة تشخيصية لا غنى عنها

باعتباره واحداً من أكثر الأمراض انتشاراً في العالم، ولعلاقته اللصيقة بالقلب والشرايين، فإن ارتفاع ضغط الدم قد برز بالفعل كأحد الأسباب الرئيسية للوفيات والأمراض المبكرة عالمياً.

ووفق تحديثات إرشادات الكلية الأميركية لأمراض القلب/ جمعية القلب الأميركية (ACC/AHA) فإن أي مريض يزيد ضغط دمه الانقباضي عن 130 ملم زئبق يصنف على أنه مصاب بارتفاع ضغط الدم، بدلاً من الإرشادات السابقة التي كانت تعتمد قيمة 140 ملم زئبق كحد فاصل لتصنيف الشخص على أنه مصاب بارتفاع ضغط الدم.

عامل خطر على القلب

ويُعد «مرض ارتفاع ضغط الدم» أحد عوامل الخطر الرئيسية لأمراض الشرايين التاجية للقلب، والسكتة الدماغية، واحتشاء عضلة القلب بفعل نوبة الجلطة القلبية، وفشل القلب، وأمراض الكلى المزمنة. ومع ذلك، يُعدّ ارتفاع ضغط الدم عامل خطر ذا تأثير «قابل للتعديل»، حيث تُسهم التدابير غير الدوائية والدوائية في خفض خطر الإصابة بهذه المضاعفات والتداعيات، بشكل كبير. ولذا، تُعدُّ قياسات ضغط الدم ضرورية للأطباء في تشخيص وعلاج ارتفاع ضغط الدم.

وتصنف إرشادات جمعية القلب الأميركية/الكلية الأميركية لأمراض القلب ضغط الدم إلى طبيعي، ومرتفع، وارتفاع ضغط الدم (المرحلة 1 والمرحلة 2)، بناءً على قياسين أو أكثر في مناسبتين منفصلتين أو أكثر.

ولطالما اعتمد تشخيص وعلاج ارتفاع ضغط الدم على قياس ضغط الدم في العيادة، لأنه يُقدّم تقييماً سريعاً لضغط دم المريض. إلا أن ذلك قد لا يعكس ضغط دمه الحقيقي، مع احتمال أن تكون نتائج القياسات مرتفعة أو منخفضة بشكل خاطئ. حيث أظهرت البيانات العلمية الإكلينيكية أن ضغط الدم قد يختلف اختلافاً كبيراً عند قياسه في العيادة عنه عند قياسه خارجها. هذا مع العلم أن ارتفاع ضغط الدم خارج العيادة يرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، بغض النظر عن ضغط الدم المُقاس في العيادة. كما أن قياس ضغط الدم في العيادة لا يُعطي أي فكرة عن تغيّر ضغط الدم على مدار اليوم أو تأثير أدوية خفض ضغط الدم على هذا التغيّر.

«قياس ضغط الدم المتنقل»

وهنا يُساعد «قياس ضغط الدم المتنقل على مدار 24 ساعة» ABPM في تقليل عدد القراءات الخاطئة المحتملة، بالإضافة إلى فوائد إضافية تتمثل في فهم التباين الديناميكي لضغط الدم.

وإليك المعلومات الـ4 التالية:

1. يُعدّ «قياس ضغط الدم المتنقل على مدار 24 ساعة» من الطرق الإكلينيكية المعتمدة لقياس ضغط الدم خارج العيادة. وهو وسيلةً مهمة لقياس ضغط الدم في البيئة الحياتية التي يعيش فيها المرء طوال الوقت، والتأكد من تشخيص الإصابة بمرض ارتفاع ضغط الدم، ووضع الاستراتيجيات العلاجية للسيطرة عليه. وذلك وفق الإرشادات الطبية لجمعية القلب الأميركية AHA والكلية الأميركية لطب القلب ACC وجمعية القلب الأوروبية ESC.

وفي هذا السياق يفيد أطباء «كليفلاند كلينك قائلين»: «يسجل جهاز مراقبة ضغط الدم المتنقل قراءات ضغط الدم على مدار 24 ساعة، سواء كنت مستيقظاً أو نائماً. ويتم ذلك خارج عيادة الطبيب، أثناء ممارستك لحياتك اليومية. وترتدي سواراً على ذراعك وجهازاً صغيراً مُثبّتاً على حزام. ويأخذ جهاز مراقبة ضغط الدم المتنقل عشرات القراءات على مدار فترة متواصلة. وفي معظم الحالات، يسجل الجهاز قراءات كل 15 إلى 30 دقيقة خلال النهار وكل 60 دقيقة ليلاً. كما يقيس الجهاز معدل ضربات القلب (سرعة نبضات القلب). ويستخدم مقدم الرعاية الصحية هذه البيانات لحساب متوسط ضغط الدم على مدار 24 ساعة. كما يحسب التغيرات في ضغط الدم ومعدل ضربات القلب، ونمط توزيع ضغط الدم، وإحصاءات أخرى».

2. وفق ما تشير إليه مصادر طب القلب، إليك الملخص التالي: يُستخدم جهاز مراقبة ضغط الدم المتنقل لأسباب عديدة، منها:

- تأكيد تشخيص إصابة الشخص بمرض ارتفاع ضغط الدم.

- تحديد كيفية ارتباط تغيرات ضغط الدم بأنشطته اليومية وأنماط نومه. وعادةً، ينخفض ضغط الدم الانقباضي (الرقم العلوي) بنسبة تتراوح بين 10 و20 في المائة أثناء النوم. مع ذلك، ليس هذا هو الحال دائماً، فقد يبقى ضغط الدم الانقباضي ثابتاً أو يرتفع خلال فترة الليل. وهذا له دلالات إكلينيكية مهمة. (راجع مقال «ارتفاع ضغط الدم أثناء الليل... أسباب وعواقب صحية» عدد 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 لملحق «صحتك» بجريدة «الشرق الأوسط»).

- معرفة مدى فعالية أدوية ضغط الدم في السيطرة على ارتفاع ضغط الدم، فقد لا تُسيطر الأدوية على ضغط الدم طوال اليوم والليلة، وقد يحتاج الطبيب إلى تعديل جرعات أو مواعيد تناول الأدوية، وذلك بناءً على أنماط تغير ضغط الدم لدى المريض، أو قد يحتاج إلى أكثر من دواء لتحقيق استقرار ضغط الدم. وهذا يتضح للطبيب من نتائج القراءات المتواصلة لجهاز مراقبة ضغط الدم المتنقل.

- تحديد التغيرات في قراءات ضغط الدم فيما بين العيادة مقارنةً بالمنزل أو أثناء أداء العمل اليومي أو خلال النوم. ويمكن أن تساعد معرفة هذه التغيرات في تحديد مستوى خطر إصابتك بأمراض القلب والأوعية الدموية. وبالتالي وضع آليات أفضل للمعالجة.

رصد أنماط ضغط الدم

3. يمكن لجهاز مراقبة ضغط الدم المتنقل الكشف عن التغيرات غير الطبيعية في ضغط الدم التي قد تمر دون ملاحظة. ولذا هي في الحقيقة طريقة مفيدة ولا غنى عنها البتة للكشف عن أنماط ضغط الدم المختلفة. وخاصة في الحالات الأربع التالية التي يذكرها أطباء «كليفلاند كلينك» وهي:

- حالة ارتفاع ضغط الدم الناتج عن التوتر في العيادة، أو ما يُعرف بارتفاع ضغط الدم المرتبط برؤية البالطو الأبيض في العيادة White Coat Hypertension، حيث يُعاني بعض الأشخاص الذين يكون ضغط دمهم طبيعياً في المنزل من ارتفاع في ضغط الدم عند زيارة الطبيب. ويُعرف هذا بارتفاع ضغط الدم الناتج عن التوتر في العيادة، أو متلازمة المعطف الأبيض. وقد يؤدي ذلك إلى تشخيص خاطئ بارتفاع ضغط الدم، حتى وإن كان ضغط دمك طبيعياً. ويُصيب هذا النوع من ارتفاع ضغط الدم ما بين 10 إلى 30 في المائة من الأشخاص الذين يُعانون من ارتفاع في قراءات ضغط الدم في العيادات. وقد يُشير ارتفاع ضغط الدم الناتج عن التوتر في العيادة إلى وجود مشكلة في ضغط الدم، لذا ينبغي عليك أنت وطبيبك مراقبته.

- ارتفاع ضغط الدم المستمر Sustained Hypertension. ويُشير هذا إلى قراءات ضغط الدم المرتفعة سواء كنت في عيادة الطبيب أو في المنزل. وربط الباحثون هذه الحالة بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والكلى، بالإضافة إلى السكتة الدماغية.

- ارتفاع ضغط الدم المُقنَّع Masked Hypertension. ويحدث هذا عندما تكون قراءة ضغط دمك طبيعية في عيادة الطبيب، ولكنها مرتفعة في المنزل. قد يُصيب هذا ما يصل إلى 30 في المائة من البالغين الذين تكون قراءات ضغط دمهم طبيعية في عيادة الطبيب. قد تواجه خطراً أكبر للإصابة بارتفاع ضغط الدم المقنَّع إذا كنت تعاني من أمراض الكلى أو السكري أو انقطاع النفس الانسدادي النومي Sleep Apnea.

- ارتفاع ضغط الدم الليلي Nocturnal Hypertension. ويعني هذا أن ضغط دمك يرتفع أثناء النوم. يصيب ارتفاع ضغط الدم الليلي ما لا يقل عن 2 من كل 10 أشخاص بيض، ونحو 4 من كل 10 أشخاص سود. وهو أكثر شيوعاً بين مرضى السكري أو أمراض الكلى. ولا تزال الأبحاث جارية لاستكشاف العلاقة بين ارتفاع ضغط الدم الليلي وأمراض القلب والأوعية الدموية.

4. يُعدّ قياس ضغط الدم المتنقل طريقة دقيقة وفعّالة لقياس ضغط الدم. فهو يُزوّد الطبيب والمريض ببيانات أدقُّ مقارنةً بقياس ضغط الدم في المواعيد الطبية فقط. ويُمكن أن يُفيد قياس ضغط الدم المتنقل شريحة واسعة من الأشخاص. وخاصة منهم في الحالات التالية:

- حين ملاحظة ارتفاع ضغط الدم بناءً على قراءات عيادة الطبيب، ولكن لم تبدأ العلاج بعد، ويريد الطبيب أن يتأكد من تشخيص وجود مرض ارتفاع ضغط الدم.

- عند ملاحظة الطبيب عدم انضباط ارتفاع ضغط الدم برغم تناول أدوية، وتدعو الحاجة إلى تعديل أدوية ضغط الدم.

- استمرار ارتفاع ضغط الدم رغم تناول الأدوية، للبحث عن مزيد من المعرفة عن مدى تأثير الأدوية بعد تناولها خلال فترات اليوم.

- عند تناول الشخص لأدوية أخرى قد تؤثر على ضغط الدم، ويحتاج الطبيب إلى التأكد من عدم تسببها بذلك الارتفاع للمريض.

- عند شكوى المريض من التعرض لنوبات إغماء أو انخفاض ضغط الدم، ويريد الطبيب أن يتأكد أن ذلك ليس بسبب انخفاضات واضحة في مقدار ضغط الدم.

- اكتشاف ومتابعة ارتفاع ضغط الدم أثناء الحمل.

وتشمل النتائج الطبيعية لمراقبة ضغط الدم المتنقلة العناصر الأربعة التالية:

- متوسط ضغط الدم على مدار 24 ساعة: 125/75 ملم زئبق أو أقل.

- ضغط الدم أثناء النهار: 130/80 ملم زئبق أو أقل.

- ضغط الدم أثناء الليل: 110/65 ملم زئبق.

- انخفاض ضغط الدم الليلي: انخفاض في ضغط الدم بنسبة 10 إلى 20 في المائة.